من الأصوات المعرفية البارزة على الساحتين الإماراتية والعربية اتجه منذ البدايات لخوض تجربة حياتية عميقة أصلت دوره الريادي في خدمة الثقافة الوطنية في المراحل التي مر بها لينتهي به المطاف رمزاً من رموز الثقافة المحلية. غادر البلاد مرات عدة للدراسة ونهل من ثقافات متنوعة معارف وعلوم أثرت تجربته.

تولى مهام متعددة ليترك لمسات وتزامنا مع تلك المهام تتوالى نشاطاته الأهلية لتلقي بظلالها على المجتمع ولتظهر في النهاية الجانب الاجتماعي الأصيل في شخصيته. مأخوذ بالموروث الإماراتي ومنقب بامتياز عن التراث وبالأخص نتاج الشعراء الفني ليمسح الغبار عن مخطوطات كاد النسيان يغمرها، إنه بلال البدور، شخصية العام الثقافية.

عاش طفولة هادئة لا تخلو من بعض الشقاوة في حي بمنطقة ديرة، يقع بين البحر وسوق الذهب،لتلوحه رياح البحر المتسللة في أروقة الحي، تلك الرياح القادمة من الشمال بما تحمل من رائحة بحرية والتي شكلت نسجاً من الروابط ما بين البدور ومن في جيله وبين البحر بعوالمه الآسرة، ليعشق البحر ويرتبط بالحياة البحرية منذ النشأة، إلا أنه يترك البحر بذكرياته الدافئة ويتوجه إلى الدراسة.

وعن طفولته يقول: عشقت البحر منذ طفولتي، حيث نشأت في حي يقع على مقربة منه، وكان يتمتع حيناً بمزيد من التواصل والإخاء بين أهله ولم تكن نسائم البحر سوى خيوط وجدانية تربطنا به ورغم أن والدي كان يعمل في الغوص والأسفار البحرية إلا أنني لم أدخل البحر أو أسافر فيه،

بل توجهت للدراسة في مدرسة الأحمدية حتى الثالث الابتدائي لأنتقل لمدرسة محدثة للعلوم الشرعية (الدينية) التي تحولت فيما بعد إلى المعهد الديني، في هذه المرحلة كان أغلب المدرسين من أبناء الإمارات فتولد تواصل بين أسر التلاميذ والطلاب وبين المعلمين، فلم يكن هناك فاصل فيما يخص الرقابتين الأسرية والتعليمية ما دفع بنا إلى الاجتهاد وتحاشي التقصير.

بدايات تشكيل الوعي

وقد أغنت النشاطات الرديفة لدراسته مرحلته تلك، فكانت فرصة لاكتساب المزيد من المعارف، من خلال النشاطات الفنية المتنوعة خاصة تلك التي عاشها في التلفزيون.وفي هذا يقول: كانت الكويت تبث ما يسمى (تلفزيون الكويت من دبي) ـ فلم يكن في دبي تلفزيون محلي آنذاك ـ في إطار دعمها للإمارات التي لم يكن لديها ذلك الدخل وتلك الثروات المحلية حتى منتصف الستينات، كان أحد المدرسين في الثانوية (مصطفى الشريف) يعد بعض البرامج فيؤدي بعض «الاستكشاف» والمشاهد التمثيلية للمسابقات في برنامج (سجل الخالدين)،

حيث يقدم شخصية معينة من خلال مشهد تمثيلي وكنت أشارك في هذا العمل، وأذكر قبل ذلك بكثير في مدرسة الأحمدية حيث كنت نشيطاً في المسرح المدرسي، ومما أذكر أنني شاركت في إحدى المرات في تقديم لوحة ترحيبية وكنت أحمل أحد حروف هذه اللوحة (الجملة) وأنشد نصاً من وحي هذا الحرف.

وقمت بالتمثيل في أول عمل تلفزيوني محلي وكان مسلسلاً من سبع حلقات ويعالج قضية ارتفاع المهور وزواج كبار السن من صغيرات وذلك عام 1970 على ما أذكر وكان هذا المسلسل بعنوان «الحل الأخير» وتم تقديمه على شاشة تلفزيون الكويت من دبي. وفي هذا العمل كانت المشاهد التي تؤديها البنات تصور لوحدها إلا أن الحلقة الأخيرة كانت مشتركة في التصوير وهذه المرحلة ساهمت في تكوين الوعي خارج إطار الدراسة، فأصبحت فاعلاً في الأعمال الفنية وتعرفت على الكاميرا والحل الإخراجي وتعرفت على مجموعة من المخرجين من المواطنين

وأذكر منهم المخرج عبدالله درويش إضافة لمصورين في التلفزيون (سالمين السويدي ومحمد ناصر). وكنا في هذه المرحلة نقوم برحلات خلوية في البر لعدة أيام، فنمت لدينا روح الجماعة بعد أن خرجنا من حدود الأسرة وبدأت تتوسع دائرة علاقاتنا وهو ما سهل علينا مسألة الغربة أثناء الدراسة فيما بعد خارج البلاد.

الصداقة من القيم التي تلتصق به منذ الصغر، وهو الودود بطبعه والصدوق لأقرانه، فتراه يلتقي بين الحين والآخر بأشخاص كانت تربطه معهم أوقات من اللعب أيام الطفولة، يقول: ما زالت صداقاتي التي كانت في المراحل الأولى قائمة وهي مبنية على الشفافية، فلم أكن عدائياً، والعلاقات التي كانت تربطنا منذ تلك الفترة كانت من خلال لعبة كرة القدم التي كنا نلعبها في الحي،

فبعد سنين طويلة من تلك المراحل عدت والتقيت بصديق طفولتي وهو الشيخ فيصل القاسمي، التقيته، وزيراً للشباب والرياضة هذه المرة وتجمعني معه آنذاك في الطفولة لعبة كرة القدم، ولم تكن الألعاب الشعبية في واردي فلم أكن أهواها.وهناك العديد ممن التقي بهم من أصدقائي القدامى وقبل أعوام عدة أقمنا لقاء لطلاب المعهد الديني في استعادة لتلك الذكريات العائدة لأيام الدراسة.

من الأزهر إلى الجامعة العربية

تنتهي مرحلة الطفولة والدراسة الثانوية لتبدأ مرحلة أخرى أشد فاعلية، حيث اتجه في العام 1971 إلى القاهرة للدراسة في الأزهر وتخصص في اللغة العربية ليعود في العام 1975، منهياً تخصصه، إلا أنه لم يتجه إلى قطاع التدريس. يقول:

بعد عودتي من القاهر أشار لي أحد الإخوة ناصحاً بالذهاب إلى وزارة الخارجية فاتجهت إليها، وفي سبتمبر من العام نفسه صدر تعييني سكرتيراً ثالثاً بوزارة الخارجية، وفي هذه الفترة كانت الدولة بحاجة إلى خريجين ولم تكن الاختصاصات بتلك الأهمية، فكان من الوارد ألا يطابق التخصص للوظيفة التي يحصل عليها طالب العمل من الخريجين الجدد.

فتم تعييني بالدائرة السياسية وعندها اتجهت إلى المكتب لاقتناء كتب في الدبلوماسية والعلوم السياسية وبدأت أحضر نفسي للعهد الجديد. بعدها بأشهر انتدبت للعمل بوزارة الدولة لشؤون مجلس الوزراء في الأمانة العامة ولمدة ثلاثة أشهر. مرحلة العمل بعد عودته إلى الإمارات من الدراسة لم تكن طويلة، فقد عُرض عليه الانتقال إلى سفارة الإمارات بالقاهرة، ليعود ثانية إلى مكان تكّون الشخصية في مرحلة المغادرة الأولى.

يقول:استلمت مهام الملحق الثقافي لفترة إلى أن اعتمدت وزارة التربية والتعليم نظام الملحقين الثقافيين، فتركت الملحقية الثقافية وانتقلت إلى العمل السياسي بقسم في السفارة متخصص بشؤون الجامعة العربية. بمعنى معاون للمندوب الدائم لدى الجامعة، وهنا بدأت مرحلة جديدة وأصبحت مهيأ لحضور اجتماعات مجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين ووزراء الخارجية والقمة العربية أيضاً.

وكنت شاركت في تعديل ميثاق جامعة الدول العربية إضافة لمشاركتي في اللجنة الدائمة للشؤون الإدارية والمالية. هنا اتجهت للمكتبة مرة أخرى لقراءة كتب تخصصية في مجال الإدارة والمالية العامة والمحاسبة.وبعد انتقال مقر جامعة الدول العربية إلى تونس انتقلت كذلك، وبقيت فيها لمدة ثلاث سنوات، عدت بعدها إلى الإمارات لأقطع علاقتي بالسلك الدبلوماسي.

.. وإلى قطاع الشباب والثقافة

عودة جديدة لأرض الإمارات، ربما أكثر استقراراً في المكان، ولكن مرحلة غنية بتفاعلاتها، فقد انتقل إلى المجلس الأعلى للشباب والرياضة ليتسلم مهام الإدارة في الشؤون الإدارية والمالية، وبعد 8 سنوات من ذلك يتسلم مهام إدارة الثقافة والإعلام ثم مديراً لإدارة الشباب والرياضة بعد تحول المجلس إلى وزارة الشباب والرياضة، في هذه الأثناء بدأت علاقته بالعمل الأهلي في قطاع المجتمع عبر نشاطاته الخاصة فأصبح أميناً عاماً للمسرح القومي للشباب

ثم رئيساً لإدارة مجلس المسرح ثم أمين سر عام ندوة الثقافة والعلوم. وأيضاً انضم لعدة جمعيات مثل جمعية رعاية الأحداث وجمعية رعاية الموهوبين وجمعية حماية اللغة العربية. وبالطبع فإن نشاطه هذا في القطاع الأهلي يستند في الهواجس إلى عضويته السابقة في الهيئة التأسيسية لنادي طلبة الإمارات في القاهرة.

وبالعودة في الحديث عن العمل المؤسساتي لبلال البدور نرى أنه بقي في الشباب والرياضة حتى أواخر 2004 لينتقل إلى وزارة الإعلام والثقافة وكيلاً مساعداً للشؤون الثقافية التي تم استبدالها في آخر تشكيل وزاري لتصبح وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع. يشعر بشيء من التقصير تجاه عائلته،

فالاهتمام العام كما هو واضح كان على حسابه الخاص من حياته. يقول: معظم ساعات النهار أقضيها في العمل تقدر أسرتي النتيجة وهذا بالنهاية عملك، أسخر الوقت لصالح الوطن نعم وقد أشعر بالتقصير تجاه الأسرة إلا أنني أشعر بالمفخرة أن وقتي مسخر لمصلحة الوطن. كنت أذهب في نزهات مع الأسرة ولكنني لم أتمكن من الالتزام في ذلك إلا أننا نلتقي مع الأهل في منزل الوالدة مرة في الأسبوع.

نعم للثقافة الفاعلة لا للتنظير

يرى الثقافة على أنها المعرفة، والثقافة بدورها لا تختص بجانب معين، يقول: على الإنسان تلمس الثقافة في المحيط بما فيه من تراكم معرفي، وكلما تكون لديه هذا التراكم زادت معرفته بجوانب عديدة من الثقافة، كذلك على المثقف الشمولي أن يكون قريباً من جميع مفردات الثقافة بجوانبها المتعددة من تراثية وجمالية وإبداعية، بصرياً وسمعياً وما إلى ذلك.

يقال عن هذا الإنسان موسوعي، والحديث للبدور، وبالطبع هذا لا يتعارض مع التخصص ويجب أن يكون هناك متخصص ولكن إن لم تتوفر لديه نتف من العلوم والفنون الأخرى سيكون كالآلة يجيد في جانب معين بامتياز ولا يعلم مما حول هذا الشيء، وهنا أعتقد أنه لن يستطيع التفاعل مع المحيط.

وأحب من الثقافة الجانب العملي وأقصد خدمة الثقافة وابتعد عن التنظير فهناك من يجلس على كرسيه وينطلق من مفردة يجب، أنا مع الممكن والواقع وألا يكون الإنسان حدياً، إما كذا أو لا يكون الشيء. أرى أن يكون الإنسان مؤمناً بأن الساحة تسع الجميع وأن الاختلاف في الرأي مهما وصل يجب ألا ينتهي بالقطيعة.

نحن أمة مدعوة للحوار بحكم كينونتنا وبالتالي لا بد أن نتقبل الآخر مبتعدين عن الإقصاء. أختلف معك وأحترم رأيك لكن وفق ثوابت وهي ألا يكون هذا الشيء مخالفاً لمعتقد أو لطبيعة الأشياء.ولهذا تجده مشغولاً بثقافة الإمارات ويرى أنها لم تأخذ حقها من الدراسة والتوثيق والبحث، كذلك يرى أن رجال الإمارات ومبدعيها مجهولون على الساحة العربية والمحلية وهذه مسؤولية المؤسسات والأفراد كما يعتقد.

مشروع الموسوعة

يقول: العناية بتراث وآثار الإمارات والحركة الثقافية والتعليمية فيه تحتاج إلى رعاية واهتمام وعناية بالموسيقى والمسرح والسينما والفنون الشعبية والفلكلور، فالتراث المادي وغير المادي لابد من صونه وحمايته وتوثيقه وتوظيفه.من هذا المنطق تراه يقلب بعض المخطوطات وبعض ما في الذاكرة وما على ألسنة الرواة ليكون حصيلة من الأسماء ممن نظموا الشعر. لتصدر كموسوعة تضم شعراء الإمارات، تحتوي بين نموذج وثلاثة بالإضافة لسيرة ذاتية مقتضبة للشاعر.

يقول: القصائد مختارة ونسبة 60% من التراجم مكتملة وباستكمال التراجم سيتم إعادة قراءتها على الحاسوب ثم يدفع بها إلى الطبع. وما أطال فترة انجازها أنني غير منظم في عملية الكتابة بسبب انشغالي في مجال توثيقي متعدد الجوانب بين يدي مواضيع متعددة قيد الدراسة والبحث كالحركة الشعرية

وتطور الحركة الثقافية في الإمارات ويضم المنتديات الثقافية التي قامت في الإمارات منذ القدم، كذلك موضوع ملامح الحركة الثقافية ما قبل وما بعد قيام الاتحاد. إضافة لتطور حركتي التأليف والنشر في الإمارات من بداية الكتابات الصحافية الأولى مروراً بالتأليفات إلى الآن. فهناك مشاريع عديدة أسأل الله أن يكون لدي وقت لأنجزها تباعاً.يعود في الحديث عن الثقافة ليؤكد تميز ثقافة الإمارات ودورها في رمز الثقافات، فيرى الإمارات فاعلة في الثقافة العربية لأنها استفادت من موروثها التاريخي ومن مستجدات العصر يقول:

عندما يطلق مشروع الموسوعة السنوية ومشروع الكتاب المسموع والنشر الالكتروني من الإمارات سنجد أن منطقة الخليج فاعلة ومؤثرة ثقافياً. كنا فيما سبق نسمع أن مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ والآن نجد أن مناطق الأطراف فيما كان يعرف لم تعد تلك الأطراف الميتة وإنما هي من تغذي الوسط بالحياة والحركة. وفيما يخص تكريمه وحصوله على جائزة شخصية العام الثقافية في معرض الكتاب بالشارقة للعام 2006 يجيب بكل تواضع ببيت من الشعر العربي:

يهوى الثناء مبرز ومقصر

حب الظهور طبيعة الإنسان

ويزيد ليقول: مهما قال الإنسان إنني أعمل لذات العمل ولا أنتظر حمداً وثناءً من أحد لأن ما أقدمه من أجل المجتمع والوطن إلا أنه عندما يسمع مفردة الثناء ويرى التقدير يشعر بالارتياح لأن ما قدمه هناك من يرصده ويثمنه وأن ما قدمه يصب في المصلحة العامة وفي الإطار الصحيح، وهنا تتضاعف المسؤولية ويبقى المكرم في تحد مع نفسه لبذل المزيد، فإذا كان الإنسان قد قدر بهذا المستوى بالجهد البسيط من حاكم نذر نفسه للثقافة ومن مؤسسة عنيت بالثقافة وقدمت للثقافة الكثير فلابد من مضاعفة الجهد ورد شيء من هذا الجميل.

يمتلك ثروة لغوية

من بين أصدقائه التقينا الدكتور حمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، فيسهب في الحديث عن بلال البدور الأخ والصديق له منذ الطفولة في الدراسة والحياة العامة، ويقول الشيباني: تعرفت على الصديق بلال البدور من سنين مبكرة منذ الابتدائية، مروراً بالدراسة في المعهد الديني، وكانت دفعتنا الأولى في المعهد، وأرى في بلال الرجل العصامي، استطاع أن يصل إلى ما يصبو إليه من أهداف على الصعيد التعليمي والاجتماعي، وخطواته المدروسة أوصلته إلى عمله الحالي، وعمله في السلك الدبلوماسي أعطاه بعداً كبيراً فيما يخص العلاقات.

إنه شخص متواضع جداً، ونلتقي دائماً في جلسات حميمية، في الجانب العملي الميداني هو رجل ملتزم، وكذلك في حياته الخاصة والاجتماعية. كان هادئاً وتواقاً لخلق بعض المشكلات بين زملائه أيام الدراسة من باب المداعبة، بين طالب وآخر أو طالب وأستاذ، دون أن يكون طرفاً فلا يظهر في الصورة بالرغم من أنه المدبر.

ثروته اللغوية كبيرة وهذا ما أعطاه مجالاً للاطلاع على الموروث المحلي، فلديه دراسات تحليلية ونقدية للعديد من الشعراء، وعلاقته بالأديب الشاعر حمد بو شهاب رحمه الله، أفادته كثيراً. كذلك كانت ندوة الثقافة والعلوم مجالاً رحباً له وهي فيما يشبه المنتدى الأدبي تلتقي فيها مجموعة من الأسماء المهمة.إن بلال البدور يسمع ويوثق، ونشاطه في جمعية حماية اللغة العربية جعلته يطلع على بعض الجوانب الخاصة باللغة، وكذلك زيادة اهتمامه بالجانب الثقافي، وندوة الثقافة والعلوم أصّلت لديه هذا الجانب.

أحد مؤسسي ندوة الثقافة والعلوم

رأي آخر بالبدور من الكاتب الصحافي في «البيان» علي عبيد الذي يقول فيه: نموذج نادر من المثقفين الذين امتزج حب الثقافة بدمهم حتى طغى على جميع جوانب حياتهم، ليصبح جزءاً من نسيجهم الداخلي وإطارهم الخارجي، فارضاً عليهم فرض المحبين لا المكرهين التفاني في خدمة هذا المجال إلى درجة الذوبان والتماهي معه.

هذا هو أخي وصديقي بلال البدور الذي سكنته الثقافة منذ أن عرفته في مرحلة الطفولة والصبا، حيث جمعنا حبان متلاصقان مزجتهما رائحة البحر في «ديرة» بإمارة دبي، ليتواصل عشقه للثقافة خلال مراحل العمر المختلفة مشكلاً الخط الأساسي في حياته رغم دروب الحياة التي قادته من دراسة اللغة العربية بمصر إلى العمل في وزارة الخارجية

ثم الانتقال إلى المجلس الأعلى للشباب والرياضة الذي تحول إلى وزارة للشباب والرياضة ضمَّت في مرحلة من المراحل إلى وزارة التربية والتعليم ليستقر أخيراً وكيلاً مساعداً للشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، كأن به عبر كل هذه الدروب لتجد راحلته مستقرها في القطاع الذي أحبه وعشقه وتفانى في خدمته.

لقد تجلى عشق الأخ والصديق بلال البدور للثقافة في إنجازات حققها على أرض الواقع، تشهد له بأنه عاشق حتى النخاع لها، عامل على كل ما يعلي من شأنها ورفعتها في أرض الإمارات الناهض في كل مجال، المتطلع إلى من يبرز وجهه الثقافي الحضاري كي يكمل الصورة الجميلة التي يعكسها العمران الاقتصادي والنهضة الشاملة التي يعيشها. وقد تجلت أبرز مساهماته في عمله الدؤوب مع نخبة من الأخوة والأصدقاء المثقفين لتأسيس ندوة الثقافة والعلوم عام 1987 ليكون إنشاؤها ميلاداً لحراك ثقافي مميز في دولة الإمارات بشكل خاص.

بلال البدور باحث لا يكل ولا يمل من الغوص في تاريخ الإمارات الثقافي منقباً عن البدايات التي أغلبها محفوظ في الصدور والقليل منها مدون على الورق. وقد أنجز عدداً من الكتب والدراسات التي توثق لبدايات العمل الثقافي في دولة الإمارات مما هو بحاجة للجمع والتمحيص قبل أن يذهب من صدور الذين عاصروا تلك البدايات أو يندثر بين الأوراق وفي بطون الكتب والمجلات الثقافية التي كانت تصدر في تلك المرحلة التي تشكل النواة الأولى لتاريخ الإمارات الثقافي.

قصي بدر