منذ الرقصات البدائية الأولى، وطبول الحرب الصاخبة، ومنذ الصيحات البعيدة التي كانت تنطلق من أعماق الغابات وتجاويف الكهوف، ارتسمت أولى ملامح المسرح الإنساني في طفولته القصيّة. وهو يعدّ حكاية ويسردها على منصفة الطبيعة فتلك الطقوس الاحتفالية والسحرية، كونت طرائق التعبير المجازيّة التي جدّرت الأفق الإبداعي، والذي جعل من الحياة مصدراً لحيوات أخرى، أعيد تمثيلها برؤى وأساليب مختلفة تصوّر تعاليم الكهوف ونزق الشعراء.
هناك ولد المسرح حاملاً في ثناياه أصداء الملحمة الأولى، ملحمة الإنسان الكبرى والحديث عن المسرح، حديث عن الحياة لأنه صورتها، ومحاولة لا نستطيع انجازها لأن الإحاطة بمكوّنات المسرح وتاريخه ودروبه، لا سبيل إليها، لكننا نحاول أن نلقي الضوء على حقبة صغيرة في تاريخ الإمارات والتي شهدت ظهور المسرح فيها وإن كان متأخراً.
عبدالإله عبدالقادر أحد المسرحيين وأحد المؤرخين للحركة المسرحية في الإمارات، يرى أن المسرح في سنوات الخمسينات والستينات لم يكن ظاهرة في دولة الإمارات، وأن بعض ما عرض خلال هذين العقدين يعتبر خربشات وإرهاصات لبداية طويلة انتهت في أعوام السبعينات بحالة من المخاض لميلاد مسرح جديد، كانت بواكيره في النصف الأول من الثمانينات.
ففي الخمسينات حسب عبدالقادر، لم تتشكل أية فرقة مسرحية في الإمارات، وكانت المدارس قد بدأت تنتشر مع مطلع الخمسينات، وقد جاء مع هذه المدارس عدد كبير من المدرسين العرب معظمهم، يملكون هوايات مختلفة، وكان المسرح والتمثيل واحدة من هذه الهوايات والاتجاهات التي سرعان ما انعكست على الطلبة فوجدتهم بينهم مرتعاً خصباً، فبدأ المسرح المدرسي يتحرك هنا وهناك،
ولعل أبرز ما سجل من المسرحيات المدرسية، مسرحية «جابر عثرات الكرام» عام 1957، وهي مسرحية شعرية لمحمود غنيم كما يرى أن المكان الآخر الذي ولد فيه المسرح ونما قبل أن تتشكل الفرق المسرحية ويأخذ شكله الفني المتكامل، فهو الأندية الرياضية التي لم تكن للرياضة وحسب بل كانت المؤسسة الثقافية التي رعت الثقافة وقامت بدورها التأسيسي والتنويري،
وكانت الشارقة رائدة في ذلك، فقد عرض النادي العماني الذي كان مقره بالشارقة عام 1958 أول مسرحية قُدمّت على مستوى الدولة، وكان اسمها «طول عمر واشبع طماشة» من تأليف وإخراج جماعي ومثل فيها محمد بن راشد الجروان، وسلطان العويس والمرحوم عبدالله بن عيلان وغيرهم، اما نادي الشعب في الشارقة
فقد قدم المسرحية الثانية عام 1959 تحت عنوان «وكلاء صهيون» التي كتبها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، بين عامي 1958 و1959، وكان جمعة غريب قد قدم مسرحية «الإسلام والتعاون» في تلك الفترة.
ويذكر عبدالقادر بعض المؤسسين لفرق النوادي من أمثال الدكتور عبدالله عمران تريم، وأحمد النومان وعبدالله المطوع. وعبدالمحسن عبدالله النومان وسلطان محمد العويس ومحمد حمدان وظاعن جمعة، وعمر المدفع وناصر بن أحمد وعبيد الشامسي ومحمد الشامسي وعبيد بن صندل، كما يؤكد على أن الانطلاقة في المسرح حدثت في الثاني من ديسمبر 1971 وهو مرحلة انبثاق دولة الإمارات التي شهدت فيها المنطقة ثورة حضارية ومدنية.
ويشير عبدالقادر إلى تداخل السنوات في كل المراحل وصعوبة فصل تلك السنين فصلاً هندسياً، إلا أن المراحل لابد أن تتداخل فيما بينها في مسيرة طويلة كهذه المسيرة ووسط أحداث عديدة يصعب حصرها فالسنوات الطويلة حملت معها هماً يومياً واحباطات مختلفة وصعوبات على كافة الأصعدة، منها مالية، ومنها فنية، ومنها اجتماعية ورغم دعم المسؤولين لهذا البرعم الذي كان قد اخضر توا فإن حجم الصعوبات كان كبيراً.
البداية مع الاتحاد
وللتعرف على بعض تلك الظروف التي أحاطت بتأسيس المسرح والحيثيات الاجتماعية والفكرية التي مهدت لظهوره حاولت مرايا «البيان» استجلاء بعض النقاط عن طريق أحد الفنانين الذين عاصروا تلك الأيام وشاركوا في مختلف الفعاليات والعروض المسرحية والذي مازال حتى الآن حاضراً في مختلف الأنشطة.
علي خميس المسرحي والإداري الذي رافق تشكل المسرح منذ لحظاته الأولى والذي نشأ في الشارقة وتعلق في الأفلام الهندية منذ الستينات، يقول: كنا نحضر الأفلام في سينما هارون ذات السقف المكشوف والتي أدمنت عروض الأفلام الهندية، ولم تكن تعرض الأفلام العربية إلا نادراً، كما كنا نرى الأفلام الأجنبية في (المحطة)
وكنت أقتطع ثمن التذكرة من مصروفي اليومي وكانت تتراوح آنذاك بين (روبية، وروبية ونصف) حتى ارتفعت إلى خمس روبيات، وعن أول إرهاصات المسرح يقول: كنا نمثل في المسرح المدرسي وأيام الكشافة عن طريق المدرسين الذين أبدوا اهتماماً خاصاً بالمسرح، حتى جاء الفنان المسرحي العراقي واثق السامرائي والذي أحدث انعطافاً في بنية الحياة الثقافية وأرى لأول مرة خشبة المسرح في الشارقة ثم في دبي.
ويضيف بأن الاسكتشات المسرحية البسيطة كانت تمثل في النوادي ويعتبر أن البداية كانت مع جمعية الفنون الشعبية في الشارقة بصحبة مجموعة من الزملاء، وأن الانطلاقة الحقيقية للمسرح جاءت مع الاتحاد الذي أفرز مجموعة كبيرة من المرافق الثقافية والفكرية، لتتكامل الثورة التقنية والعمرانية التي شهدتها المنطقة، فظهرت المسارح والصالات في مختلف الإمارات والعديد من الجمعيات الرسمية المتخصصة في مختلف أنواع الفنون،
ويعتبر الخميس أن تاريخ 74 ـ 75 هو التاريخ الرسمي للالتحاق بجمعية الفنون الشعبية وكان مقر الجمعية في المصلى ثم انفصلنا بعد ذلك بسنتين وكانت المجموعة تتكون من محمد حمدان بن خادم، وعبدالله المناعي وعلي مسعود وغصن سالم، ويتابع الخميس مشيراً إلى انضمام عبدالله العباسي إلى التجمع وتحمسه له،
حيث اتصل بالديوان الأميري بالشارقة، وحصل على دعم مالي، ثم أجر لنا مقراً في منطقة القادسية خلف مستشفى الكويتي الحالي، وأسمينا التجمع (المسرح الوطني بالشارقة) والذي اندمج فيما بعد بمسرح الإمارات مشكلاً (مسرح الشارقة الوطني)
ويعتبر ان التفكير بتأسيس مسرح رسمي قد انطلق من المقر الجديد في منطقة القادسية، فأحضر عبدالعزيز الفضلي نسخة من قانون الجمعيات وتم وضع النظام الأساسي واستقرت المجموعة على تسميته بمسرح الوطني بالشارقة.
هارون الرشيد على مسرح الجمعية
وكانت مسرحية «هارون الرشيد في القرن العشرين» أول عرض قدم على مسرح جمعية الفنون الشعبية بتاريخ 26 /11/ 1976 وهي من إخراج عارف إسماعيل، ويضيف بأنه في تلك الفترة انضمت مريم سلطان إلى الفرقة وعبدالرحمن الصالح من الكويت وانضم الينا الصحافي البحريني عبدالله السعداوي ويسترسل الخميس في سرد حكاية انضمام السعداوي،
مشيراً إلى انه قد طرده في بداية الأمر من المسرح حين فوجئ به وهو يتابع إحدى البروفات دون ان يعرفه أحد أو يدعوه، وحين خرجت وجدته جالساً على مقدمة سيارتي وبعدها تعرفت عليه وذهبنا إلى مطعم في شارع العروبة ومنذ تلك اللحظة انضم الينا، ويقول ان في تلك الأيام كنت الفراش والناطور والممثل والسائق وكل ما يتطلبه المسرح،
وكنا نجلب الشاي والسكر من البيت وكان آخرون يجلبون أشياء أخرى حتى تتكامل المعدات ويضيف أن المسرح كما هو الآن من إضاءة وسينوغرافيا، لكن الأمور تطورت وتكاملت بسرعة وبشكل كبير. ويتابع متذكراً ان بعد «هارون الرشيد» رشح السعداوي مسرحية «شمس النهار» لتوفيق الحكيم، وحولها من الفصحى إلى اللهجة العامية المحلية،
وفي تلك الفترة جاء عبدالرحمن الصالح وكانت البروفات تقام في قاعة افريقيا وقد اقترح الصالح تقديم المسرحية كما هي والاتصال بصقر رشود رحمه الله الذي وصل بعد أيام من الاتصال متجهاً بشكل مباشر إلى قاعة البروفات وكان المرحوم عبدالعزيز المنصور مساعد المخرج،
وقد حول الرشود الأدوار واستبدل الشخصيات ثم عرضت المسرحية في 15/ 5/ 1977 وقد حضرها صاحب السمو الشيخ الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، ووزير الإعلام احمد بن حامد والدكتور عبدالله النويس وكيل وزارة الإعلام والثقافة في ذلك الوقت.
توحيد الحلبات
ثم يتابع الخميس ذكرياته في دمج وتوحيد مسرح الوطني بالشارقة ومسرح الإمارات بغية توحيد الجهود وصهر القدرات، حيث أشهر التجمع تحت اسم (مسرح الشارقة الوطني) عام 1978 وقد كان يمثل مسرح الإمارات ظاعن جمعة، سلطان الشاعر وعبدالله المطوع، بعدها بدأت المشاركات الخارجية بمسرحية (الفخ) في مهرجان دمشق المسرحي عام 1979
ثم أخرج عبدالله المناعي مسرحية «دياية طيروها» وهي عن مسرحية «مجلس العدل» لتوفيق الحكيم، ويعتبر أن من أهم العناصر التي أغنت المسرح في تلك الفترة وجود الإيمان والحماس والرغبة في مواصلة العمل الإبداعي بوجود فنانين من أمثال عبدالعزيز الفضلي، عبدالله المناعي،
محمد حمدان، عبدالله كتاب، عبدالله السعداوي، عبدالرحمن الصالح، أحمد عبدالرزاق، مريم سلطان، غضى سالم، أحلام سالم، محمد يوسف، عارف إسماعيل، فاروق حسين، إسماعيل حسين، محمد الحمر وغيرهم من المبدعين الذين مازالوا يشكلون نواة المسرح في الإمارات.
بيبلوغرافيا من الرماديات إلى الملون
ويعرج الخميس على أدواره في التلفزيون والإعلان، ويتوقف عند شخصية (بوشلاخ) التي أداها مع الفنان عبدالله أبو عابد، حيث كانا يقوما بكتابة وتمثيل هذه الشخصية التي تعالج مواضيع وقضايا اجتماعية استمرت في شهر رمضان طيلة ثلاث أو أربع سنوات،
بالإضافة إلى تقديمه (صورة من الحياة) (جولة الكاميرا) (المشوار) والتي كان يقدم فيها مجموعة من الأعمال النقدية، وكانت من إخراج محمد البيطار ومحمد علي وخليل اسطامي، ويضيف إلى أنه قدم سهرات تلفزيونية منذ أن كان التلفزيون يبث بالأبيض والأسود، وحتى الأعمال التي قدمها في تلفزيون دبي (الملون)
ويعتز الخميس كثيراً بالأدوار التي أداها في ثلاثية الشيخ سلطان القاسمي وهي (عودة هولاكو، القضية، صورة طبق الأصل) كما شارك في مهرجان قرطاج ومهرجان القاهرة التجريبي وفي الكويت ومسقط والبحرين، كممثل وإداري وضيف، ومثل جناح الإمارات التوثيقي وساهم في الأعمال التطوعية،
ويفتخر الخميس بأنه كُرم من قبل صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عام 2005 في جائزة الشارقة للعمل التطوعي عن فئة الفن والآداب وفي أيام الشارقة المسرحية في الدورة 13 وحاز جائزة الجهد المتميز للأفراد، ويضيف بأنه شارك في فيلم هندي بعنوان (تاج محل)
وهو من إخراج أكبر خان وشارك في فيلم (عقاب) وهو أول فيلم إماراتي طويل، كما شارك في فيلم أميركي بدور بسيط وهو بعنوان (المملكة)، ويقول: لدي حوالي 120 دعاية وإعلان، وآخر إعلان صورته كان منذ أيام لصالح هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، وشاركت في فيديو كليب في أغنية (لا تلومون مفارق احبابه) لنبيل شعيل وأغنية مع ديانا حداد، وأغنية لأحلام وأخرى مع ريم المحمودي.
ويتابع الخميس حديثه عن المناصب التي شغلها والأدوار التي قدمها قائلا: كنت من ضمن المؤسسين لمسرح الشارقة الوطني وواكبت حوالي 45 عملا مسرحيا ما بين التمثيل والإخراج المساعد والإنتاج والإضاءة، وحتى يومنا الحالي كما أنني عضو مؤسس الجمعية المسرحيين وعضو إداري والمسؤول المالي في الجمعية وقد واكبت أيضا أيام الشارقة المسرحية والمهرجانات الخليجية والعربية،
ويعود إلى ذكر جهود الشباب والمبدعين الذين ارتفقوا بالفن المسرحي أمثال الكتاب ماجد شليبي، سالم الحناوي، جمال سالم، جمال مطر، ناجي الحاي، عمر غباش، والعديد من المخرجين الذين ساهموا في تطور الحركة المسرحية،
التي انطلقت من لا شيء ووصلت إلى أكثر من 16 فرقة مسرحية، قدمت العديد من العروض المتميزة التي عكست السوية الابداعية الحالية التي حققها مبدعو هذا البلد في فترة زمنية قصيرة استطاعت ان تتجاور عبر عطائها مع العديد من الفرق المسرحية العريقة في سائر البلدان الأخرى.
إسماعيل الرفاعي



