بوداعة وسحر تجوب فضاء المكان، كي ترسم ما بين السماء والماء إيقاع حياة رائقة تتربع فضاء الخور وتعلن صداقتها للبحر والبشر وسواري السفن وتلك الضفتين. تظلل بأسرابها تلك الحياة المفعمة بالحيوية على ضفاف الخور، طيور النورس هذه شاهد أبدي في فضاء يستوعب من النشاط الإنساني ما لا نراه في مكان.

وماالليل سوى مأوى لتلك الطيور على تخوم البحر في الجنائن المنتشرة على الضفاف، وفسحة للسياح الذين يتناولون العشاء في أجواء من الروعة في المطاعم العائمة وأبصارهم تكتنز مما يحيط بالخور من أنوار تتلألأ وتنعكس على سطح البحر، لوحة لأبراج ومبان وسيارات في حركة لا تهدأ وليالي الخور فسحة للتأمل فالمقاهي والمطاعم المحيطة المنتشرة على الجانبين مضيفة بامتياز لعشاق البحر ومبحريه ممن تأسرهم تلك الأجواء في حضرة القمر.

وأما النهارات في هذا الركن إنما تعكس مشاهد متنوعة وغنية لحياة مزدهرة تنفرد بخصوصيتها، إبحار على مدار الساعة لقوارب صغيرة وعبرات وسفن خشبية قديمة ويخوت، وزرقة بحر ترتسم فيها انعكاسات أخاذة لعناصر المكان، وحركة تجارة نشطة في المراسي المتعددة، وسياح تلتقط المشاهد بآلات التصوير في حال من الدهشة والمتعة وبتوق لاكتشاف المزيد من أسرار المكان.

إنه خور دبي بروعته وفرادته وشهرته ودوره الكبير في نمو الحياة على اختلاف تشعباتها في الإمارة، والخور من المراسي أو الموانئ المهمة في الخليج العربي وأهمها على السواحل الجنوبية للخليج لما يتمتع به من حيوية وتنوع في المهن والتجارة المنتشرة فيه. ويمتد في اليابسة مايقارب العشرة أميال لينتهي فيما يشبه البحيرة والتي أصبحت بما يحيط فيها محمية طبيعية لبعض الأحياء من نباتات بحرية وطيور مهاجرة ومن أبرزها طيور النحام أو الفلامينغو.

يعج بالحياة والنشاطات المتنوعة من اقتصادية وسياحية فتتركز على ضفته الشرقية في منطقة ديرة مراسي عريقة متعددة للسفن التجارية بنمطها المتميز إضافة لمراسي لليخوت حديثة العهد بتصاميمها المختلفة، ما يضفي شكلاً واضحاً من أشكال التنوع والتجدد وامتزاج المعاصر بالتراثي،

فالسفن الخشبية المرتبطة منذ عهود غابرة بالمنطقة كانت قد أبدعتها أيد محلية لاتزال تبحر من الخور إلى مناطق بعيدة على أطراف المحيط الهندي في كل من الهند والساحل الشرقي لإفريقيا، وتعود لتهدأ ولو لحين في مرساها بين ضفتين تعتليهما أبراج ومظاهر حضارية معاصرة إلى جانب مظاهر تراثية مهمة كحصن الفهيدي والمساجد العريقة بهيئتها المعمارية المتميزة والبيوت القديمة بأصالتها الشرقية.

تعانق إمارة دبي البحر منذ الأزل ما يعني نمطاً من الحياة له خصوصية يلتصق بأهل المنطقة، فانتشرت مهنة الصيد، وتجارة الأسماك، إضافة لمهنة الغوص التي تنفرد بها المنطقة، حيث ازدهرت تجارة اللؤلؤ اثر انتشار غواصي اللؤلؤ في الخور وامتهانهم لعمل شاق إنما يثمر عن نتاج يشكل طلباً عالمياً لأهميته الاقتصادية الكبيرة.

ترسو السفن الخشبية لتحميل وتفريغ البضائع المتنوعة لنلحظ حركة بشرية لا تهدأ طوال النهار في مشهد يؤكد تجارة ممتدة تاريخياً مئات السنين. تتنوع المراكب في الخور تبعاً لاستخداماتها، وأبرزها المراكب الخشبية التقليدية الكبيرة بأشكالها الجميلة والتي تحافظ على أشكال معينة ما يميزها تاريخياً وعالمياً.

ومنها ما تم تحويله إلى مطاعم عائمة تجوب الخور وتمارس فيها مظاهر حياتية معاصرة وتستقطب السياح بشكل كبير. وتوجد في الخور أيضاً تلك العبرات التي تشكل وسيلة نقل ما بين ضفاف الخور والسفن الراسية بعيداً عن سواحل الخور.

وأما «التاكسي المائي البحري» كما يطلق عليها، فهي عبرة لنقل الناس بين الضفتين وهي في حركة دائمة بالرغم من وجود جسري آل مكتوم والقرهود ونفق الشندغة (الروابط الحديثة بين ضفتيه). وبعض المراكب التي خصصت للرحلات السياحية تمنح فرصة كبيرة للتمتع في الإبحار في الخور وعلى مقربة منه.

قصى بدر