تقع مدينة «بخارى» التاريخية في أراضي جمهورية أوزبكستان، وهي من أعظم مدن بلاد «ما وراء النهر» منذ القدم، وكانت الكتاتيب التي تعلم اللغة العربية والقرآن الكريم والتاريخ والفقه منتشرة بصورة واسعة في أرجاء المدينة، وقد تسنى لنا في هذه الرحلة زيارة تلك الأماكن التي تبدو

وكأنها متحف مفتوح يحوي عجائب فنون العمارة الإسلامية، عجائب لاتمل العين من تأملها وقراءة تاريخ هذه المدينة العريقة في النقوش العربية والزخارف وطرز البناء التي تبدو للناظر وكانها خارجة للتو من عهود سحيقة كما هي بمآذنها وقبابها ومدارسها وخانقاواتها بأسوارها وقصورها وقلاعها.

كنت أتمشى يوميا تقريبا ولساعات طوال في طقس شتوي شديد البرودة، بين نتف الثلج المتناثرة بين الحواري والازقة والميادين، فاستحضر صورة ذلك الامام الجليل الذي ولد هنا في مدينته بخارى وخرج منها يطلب العلم فطبقت شهرتها الافاق بكتاب واحد من كتبه. انطلق منها «محمد بن إسماعيل البخاري» صغيراً كما تذكر كتب سيرته ينهل العلم من تلك الموارد العذبة بتشجيع وحرص من والدته فقد كان يتيما، فظهر عليه نبوغ مبكر أذهل كل من حوله،

فقد كان يملك ذهنا وقَّادا، وقلبا واعيا، وذاكرة مدهشة، وقدرة فائقة على الحفظ، حتى إنه أتم حفظ القرآن الكريم، وأتقن اللغة العربية، وألم بكثير من الفقه وحفظ الحديث النبوي، ولم يكن قد جاوز العاشرة من عمره، وكانت الأم الصالحة دائما ما تشجع ولدها، وتهيئ له البيئة الصالحة لطلب العلم،

وبعد أن أتم «البخاري» دراسته في الكتاب رأت أمه الواعية أن ترسله إلى حلقات العلم المعروفة في «بخارى» و «سمرقند» و«بيكند»، و«مرو» وتقع حالياً في جمهورية تركمانستان «، و«نيسابور وتقع في ايران»، وذاعت شهرته بين العلماء حتى صار يناقش أساتذته،

بل ويصحح لهم في بعض الأحيان ولم يقف التفوق والنبوغ بالبخاري عند هذا الحد بل إن شيخه «محمد بن سلام البيكندي» عالم «بخارى» ومحدث بلاد «ما وراء النهر» كان يطلب منه أن يراجع له بعض كتبه فإذا وجد فيها خطأ صوبه، فكان العلماء يتساءلون متعجبين : من يكون ذلك الغلام الذي يصحح كتب أستاذه ؟

فكان الإمام «البيكندي نسبة الى مدينة بيكند وتقع في اوزبكستان «يقول في فخر واعتزاز بتلميذه النجيب : هذا الذي ليس له مثيل.

وكثيرا ما كان الإمام «البيكندي» يحدث زملاءه عن تلميذه «البخاري» الذي يحفظ سبعين ألف حديث، وليس ذلك فحسب بل إنه لا يحدث بحديث عن الصحابة أو التابعين إلا وكان يعرف متى وأين ولدوا ؟ وأين عاشوا ؟ ومتى كانت وفاتهم؟

ومرت السنون، وأصبح «محمد بن إسماعيل» في السادسة عشرة من عمره فأحس أنه في حاجة ماسة إلى أن يطلب العلم في ربوع الدنيا ؛ حتى يشبع نهمه ويروي ظمأه، فتوجه إلى «مكة المكرمة» في صحبة أمه وأخيه الكبير «أحمد» سنة 210 هـ للحج، وبعد انقضاء موسم الحج عادت الأم وولدها «أحمد» إلى «بخارى»، وبقي «البخاري» بمكة يتنقل بين مناراتها العلمية شرقًا وغربا وشمالاً وجنوبا،

فلم تمرعليه سنتان في تلك البلدة الطاهرة حتى بدأ في تأليف كتاب «قضايا الصحابة والتابعين» الذي يعد أول مؤلفاته الخالدة. وكان دائما ما يحلو للبخاري أن يذهب إلى «المدينة المنورة»، وكان من ثمار هذا المكان وبركته أن ألف «البخاري» كتاب «التاريخ الكبير» الذي يعد أول كتاب جامع لأسماء رواة الحديث النبوي الشريف وأحوالهم.

ومن «المدينة المنورة» تلك البقعة العطرة الطاهرة انطلق «البخاري» في نشاط لا يعرف الكسل يطوف بلدان العالم الإسلامي حبّا في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم- فقد كان رحالة، فسافر إلى «الحجاز» و«الشام» و«مصر» و «خراسان» (وهى منطقة واسعة تقع حالياً في الشمال الشرقي من «إيران» وجنوب «تركمانستان».

وزار «البصرة» ونزل ببغداد، وكانت حينئذ عاصمة للخلافة العباسية. وقد استفاد «البخاري» من تلك الرحلات العلمية أعظم استفادة، وقرت عينه بمقابلة معظم رجال الحديث في زمانه فجلس إليهم واستمع منهم وحفظ عنهم العلم وذات مساء رأى «البخاري» رؤية عجيبة كانت لها أثرا عظيما جدّا في حياته كلها!!

فقد رأى نفسه وهو واقف أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وهو يمسك في يده مروحة يدفع بها الأذى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فأصابته الحيرة وأخذته الدهشة فذهب إلى شيوخه يسألهم عن تفسيرهذه الرؤية فقالوا له في فرحة: إنك إن شاء الله سوف تدفع الكذب والافتراء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم

- وهنا تذكر «البخاري» شيخه «إسحاق بن راهويه» عالم «خراسان» الكبير عندما قال لتلاميذه : «لو أنكم جمعتم كتاباً مختصراً في الصحيح من سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم. فوقع ذلك القول في قلب «البخاري»، وتذكر ذلك الحلم الذي كان يلح عليه منذ بدأ يطلب الحديث النبوي الشريف، فشمر من فوره عن ساعد الجد، وخاض غمار رحلته الطويلة في تأليف ذلك الكتاب العظيم سنة (217 ه)، وكان عمره حينئذ ثلاثة وعشرين عاما.

وبسبب ذلك الحلم قطع «البخاري» آلاف الأميال متنقلاً بين أقطار العالم الإسلامي متعرضا للمتاعب والأهوال، متكبدا المشاق الكبيرة، ربما من أجل حديث واحد من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وقد وصل به الأمر في بعض الأحيان أن أكل الحشائش لكي يسد جوعه بعد ما أنفق كل ما معه من مال، حتى الساعات القليلة التي كان يقتنصها لينال قسطا قليلاً من الراحة والنوم، لم يكن يترك نفسه تهنأ بها ؛

فقد كان يقوم في الليلة الواحدة من خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة يوقد السراج، ثم يجلس يصنف ويرتب ما جمعه من أحاديث. وقد أخذ «البخاري» شرطا على نفسه ألا يكتب حديثًا عن راو من رواة الحديث إلا بعد أن يلتقي به بنفسه، ويسمع منه الحديث بأذنه، وكان لا يأخذ حديثًا إلا ممن يتصفون بالأمانة والإتقان والدقة والورع وقوة الحفظ، وبعد كل ذلك كان يغتسل ويصلي ركعتين لله- عز وجل - ثم يضع الحديث الذي تكتمل كل شروطه في كتابه.

وبعد ستة عشرعاما من الجهد والعمل المتواصل أتم «البخاري» كتابه الجليل، جامعا بين دفتيه ما يقرب من (7000) حديث صحيح، اختارها من بين 000,600 ستمئة ألف حديث من الصحيح وغير الصحيح، وقد ترك «البخاري» كثيرا من الأحاديث الصحيحة حتى لا يطول الكتاب، واختار الإمام اسم «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسننه وأيامه» ليكون عنوانا لأصح كتاب بعد كتاب الله - عز وجل المعروف (بصحيح البخاري)

وقد نال الكتاب شهرة كبيرة، وحظي «البخاري» بسببه بمكانة عظيمة، كان جديرا بمثله أن يتبوأها، فقد كان - رضي الله عنه - واسع المعرفة غزير العلم، عظيم الخلق، سمح الطبع، عزيز النفس، عفيف اللسان، زاهدا في الدنيا، قوي الإيمان، شديد المراقبة لله، وبعد أن ذاعت شهرة الإمام «البخاري» في ربوع الدنيا أقبل ألوف الدارسين يتتلمذون على إمام الحفاظ والمحدثين حتى وصل عدد ممن كان يحضر مجلسه ببغداد إلى عشرين ألف إنسان، وكان من أعلام تلامذته : «الترمذي» و«النسائي» و«مسلم»وغيرهم..

وفى عام (250 ه) رحل «البخاري» إلى مدينة «نيسابور» من مدن «خراسان ايران»، وأقام فيها مدة يعلم أهلها، ثم قرر أن يعود إلى بلده الحبيب « بخارى» فتسابق أهلها إلى الخروج لاستقباله في احتفال عظيم نصبت فيه الخيام، وعلقت الزينات ونثرت على الإمام الورود والدراهم والدنانير، وكانت فرحة عظيمة عمت «بخاري» كلها.

وتشاء رحمة الله بالإمام ألا يقبضه إليه قبل أن تطمئن نفسه، وتعود الفرحة إلى قلبه، في أحد الأيام أرسل إليه أهل «سمرقند» يطلبونه، فأجابهم الإمام إلى طلبهم، واستعد للرحيل إليهم في سعادة بالغة، فلما مشى إلى دابته قليلاً قال : «أعيدوني فقد ضعفت واشتد علي المرض» فلما أعادوه إلى بيته دعا بدعوات، ثم اضطجع على سريره، وسال منه عرق غزير،

ثم صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها، وكانت وفاته - رضي الله عنه - ليلة السبت، أول شهر شوال سنة (256 هـ = 870 م)، وكان عمره حينئذ اثنين وستين عاما، ودفن الإمام بقرية «خرتنك»، وهى تعرف الآن بقرية «خواجة صاحب» قريبا من مدينة سمرقند وقبره رحمه الله معروف ويزار بكثافة طوال ايام السنة.

اما منطقة وادي فرغانة وهي تعتبر منجما للأعراق والاثنيات ومنها ينحدر الخبيران الاقتصاديان الاوزيكيان ظفرايرغاسيف وتلكاد كامباروف وقد تعرفت عليهما في الفندق الذي كنت انزل فيه في العاصمة طشقند، وهما من أبناء وادي فرغانة، حيث يشير ايرغاسيف إلى عمق الروابط التاريخية بين الاوزبك والعرب وهذا امر اكده الباحثون والاكاديميون المتخصصون،

ولكني استطيع ان اؤكد على وجود الكثير من فرص التعاون الاقتصادي والتجاري، سنكون مسرورين بطرحها ومناقشتها مع شركائنا العرب. ويعقب كامباروف فيشير الى ان اوزبكستان تقدم الكثير من الفرص الاستثمارية والمتنوعة بالنسبة للمستثمرين نظرا للتنوع الجغرافي الكبير الذي تتمتع به البلاد من السهول والجبال والصحارى والعديد من المصانع للمعدات الثقيلة والسيارات والطائرات،

اضافة للتنوع والثراء الثقافي والاثنى ووجود الكثير من المواقع السياحية التاريخية الشهيرة التي تخلق جوا مناسبا جدا للاستثمار السياحي وهي متاحة الان للشراكة والتعاون مع المهتمين من الشركات ورجال الاعمال العرب وبالفعل هناك الان الكثير من الشركات والجهات المعنية بالاستثمارات تتسابق للتعاون معنا ومن جميع انحاء العالم.

صديق كوري تعرفت عليه في هذه الرحلة اسمه الكسندر لين، عندما سألته أنت كوري قال نعم نظرا لملامحه الكورية الصينية التي لاتخطئها العين، لكنه اضاف : ولكني مولود هنا في مدينة فرغانة احدى مدن وادي فرغانة وتخرجت في جامعتها وابي ايضا مولود هنا فنحن اوزبك، اي جنسيتنا اوزبكية من الاثنية الكورية

وذكر ان من ضمن الخليط العرقي المتعدد في اوزبكستان توجد العديد من القوميات والاثنيات التي رحلت من قبل ستالين الى اوزبكستان في اسيا الوسطى من بلدانها الاصلية ومنهم كان جدي وجدتي ولكننا لا نعرف غير اوزبكستان لنا وطنا، وقد حاولت شحصيا التأقلم مع الأجواء الأخرى في بلدان أخرى

فقد عملت سنتين في روسيا لكني فضلت العودة إلى مسقط راسي فرغانة بعد ان شعرت بالغربة هناك واعمل اليوم في شركة سياحية في العاصمة طشقند. رغم ان الكسندر ويفضل ان ندعوه ساشا لا يترك الطاولة بعد الانتهاء من تناول الطعام قبل ان يرفع كفيه بالدعاء والشكر لله تعالى على نعمه الكثيرة كالمسلمين هنا تماما رغم انه مسيحي.

العديد من اهالي وادي فرغانة الذين زرناهم وجدنا لديهم كل الحفاوة والكرم الذي يبدو انه عادة متأصلة عند الاوزبك وهم اكثرية سكان هذا الوادي بل وحتى عند اشد الناس فقرا فهم كرماء حقا لا كلاما عزيزي النفس ويستانسون بدعوة الضيف واكرامه نزولا عند تعاليم الدين الحنيف كما يقولون فالضيف يجلب للبيت البركة والرحمة من رب العالمين.

تعتبر مدينة أنديجان الأوزبكية العاصمة الإدارية لوادي فرغانة الذي قسمه الزعيم السوفييتي الأسبق جوزيف ستالين عام 1925 بين أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان. وعرف الوادي الممتد على مسافة 300 كم طولا و150 كم عرضا في العهد السوفياتي كقلب زراعي للدولة وواحة شديدة الخصوبة ليس فيها مساحة خالية من حقول القطن وأشجار الفاكهة المثمرة،

لا سيما المشمش والتفاح والرمان التي يشتهر بها الوادي في أنحاء آسيا الوسطى. وبسبب خصوبته الزراعية احتل الوادي المرتبة الأولى في المنطقة من حيث ارتفاع معدل الكثافة السكانية، إذ يعيش فيه اليوم نحو عشرة ملايين إنسان نصفهم من الاوزبك وثلثهم من القرغيز واوزبك قرغيزستان والبقية من الطاجيك،

ورغم هذا التنوع العرقي عاش سكان وادي فرغانة به لقرون خلت ككتلة سكانية متجانسة، وأظهروا تضامنهم انطلاقا من الرابطة التي أوجدها بينهم الإسلام ويقول محللون إنه وبعد نجاح ثورة 1917 الشيوعية وقيام الاتحاد السوفييتي السابق مثلت وحدة الوادي مصدر خطر للحكام الشيوعيين الجدد فعمدوا إلي تقسيمه بصورة هزلية بين الدول الثلاث عام 1924 بهدف تأجيج النزاعات العرقية بين السكان بصور مستمرة.

وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال جمهورية اوزبكستان المسلمة نظرت الدولة إلي وادي فرغانة، خاصة مناطق القبائل الأوزبكية الغنية بالنفط فرصة لاستثمار هذا المورد لصالح أبناء الوادي وتفعيل اقتصاد المنطقة. وإلى جانب أنديجان تعد مدينة نامانجان الواقعة أيضا في الجزء الأوزبكي من وادي فرغانة أكبر مدينة في الوادي

من حيث المساحة ويسكنها نحو 400 ألف نسمة وتقع على بعد 200كم من العاصمة الأوزبكية طشقند ، وإلى جانب شهرته كمنطقة زراعية شديدة الخصوبة يشتهر وادي فرغانة بانتشار المشاعر الإسلامية بقوة بين سكان مناطقه الثلاث الفخورين بعدم أكلهم للحم الخنزير طوال العهد السوفييتي الشيوعي،

ويعرف سكان الجزء الأوزبكي من الوادي بأنهم الأكثر التزاما بالإسلام في آسيا الوسطى، ويبدو هذا في سفر أكبر عدد من الناس سنويا للحج من هذا الجزء الذي ينتشر الحجاب بين نسائه أكثر من أي مكان في المنطقة.

عمار السنجري