يجمع التصوير الضوئي بين المهنة والفن والعلم، وهو حاجة ضرورية تندرج في كافة الاختصاصات والمجالات الحيوية والعلمية والجمالية للإنسان، والصورة بحد ذاتها قيمة بصرية ومعرفية، تقدم المعلومة وتختزن طاقة المكان والإنسان، وهو وسيلة لتوثيق الحقائق أو المناسبات الإنسانية والاجتماعية، فللتصوير الضوئي دور فاعل ومهم في كل العلوم المتطورة، وله دور في تقدم كل التقنيات الحديثة، ذلك لأنه يستخدم وبشكل واسع في العديد من المجالات التي تسهم في تطوير العلوم والتقنيات في الحياة.
وقد تطور التصوير على أساس العمل الإعلامي وتطور الاعلام على أساس العملية التصويرية وما تحققه من نجاح للعمل الإعلامي، فالعمل الاعلامي بات يقترن بما يتضمنه من لقطات صورية وكذلك العمل التصويري بات يتأثر بما تقدمه الكاميرا من خدمات للعملية الاعلامية، وهنا تتضح الصورة في تشابك العملية التصويرية والعملية الاعلامية لما تقدم من معلومات تقود المتلقي للمتابعة، وهناك طائفة واسعة لاتعد ولاتحصى من الاستخدامات الضرورية للتصوير والتي تواشجت مع الحياة بدقائقها وتفاصيلها.
جاسم ربيع أحد الفنانين المصورين الذين كرسوا حياتهم لدراسة ومعرفة أسرار وتفاصيل هذه المهنة، يحمل في جعبته الكثير من المشاهد التي أفضت به إلى هذا المكان حيث العدسة المرهفة، تتجول هنا وهناك مفتشة عن لحظة خالدة، ولقطة قادرة على اقتناص خيط الضوء المشبع بالحياة.
سكيك الطفولة وديكو
ولد في دبي، قرب سوق بر ديرة، و ذكريات دافئة يحملها عن تلك الأيام، مذ كان يتجول في السوق القديم وكان التجار يجلبون بضائعهم من عمان في فترة الصيف يقول: هناك كان ملعبنا حيث مستودع الحبابي ومنطقة السبخة وسوق النجارين، كنا نظهر في الليل كالخفافيش بعد إغلاق المحلات، ونلف على المحلات في السكيك، نلعب(اليوريد) الاستغماية، وكنا أحيانا نغادر خارج منطقتنا، ويتذكر أحد مجانين المنطقة ذا الأصل الصومالي الذي كان يتعكز على قضيب معدني، يقول كان مخيفاً بالنسبة إلينا،
وكنا نراه عملاقاً يلبس معطفاً طويلاً في كافة الأوقات ويتكلم عن أشياء غامضة ومبهمة وكان على الدوام يحتفظ بدفتر يسجل عليه أشياءه. ثم هناك أيضاً شخصية (ديكو) وهي امراة تلبس ملابس رجال وكان الأهالي يخيفوننا بها بقولهم (ديكو ماكلا ولدها).. وكانت تمثل بالنسبة إلينا حالة رعب فإن كانت قد أكلت أولادها فما الذي ستفعله بنا إن أمسكتنا،
كما يتذكر فطوم التي كانت تبيع الدجاج والبنغالي الذي يبيع الفواكه والعديد من الشخصيات التي نمت في ذاكرته ومرت بحياته تاركة أثراً عميقاً في تكوين سيرته. يمر العوضي بدراسته في (المعهد الديني ) بدبي والتي قد سبقه إليها ابراهيم بوملحة ، سعيد حارب، علي عبيد، علي حسن المالك، يقول: كنا نراهم عند التقاطع بين السبخة وسكة الخيل وكانوا يكبروننا سناً ويذكر أن تلك الصباحات ترافقت في ذاكرتنا مع تلاوة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي كان يتصاعاد في خاشعاً وحنونا وسحريا، حتى تمازج مع أحاسيسنا وأشبع عواطفنا، ونحن ننتظر الباص ليقلنا إلى المعهد.
ويتذكر الشيوخ الذين درسّوا في المعهد من أمثال الشيخ بو يوسف والشيخ بوملحة والشيخ عبد الرحمن المنصوري، والشيخ أحمد الشيباني، والشيخان أحمد ومحمد بن ظبوي، وعن الشيخ المنصوري يقول كان سؤاله المعتاد صباح كل سبت: ( أين صليت البارحة)؟ وكان البعض يجيب مثلاً أنه صلى في مسجد الزرعوني، وإن اكتشف كذب أحد الطلاب كان أقصى ما يقوله (ياخبيث العمل)، أما عن الشيخ بو ملحة فيوصفه بأنه كان شديد الهدوء.
بعد الصف السادس انتهت مرحلة المشايخ ليلتحق بالمدرسة الأحمدية حتى نهاية المرحلة الإعدادية، ثم يتابع دراسة المرحلة الثانوية في (ثانوية دبي) منذ تلك الفترة كانت الميول الفنية ظاهرة لدى العوضي وقد تأثر ببعض المدرسين الذين درسوه في المدرسة الأحمدية، وقد كان شقيقه (فيصل) يمارس التصوير بدوره والذي كان ضمن أول دفعة أرسلها الشيخ مكتوم آل مكتوم للدراسة في بريطانيا عام 1969،
أما عن ولعه بالتصوير الضوئي فقد كان لخاله دور كبير ، يقول: خالي عبد الله حاج قنبر هو من أوائل الذين جلبوا كاميرات التصوير ومعدات الطباعة وقد كان يعمل مصورا في دبي في (صالة دبي للتصوير) وحتى الآن احتفظ بصور عليها أختام الصالة، وقد كان يطلق في ذلك الوقت على المصور اسم (عكاس)، وكان يصور الأشخاص الذين يريدون إرفاق صورهم على ورقة العبور والتي كانت بمثابة وثيقة سفر وكان المغفور له الشيخ سعيد لايوقع على ورقة العبور إن لم تكن الصورة ملتقطة من قبل خالي ومهورة بختم المحل.
التصوير الجنائي
ويستطرد العوضي بذكرياته عن التصوير وتكوّن الميول لديه يقول: كنت في تماس دائم ومباشر مع الصورة، وكنت قد قررت دراسة الفنون في المرحلة الثانوية ، وبعد تخرجي من الثانوية ذهبت إلى سعيد سلمان الذي كان وزيرا للتربية آنذاك وطلبت منه إيفادي إلى مصر لدراسة الفنون وقد وافق على ذلك، حتى تلقيت مكالمة هاتفية من اللواء جمعة أمان يطلب مني الذهاب إلى مقر القيادة وعرض علي الذهاب إلى أمريكا للدراسة هناك، فوافقت على المنحة وطلبت دراسة التصوير الجنائي،
ومنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة الجد والدراسة الأكاديمية وبدأت فكرتي عن التصوير تتغير وبدأت أتعمق رويداً رويداً بهذا العالم الكبير، وعرفت أن للتصوير قواعد وقوانين ومدارس وتقنيات متعددة من الضروري الاطلاع عليها والتعرف على تفاصيلها وحصلت على بكالوريوس في الفوتوغرافيا من جامعة زدايتونس، أوهايو، 1985.
وكنت قد صورت في عام 1983 أجزاء من البستكية قبل أن تهدم وقد أظهرتها في أميركا ولازال النيجاتيف معي حتى الآن، وبعد تخرجي أقمت معرضي الأول الذي كان يحتوي على العديد من الصور مأخوذة عن الجزيرة الحمراء وبورتريهات بالأسود والأبيض، وأعمال ملتي ميديا باستخدام اللاين فيلمز منفذة مع ألوان الأكريليك والباستيل .. إلى جانب العديد من الصور الليلية التي التقطتها لإمارة دبي، وفي تلك الآونة قابلت عبد الرحيم سالم ومحمد يوسف وكانت انطلاقتي في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية
يعتز العوضي بتجربته في المختبر الجنائي ويعتبرها حاسمة في تعميق خبراته وتطوير قدراته، يقول: لقد مكنتني من الاحتكاك والاطلاع على العديد من القضايا ففي التصوير الجنائي يجب أن تكون محايدا ودقيقاً وقد كانت الأمور على درجة عالية من الصعوبة، فلا وقت محدد ولامكان محدد وأسوأ العوامل والظروف للتصوير كانت تتجمع في أماكن التصوير الجنائي، ويؤكد بأنه لولا وجوده في ذلك المختبر لماوصل إلى ما وصل إليه.
لم يتوقف العوضي عند هذا الحد فقد استمر لديه هاجس التعلم وتمكن من متابعة دراسة التصوير في المملكة المتحدة وحصل على الماجستير في الفنون/ فوتوغرافيا من جامعة زنوتينغهام ترينتز، عام 1999. وفي عام 2000 حصل على جائزة دبي للأداء الحكومي فئة الموظفين / القسم الإشرافي.
التفرغ
في سنة 2003 ولإفساح المجال للشباب طلبت التقاعد، فقد أصبح الوقت ملائماً لإضافة لمستى على الصورة وإدخال الحس الشخصي والتفرغ لمتابعة دراسة التصوير خصوصاً وأنا في طور التحضير لرسالة الدكتوراة وفي مصر هذه المرة وموضوعها الوقت أو التلوين بالضوء وهي مقاربة لفنون الرسم والتصوير الزيتي حيث الأدوات هناك هي الفرشاة واللون أما أدواتي في التعبير والتلوين
فهي عبارة عن (الضوء)، وبالعودة إلى الأماكن التي صورها فهي بيت المغفور له الشيخ سعيد قبل أن يتم ترميمه في منطقة الشندغة ومنطقة التراث في المريجة والشيويهين ويؤكد الفنان العوضي على ضرورة توافر ثلاثة عناصر في الصور الفوتوغرافية الفنية والتي يمكن من خلالها معرفة هوية الفنان الذي يقف وراء العدسة وهي:
(الضوء، زوايا الالتقاط، والإحساس).. أي أن تشعر بالمكان والطاقة الموجودة والعائمة في تفاصيله، وأن تشعر بالأشخاص الذين كانوا هنا ذات يوم، وهنالك ضرورة لأن يعيش الفنان في نسيج البيئة ويستنشق هواءها وترابها وينعجن بطينها كيما يتمكن من التقاط صورة تحتوي على العاطفة والحس والفرادة، فهناك العديد من الصور التي التقطتها كاميرا احترافية لكنها لاتتعدى كونها ملصقاً جميلاً.
وعن الصور الأثيرة لديه يقول: الصور التي أحبها هي الصور التي لاأستطيع إظهارها للناس وهي التي التقطتها أثناء عملي خبيرا جنائيا ، رغم أني أحب كل صوري ولاأستطيع المفاضلة بينها ولهذا السبب لاترى في منزلي صورا معلقة لي بسبب صعوبة الاختيار والتفريق بين صورة وأخرى.
نادي الإمارات للتصوير
أما عن نادي التصوير فيؤكد العوضي على أن الغاية من التسمية هي إفساح المجال لاستخدام مختلف التقنيات في التصوير، يقول: لقد ارتأينا ضرورة اطلاق تسمية (نادي) وليس جمعية على تجمع المصورين، فجزء من أهدافنا تكوين أندية في كل إمارة بحيث نوجد جوا من المنافسة وهاجس تطوير العمل والارتقاء به، فأنا أشغل منصب رئيس النادي وهنالك روح فريق وليس ثمة مناصب في العمل الفني لكننا نحاول تقديم الخبرة التي نمتلكها ونتداول العديد من الآراء والاقتراحات،
ويقول هناك قصوراً ملحوظاً في التفنيات والمقدرة على التصوير لدى العديد من المصورين الذي يعملون في الجانب الإعلامي أو في مجال العرض الفني فقلما نعثر على صورة ذات طابع فني بالمعنى الكامل للكلمة، ومسألة بذل الجهد ومتابعة الدراسة والاطلاع العلمي هي من أولويات فن التصوير الضوئي، فهنالك التقنيات العلمية وهنالك تقنيات الفن البصري التي تحتاج إلى دربة وموهبة ومتابعة حثيثة. وهناك حاجة للاحتكاك بالمصورين العالميين والجهات العاليمة التي تدعم فنون التصويرالضوئي،
ويرى أن بعض جوانب المشكلة تنحصر في أن مهنة التصوير أضحت أسهل مهنة وقد غزت كافة المؤسسات الصحفية والإعلامية، دون تحقيق المستوى الفني والمهني المطلوب، رغم أن مهنة التصوير الحقيقية هي مهنة ثمينة تتطلب مهارة كبيرة وموهبة خاصة وهي إلى جانب ذلك مهنة خطرة ودقيقة فقد رأينا في الآونة الأخيرة مقتل العديد من المصورين الميدانيين الذين حاولوا متابعة الحقيقة وتصوير الأحداث بمآسيها ومجازرها ، حتى أصبح المصور هدفاً مطلوباً.
إسماعيل الرفاعي



