(للعرب قامات طويلة، وأجسام جميلة، يحافظون على قوتهم بفضل تمارين شاقة وحياة نشطة تجعلهم قادرين على العمل ومقاومة التعب. يبدو زهدهم في الأكل، الذي دفعهم إليه قحط المناخ، فضيلة طبيعية يفضلون شرب الماء على المشروبات الروحية المطيبة التي تنهك القوى وتعطل الإدراك، ونظراً لانشغالهم بوسائل كسب العيش، فإنهم لا يشعرون أبداً بالقلق ولا بالضجر،
فهم لا يعرفون تلك المجموعة من الأمراض التي تصيب الشعوب المجنونة نتيجة النهم. فراشهم النباتات والأعشاب، ووسائدهم الأحجار، ولايزعج نومهم صخب الأهواء المتمردة. هذا النوع من الحياة يؤدي بهم إلى شيخوخة طويلة الأمد بعيداً عن أي عاهة.
وعندما يصبح من واجبهم اداء تلك الضريبة المفروضة على الانسانية جمعاء، فإنك تشعر وكأنهم لم يموتوا وإنما توقفوا عن الوجود فقط. لهم محاسن ومساويء سببها تأثير المناخ، واليه يعود اصل تلك الرصانة الكئيبة التي تجعل قلوبهم قلوباً قاسية لا يؤثر فيها ما يؤثر بسهولة في اناس آخرين).
هكذا يصف دونيس ديدرو سنة 1772م العرب مدوناً رأيه هذا الذي لا يختلف عن آراء كثير من المستشرقين والرحالة الغربيين الذين جابوا انحاء الجزيرة العربية وكتبوا عنها انطباعاتهم التي تتفاوت مع درجة صديقتها، حيث لم تكن عند البعض مسألة المعاينة والتثبت من الحقائق ذات اهمية عكس البعض الآخر، الذين وصلتنا مدوناتهم وأعمالهم وهي غاية في الدقة والشمولية لكنها بالطبع تبقى روية عين غربية تنظر إلى صور شرقية لها في المخيلة الغربية انماط وصور باتت من المسلمات،
وبات من الصعب على مر الازمان والعصور تغييرها. كثير منهم ربما التقوا بأي شخص استقوا منه اخبارهم ومعارفم التي دونوها (دون تثبت أحياناً) وصلتنا محملة بالطبع بوجهات نظرهم المبنية بالتالي على ما استقوه من تلك المعلومات التي قالها لهم بدوي لاندري من هو،
ولا ظروف مقالته، ولا الدوافع التي جعلته يدلي بتلك المعلومات، لتصاغ من قبل الرحالة والمستشرق بما من شأنه ترسيخ تلك الصورة الاستشراقية عن العرب والبدو بشكل عام. على أن كثيراً من الإداريين والرحالة الغربيين الذين عملوا لفترات في منطقة الخليج، دونوا بالإضافة إلى انطباعاتهم الشخصية، معلومات تاريخية وتوغل البعض منهم في داخل جغرافية المنطقة، دفعتهم مختلف الدوافع ربما كانت الدوافع المهنية أهمها،
ودوافع حب الاستكشاف والمغامرة كما أشاع بعضهم هي أكثر ما كانوا يصرحون به، بعيداً بالطبع عن الدوافع الحقيقية التي باتت معروفة اليوم سواء من خلال ما نشر من مؤلفات في هذا المجال التاريخي أو ما يمكن الاطلاع عليه من وثائق باتت اليوم متاحة للجميع حيث يمكن الاطلاع عليها بعد أن رفعت عنها صفة السرية وخاصة الوثائق البريطانية.
قبل أيام كنت مدعوا إلى عزبة بوش في منطقة قريبة من العين، دعاني إليها الوالد محمد بن علي بن حاذة الكتبي، مشيت بتمهل أسرح النظر في أنحاء المنطقة المزدانة بأشجار الغاف والنخيل في منطقة تعد اليوم امتداداً لقرية الهير قريباً من طوي اليفار الذي كان وما زال موطناً لأحد أشهر قبائل الجزيرة العربية والخليج وهي قبيلة بني كتب القبيلة العربية العريقة.
نزلت مع مضيفي السبعيني إلى حيث الحظيرة التي يعيش فيها أغلى المخلوقات إلى قلب البدوي وهي جماله. مضيفي الذي كان يتحدث بحماس شاب في العشرين، لم تنخر قواه بالطبع ثقافة الهامبورغر والكوكا كولا بعد، فقد عاش على لبن البوش الطازج والسح والقهوة.
بصوته الجهوري الذي يساوي عند من يقدره أكثر بكثير من صوت أي مذيع متمكن، شرح لي وبتفاصيل غير مملة وبفرح غامر تاريخ كل ناقة من نياقه وسلالتها وأطباعها وانجازاتها الرياضية وأخلاقها وصفاتها ومتى تغضب ومتى تحزن بمجرد سماعها لكلمة لم تعجبها، أو تصرف من قبل أي إنسان لم يرق لها تصرفه.
في غمرة الحديث الشيق أراد أن يحلب لنا احداها، وكان الوقت قبيل الغروب، وكان للناقة حوار صغير يبدو أنه كان جائعاً فبقي يحوم حولها لفترة، وألح عليه الأبناء بحلبها، فقال: لا أعتقد أنها سوف تدر الحليب وهي قلقة على حوارها، لذلك جعلها ترضعه أولاً وبعد أن اكتفى الصغير وداعبته أمه قليلاً بدأوا بحلبها فدرت، وجاء بعد قليل بطاسة كبيرة تكاد تمتلئ بالحليب الطازج الدافئ تعلوه الرغوة من ضرع الناقة مباشرة إلى أفواه الضيوف وكنت واحداً منهم.
منظر الكثبان الرملية التي تحيط بنا أعطت لجلستنا بعداً حميمياً آخر متفرداً في بساطته، الصحراء تحتوينا، فتعلمنا من طلاقة البدوي اننا نحن الذين نعقد الحياة من حولنا، وأبرز دليل (مادي) كان معنا هو رنين هواتفنا النقالة الذي لم ينقطع ليعكر جو السكينة والهدوء الذي كان يملأ المكان. هنا تتقطر الروح وتسمو وتشف، فترجع بالق إلى سنوات البدايات، بدايات الوعي بالموجودات والأصوات والروائح والكائنات.
والأمكنة، تلك التي ستشكل فيما بعد، بعد سنوات من التراكم خليطاً حياتياً لأرشيف الروح في الذاكرة. كتب الكثيرون من المستشرقين والرحالة الغربيين عن حياة البدو والبداوة ومظاهرها ومحمولاتها، منهم من أنصفهم ومنهم من نسب كل المنجزات التي قام بها إلى نفسه، ومنهم من ذكرهم عرضاً في كتاباته وملاحظاته التي دونها عن المنطقة،
ضيفنا هو أحد الأدلاء الذين عملوا مع البعثات الطبوغرافية البريطانية التي عملت في المنطقة استقصاء بهدف رسم الخرائط للمنطقة، وهو بالطبع ربما لا يعرف ماذا كانت تعمل تلك البعثات، وما هي مهماتها. لم تقتصر مهمته على قيادة قوافل تلك البعثات على رمال الصحراء فقط، بل تعدتها إلى شعاب الجبال ومرتفعاتها ووديانها أيضاً، ليجوب في أنحاء الدولة،
وهو يعرف موقع كل حجر في هذه الأرض؛ أرض آبائه وأجداده وحسب وصفه، حافظنا على تدفق الحديث بعفويته، ولم نتدخل إلا لتوضيح معنى كلمة، أو توضيح موقع مكان ورد في الحديث، أو قصد الراوي من جملة ما، محافظين قدر الإمكان على نفس تدفق الحديث بلهجته إلى حد ما.
سيرة قبيلة بني كتب
«وصلنا على ركاب إلى أبوظبي مراراً ووصلنا عبري (مدينة في سلطنة عمان) والمناطق التي حواليها. الأول كنا في تعب، السرقات والنهب والمفازيع والغارات والبلاوي، لكن من يوم ما حكم زايد الله يغفر له سكنت الدنيا كلها واستأمنا ورقدنا مامنين، ثم أعطى الناس المزارع والخير وتمينا في شرغة واستوت المراكيض».
هكذا بدأ حديثه معنا من حيث يبدو الأقرب إلى ما يهوى البدوي الأصيل، حديث ما قبل زايد وما بعد حكم زايد، هذا هو الحديث المحبب عند هؤلاء البدو الأصلاء، حيث لا ينطلق حديث إلا من القلب عن رجل قل نظيره. ولدت في لاهير، في حياة السعودي وفي هذه البقعة كان السعودي وإخوانه عبدالله وحماد كلهم ونعم الا الراس كان السعودي هو الشوير الذي يجتمع عنده الراي والمشورة هو ومطر بن حاذة هما كان الشور
والنظر عندهم رجل معروف من يومه (والسعودي لقب عرف به الوالد المرحوم سعيد بن سالم الكتبي من كبار رجال قبيلة بني كتب قابلته في بدايات التسعينات وقد انتقل إلى رحمه الله في نهاية السنة الماضية في منطقته التي عاش فيها طوال حياته الهير، ويحفظ العديد من الرواة كثيراً من القصص والحكايات الشعبية التي تصف حكمته وشجاعته وصبره على الشدائد التي واجهها في حياته رحمه الله،
وكانت له مواقف وقصص تروى مع المرحوم الشيخ زايد رحمه الله، حتى تحول في الذاكرة الشعبية إلى أسطورة من أساطير الصحراء لما له من مكانة كبيرة عند البدو وحياته تحتاج إلى جمع تلك الروايات والعناية بها كما تعني المؤسسات والجامعات الغربية خاصة في جمعها وعنايتها بسير مثل هؤلاء الأبطال الشعبيين وهذا ما نطمح إليه إن شاء الله)، يخبرونا عن السعودي أهالينا والعرب الذين عرفوه في شبابه وقد حفظ العرب العديد من (السوالف الطيبة) عنه، ذلوله كان من خيار الركاب،
وهو عقيد القوم منذ صغره والشور والنظر كما قلت يرد له وإن حدث شيء ما من حوادث وأمور كبيرة هو اللي (قلط على الشيوخ وتعني تقدم وقابل الشيوخ) وهو معروف إنسان ذكي جداً، يستوعب ما يقال ويزن الأمور قبل الحديث وعنده منطق خاصة مع الرجال الكبار، لذلك كان مقرباً من المغفور له الشيخ زايد رحمه الله والكل يثق به حين يكلمه في أي حاجة من حاجات العرب.
الوالد المرحوم سعيد بن سالم الكتبي (ولقبه السعودي) سبق ان التقنية في بدايات التسعينات ونشرت في حينها حوارا قصيرا معه، وحين سمعت انه انتقل إلى دار الخلود في شهر ديسمبر من العام المنصرم، فكرت في نبش ذاكرة بعض آبائنا وأجدادنا من كبار السن ممن عاصروه لاستقصاء سيرة الرجل، وما ان بدأت في هذا الاتجاه وقبل ان أتوغل بعيدا في عملية الجمع،
حتى وجدت لدى حصيلة معرفية لاباس بها للبدء في مشروع نشتغل عليه منذ سنين لجمع وتوثيق سير أمثال هؤلاء الرجال الذين كانوا منارات خلق وأخلاق وأمثلة تحتذى في البطولة والشهامة وكل المعاني الإنسانية الخيرة. كان رحمه الله من كبار رجال قبيلة بني كتب القبيلة العربية العريقة، والمرحوم يكاد يتحول إلى أسطورة من أساطير الصحراء، خلدت سيرته الكثير من القصص والروايات التي وقفنا عليها عند كثير من الشعراء والرواة من كبار السن.
زايد في الهير
يشير الوالد محمد بن علي بن حاذة الكتبي الى ان السعودي كان من الرجال الذين كانت (تنصاهم العرب، أي تقصدهم بغرض قضاء حاجة أو أمر ملم وخطير) يأتونه من كل مكان، العرب تأتي من رأس الخيمة ومن عمان الداخلية يتخبرون عن فريج السعودي وضوو عليه، هكذا يبدأ حديثه،
ويكمل: وهو من استوى (ولد) وهو في الهير حتى يخبرونا عن أبيه وأجداده عاشوا هنا، هذه الهير دارهم، من الهير إلى مساكن (طوي ماء قديم معروف في الطريق بين العين ـ الهير)، وفي القيظ كانوا يتواجدون في العين وهيلي. اما عن كرمه فلاتسأل يوم كانوا العرب ما يرومون يذبحون ذبيحة مب لاقيين، شي، كان هو يذبح اثنتين، وكان اخوته يسابقونه في الكرم حتى تروى قصة ذلك.
الضيف الذي زاره ليلا وخرج السعودي ليذبح له دون ان يخبر احداً وعندما عاد التقى بأخيه وقد احضر ذبيحته هو أيضا دون ان يعلم أحدهما بما فعله الآخر، من يومهم كرماء، والسعودي لتلك الصفات أحبته العرب ورفعت قدره أعماله الخيرة.
وكان المرحوم الشيخ زايد الله يرحمه يحبه جدا ويحترم رأيه ويأخذ مشورته. كان هو الذي يتقدم للحديث عند زايد وهو الذي يقدم العرب عنده وهو الذي (يرمس زايد) في حاجات الناس وكان سباقا الى فعل الخير لمن يعرف ومن لا يعرف، رجل فيه شيمة وشهامة منقطعة النظير.
وكانت له سيارات وبيات (رحلات) سافر إلى السعودية لم يعمل هناك بل زيارة، ودليل على قوة صبره واحتماله كنا معيدين العيد واستوى ركض وقد شارك هو بنفسه في الركض على ركاب، يركضون مدى (مسافات) وكان على ظهر ناقته وطاح (سقط من فوقها) الناقة تخرطفت (عثرت بشيء ما) والبقعة صمة (صماء) المركاض كان قريب الشعبية من الشمال،
وانكسرت رجله أسفل الساق قبل الكاحل، ولم يسمع له أي صوت ينم عن حدوث شيء وكان كسرا واضحا انفصلت عظمة الساق وجبروه العرب ولم نسمع منه أي نامة أو صوت يدل على الألم انا كنت عنده انا شاهد عيان وهذا دليل على قوة تحمله وصبره رحمه الله، السالفة هذه معروفة عن السعودي، ريال معروف السعودي موجف الحجاي منطوقه حلو (دليلا على طلاقة لسانه وحسن منطقه)،
كنت في ذلك الحين مازلت فتى يافعاً صغيراً، وكرة انكسر كسر ثاني يوم طاح على ريله تاير سيارة فسقط ونفس الموقف الأول لم نسمع منه أي نأمة أو استغاثة حتى عندما سقط ولا كابه حصل شي. اذكر مرة قلط على المرحوم الشيخ زايد في المويجعي انا كنت معه ومجموعة من الربع ورومسه (كلمه) في الشعبية هذه وحاجة الناس إلى السكن ولم يقصر الشيخ زايد بل زارنا رحمه الله هنا في الهير، في نهايات الستينات أو بدايات السبعينات
وأقام معسكره هنا في الشعبية التي في بداية الهير يوم شعبية العوامر قبل أن تبنى، نصبت الخيام وجاءت العرب من كل مكان فرحة سعيدة عندما سمعت بوجوده رحمه الله، وكان عنده أحمد المحمود ومطر بن حاذة ورجاله المعروفون الذين فيهم الخير، وقضى تقريباً ست إلى سبع ليالٍ،
كما زارنا أيضاً على طوي اليفار، وهو الطوي المعروف قديماً الذي يتجمع عليه البدو، ويقال إن من حفره قديماً هو بن معدن الكتبي، ثم بعده حفره بوكاروب بن حضيرم حفر طوي أيضاً، من بعده حفر طوي باسم سهيل بن مبارك وهو أخو سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وهو الطوي الذي كان السعودي لا يبتعد عنه، هذا الذي سميناه نحن طوي سهيل، والعرب البدو كلهم جيرانه.
العرب الذين عاشوا هنا كانوا يعتاشون من حرق السخام ونقله إلى دبي وبيعه، ومن كان له أموال في محظة والنوي وفي هيلي العرب الأول لهم نخيل ولهم في حفيت، في القيظ يحضرون (يقدمون إلى مزارع النخيل في الحواضر أي القرى والبلدات من مواطنهم في الصحراء)، في هيلي كان نخيل الظواهر، الظواهر فيها وكان العرب أهل يتواصلون، يتلاقون عند الشريعة، شريعة هيلي (ساقية الماء) ويباتون يرمسون،
كان بني كتب يحضرون في هيلي، أحدثك عن بدواننا عن رباعتنا بني كتب الذين هم من الهير، ومقيظهم وحلالم (ماشيتهم) هنا معهم وعندما يبدا (الصفري) رجعوا إلى ديارهم الأولى. أنا لحقت على سيرات وطرشات الأول، نطرش من هنا من الهير نرفع سخام على ركاب، الواحد عنده أربع مطايا، وحد عنده خمس وست وحد عنده سبع، الطريق يبدأ من الهير مروراً بالفقع ثم مرقب وعلى المرموم ثم نمر على الروية واللسيلي فدبي،
ويوم نرجع هناك أكثر من طريق، أما جاءوا من طريق العوير ومروا على نزوى وردوا من هناك على السيح، بالنسبة لنا الأول العرب يتشاورون أي طريق سيسلكون سواء في الذهاب أو الأياب، كنا نأخذ اثنى عشر يوماً ذهاباً إلى دبي، ركاب تعرف وبقعة رمل، أمامنا الطويان إذا احتجنا للماء استينا من طويان الفقع ومن طويان مرقب هذه كلها أسماء طويان (آبار ماء لها رقبة تبنى حولها للحيلولة دون سقوط الرمال فيها حتى لا تتلوث)،
طوي الفقع الذي كنا نستقي منه في ذلك الزمان يقع اليوم شمال الطريق العام الذي تمر به السيارات اليوم من العين إلى دبي، الآن الشارع العام هو إلى يساره بالضبط، وطوي مرقب إلى يمين الشارع اليوم، وكان كثير من البدوان الأول يسكنون حول تلك الطويان فيهم بني كتب ومنهم العوامر تقريباً من كل قبيلة يقيمون على هذه الطويان.
وكان الغواشم قوم بن غاشم كانوا سكون على الفقع حياة غاشم ومطر بن غاشم وسالم بن غاشم وعيالهم كانوا يسكنون الفقع، كما كان يسكنها بني ياس، وعلى مرقب أيضاً كان يسكن عليها بني ياس، وحياة الشيخ خليفة بن سعيد أخو المرحوم الشيخ راشد بن سعيد أنا بنفسي زرته مراراً وكان رجلاً بدوياً أصيلاً يتعنون له العرب الأول، تلقائياً عندما يراك تجلس يثور (وتعني الكلمة يقوم مسرعاً) ويجلس بقربك مستأنساً بك ومرحباً بك أشد الترحيب، كان رجلاً كريماً ومضيافاً ولا تفرقه عن البدو، نفسه طيبة.
ولا يتكبر على أحد، قلت لك بدوي أصيل، مهما كان زائره يرحب به ويذح له ويجلس بقرب ضيفه يقدم له الطعام بنفسه، متواضع، يخبروني أهلنا أنه كان يركب الخيل واقفاً، وان للخيل مراكيض عند شيوخنا آل بو فلاح، أنا روحي ما ركبت خيل أنا أركب ركاب (جمال). أهل الهير أغلبهم ركبوا الخيل عند حياة زايد. أنا ضمرت بوش أصايل من بنات ظبيان،
يوم يعرس صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة يطول عمره مركضين بوش من سيح عشارج وقد شهد السباق حياة زايد بروحه الله يرحمه راكب في سيارة يروغ ويانة مستمتعاً بالسباق، وعندنا جبار ولد البعير الشهير هملول وهو من الأصايل المشهورة وقيل فيه قصيد قالها الشاعر المعروف مهير بن دري الكتبي حيث يقول:
يستاهل الناموس جبار
شيخ صغير النفس راعيه
وهو لسمو الشيخ هزاع بن زايد وما زال عندنا. وكان عندنا من سلالة صوغان. وبني كتب طوايف كبار، عندك هني السعودي وطايفته المصاقرة طايفة عودة عاشوا على اليفار وصهوان ومساكن والهير (أسماء طويان حيث كانت تجمعات القبائل قديماً ما كان يشكل ديرة القبيلة) هذه كانت ديرتهم قديماً، إلا في حالات نزل الحيا (المطر) نجعوا العرب (ذهبوا إلى حيث المرعى لمواشيهم).
ثم يرجعون إلى ديرتهم هذه، الواحد منا الأول عنده أهم شي ذلوله وفراشه وسلاحه، معروفة هذه الأشياء عند البدو الأول، وعندما يأتي إلى البيت يعلق الفراش وشداد ناقته وتفقه (بندقيته) في طرف البيت، وناقته تسرح وتضوي في طرف البوش، وإذا ما حصل أمر طاري يكون مستعداً نوخ الناقة ووضع الشداد والفراش فوق ناقته وتناول بندقيته وتوجه مبتعداً عن أهله منطلقاً فوق ناقته، الدار لم تكن أمان مثلما هي اليوم كما تعرف.
يأخذ له عشرة أيام أحد عشر يوماً أو أكثر غائباً عن أهله ولا يعود حتى تنجلي الأمور وتتضح. الحمد لله من يوم ما حكم زايد بتنا آمنين الأول الواخيذ لا نبات إلا خائفين على بوشنا وحلالنا وأهلنا، اليوم الحمد لله الخير والأمان بفضل الله وفضل شيوخنا الله يطول اعمارهم.
من يوم استوينا (ولدنا) عندنا ثروة خير لم احتج لأن أعمل في الجيش، أقصد كجندي في جيش بريطانيا الأول، كنت كغيري أطرش على ركاب وقد طرشت ووصلت جنوب إلى عبري، لكني عملت دليلاً لأني أعرف الطرق ودروب الصحراء والشعاب والجبال، ووصلت الذيد ودبا وخورفكان وشعم ورؤس الجبال المطلة على البحر على ركاب واصلين، مع ناس يعملون في جيش الانجليز،
عملت دليلاً على ركاب لدوريات الجيش على أيام حياة بن حاسوم خليفة بن حاسوم الدرمكي، كنت أخذهم إلى الباطنة وإلى الفجيرة، كنت أدلهم إلى أي منطقة يريدون الذهاب إليها، كنا نأخذهم من منطقة المنامة باتجاه وادي حام مروراً بكلباء من الشمال وأي الفجيرة ونواحيها سكمكم وعلى هذا البلد التي باتت معروفة اليوم قدفع ومربح إلى خورفكان،
كانوا عندما يطلبونني يرسلون لي العسكر بسيارة إلى مكان إقامتي في الهير ويرسلون لي خبر عن عدد الركاب (الجمال) المطلوبة وعن المكان والزمان الذي يفترض أن أقابلهم فيه. أذكر مرة (نجعنا الذيد استوى عشب هناك) وبقينا ما يقارب الثماني سنوات وفي أثناء وجودنا هناك مع البوش (الجمال) قبل أن نرجع إلى الهير، كانوا يطلبونني للاستعانة بي كي أدلهم على الطرق وكان وما زال عندي عزوة خير والحمد لله.
عمار السنجر



