قد يطغى ملمح محدد، أو سمة ما، على الكائن محددة هويته ومجاله الحيوي. إنه الجوهر الذي يمسح الخلايا كلها بميسمه الخاص، والبعد الذي يتحقق من خلال الأبعاد كلها، فهناك ثمة صوت ما، أو بصمة للروح تصبح ظلا للجسد تتقدمه أحيانا وتجاوره أحيانا أخرى.

والفنان التشكيلي يوسف الدويك، أحد الذين سكنهم هاجس التعبير عن رؤاهم وهواجسهم التي شكلتها مدينة القدس بأسطورتها وعراقتها وبمرارتها وأنينها الذي نتلمس صداه في أعمال الدويك الفنية وأحاديث ذكرياته وأحلامه في استعادة المكان بكامل قداسته.

ذاكرة المكان

بدأت علاقته بالفن منذ الطفولة، التي قضاها متنقلا بين حارات القدس المشبعة برائحة الزمن المعتق، وتجذرت تلك العلاقة بتأثير شقيقه الفنان المعروف طالب الدويك، الذي علمه الأسس الصحيحة لفن الرسم، بعد أن تلمس عنده الموهبة وشغف التعلم، وأخذ يتردد أيضا على مراكز الفنون المختلفة، التي شكلت بالنسبة له، فرصة للتعلم بطريقة منهجية أكاديمية،

وكان يدفعه الفضول للدخول إلى الكنائس القريبة من سكنه، والتي أثرت تأثيراً كبيراً عليه، بالتشخيص الذي كانت عليه تلك الرسوم المحفوفة، بالقداسة والمغمورة بضوء سري يتوهج من داخل القديسين. آنذاك لم يكن قادرا على تميز التقنية كمفهوم أو النسب الفنية التي تكونت عليها اللوحات والتماثيل.

في ذلك المناخ وبوجود شقيق سبقه إلى الفن، وأساتذة عرفوا إمكانياته وحاولوا أن يرسخوا فيه هذا الجانب ويطوروا أدواته، تحددت ملامحه وعرف أن مصيره لصيق بالفن ومقترن به، ومنذ ذلك الوقت أصبح اللون والخطوط، لسان حاله الذي يتحدث من خلاله، ووسيلته الأساسية للتعبير.

ويتذكر الدويك إحدى الطرائف التي صادفته في دراسته الإعدادية، يقول: في تلك الفترة، كان لدينا مدرس للرسم، يعتمد على سرد حكاية ما، ثم يطلب منا رسمها، وكان يدرس مختلف الصفوف، وصادف أن روى ذات الحكاية علي طلاب الصف الحادي عشر، وكان أحد أقربائي في ذلك الصف، وما كان منه إلا أن طلب مني مساعدته في الرسم، فرسمت له القصة،

وكانت حصة الرسم عندهم تسبقنا بيوم، ويتابع الدويك قائلا: المهم أن في اليوم التالي، وبعد أن شاهد المدرس، ما رسمته وبخني بشدة واتهمني أن قريبي يرسم لي، وكان من الصعب تبرئة نفسي، حتى أعترف له قريبي بحقيقة الأمر، حينها تغير موقف المدرس مني وراح يثني علي.

ويعود الدويك إلى تأثير شقيقه عليه وعلى جيل واسع من طلاب الفن والراغبين في التعليم آنذاك، يقول: منذ الصف التاسع وحتى نهاية المرحلة الثانوية، درسني شقيقي، وقد كان له دور في جعل مادة الرسم أساسية في التعليم، وجعل منها مادة نجاح ورسوب، ويضيف كنا ندرس إلى جانب تقنيات الرسم، تاريخ الفن، حتى تكونت لدينا معرفة واسعة. بمجمل المدارس الفنية بمبدعيها ومنظريها.

وعن التحاقه بكلية الفنون بجامعة اليرموك، والتي التحق بها متأخراً ومن خلال امتحان القدرات، يقول: في مقابلة القبول فاجأني أحد الأساتذة بسؤاله: هل تعرف من رسم الموناليزا؟ ويضيف في تلك الفترة، يكاد لا يخلو بيت من تلك اللوحة، فما كان من الدويك إلا أن تحدث مطولا عن ليوناردو دافنشي بدءاً من لوحة تعميد المسيح وانتهاء بالعشاء الأخير.

أنهى الدويك دراسته الأكاديمية في زمن استثنائي فقد حصل على البكالوريوس في غضون ثلاث سنوات وبأعلى معدل في القسم، ودرس على يد العديد من المدرسين الكبار، الذين يعتز بهم من أمثال الفنان عزيز عمورة والدكتور محمد صادق، وعن عزيز عمورة يقول: من خلاله تعلمت التعاطي الصحيح مع اللون،

وهو من الفنانين القلائل في العالم العربي الذين تخرجوا من أكاديمية «برات للفنون» في نيويورك، وكان لديه إمكانيات هائلة وتأثير على معظم الطلاب، والمميز في عمورة أنه لم ينقل أسلوبه إلى طلابه وهذا من أهم سماته كمدرس استثنائي، ويضيف الدويك بأن علاقة قوية نشأت بينه وبين عمورة ومازالت مستمرة حتى الآن.

أحياء القدس ومشروع التخرج

عمل الدويك في مشروع التخرج على رسم أحياء القدس القديمة والذي يدخل على حد تعبيره في صميم الإنشاء التصويري، معتبراً أن تأثير القدس مازال موجودا في مجمل أعماله حتى الآن، ويؤكد أن تأثير الاحتلال، شكل أحد أهم العوامل في بناء شخصية الكثيرين، من جانب الجرأة في الرفض ويعتبر أن من واقع هذا الاحتلال يمكن ان ترى إلى أي مدى يستطيع الطفل الفلسطيني أن يعبر عن حس المواجهة والتحدي والاستبسال.

إنها الجرأة المطلقة! ويضيف: ان الاحتلال بغيض وأن وجوده إلى يومنا هذا، عامل من العوامل المؤثرة في تجربتي وقد تجلى ذلك منذ بداية تخرجي وارتبط بآلية التعبير عن الهوية. ويرى أن البدايات الأولى كانت مرتبطة بالصورة وهذا بفعل تأثير الساحة التشكيلية الفلسطينية بصورة عامة، فقد كانت الصورة المباشرة هي المؤثرة وبالتالي تجد استجابة الشارع الفلسطيني للصورة، أكبر من غيرها.

ويعتبر الدويك أن كثيرا من الدول التي قامت بها الثورات ووجد بها الاحتلال انتجت ما يمكن ان نطلق عليه الفن الساذج، فقد كان التعبير سطحي ومباشر وجزء من هذه السذاجة ساهم به الاحتلال نفسه، فقد هناك بعض الألوان التي يمنع استخدامها كالأحمر والأخضر، تلك الألوان التي ترمز إلى العالم، وعليه فقد نشأ نوع من التحدي بأن ترسم ما يبرز العلم ويؤكد صورته.

نقلة نوعية في الإمارات

وعن تأثير الإمارات على تجربة الدويك الفنية، يعتبر الدويك بأن جزءا من النقلة حدثت في تواجده ضمن هذا المناخ المتعدد والمنفتح يقول: الإمارات جعلتنا نلتقي بفنانين من مختلف الدول، وبالتالي يمكن أن تجد في أي معرض انعكاس لهذه الثقافات، بطريقة تستطيع ان تميز من خلالها إلى أي ثقافة ينتمي هذا العمل أو ذاك، فالجو العام، حيوي وعامر بالنشاط، من لقاءات وندوات وتظاهرات فنية وثقافية.

وحين حضرت إلى الإمارات في عام 1988، كان هناك جمعية الإمارات للفنون التشكيلية وكانت تمثل الواجهة الأساسية للفن في البلد، وكان هناك المجمع الثقافي في أبوظبي، وكان هناك حالة من النشاط والحراك الثقافي الدائم، ضمن مناخ من التلاقح الثقافي الذي قادني إلى البحث عن آليات مختلفة للتعاطي مع اللوحة وبالتالي تعكس هويتك الثقافية والحضارية،

وأنت تتلمس حالة ما أو تقنية ما، تعبر من خلالها عن موضوع القضية الفلسطينية، خصوصا وأن هناك فنانين من جنسيات مختلفة عبروا عن انتمائهم بأشكال متعددة لهذه القضية وضمن هذا الحراك اتضحت أسلوبية الدويك وطريقته في التعبير وتأكدت ملامح تجربته الفنية،

معتمداً على التعبيرية والانطباعية في طرح موضوعاته. يقول: عندما أتحدث عن يافا ستجد البرتقال حاضرا في أعمالي، سواء بهيئة البرتقال أو بالحركة الحلزونية التي ترمز إلى قشر البرتقال، وستجد التعبير عن القدس حاضرا ولكن ضمن آلية مختلفة، فيها من النضج بطريقة لا يمكن ان نصفها بطريقة التعبير المباشر.

وعن خصوصية المشهد الثقافي والتشكيلي في الساحة المحلية، يرى الدويك بأن الفنانين المتواجدين، لعبوا دورا مهما في سبيل تمايز هذه الساحة عن غيرها من الساحات المحيطة بالمنطقة، غير أنه يعتبر أن الحركة بصورة عامة تفتقد إلى حضور بعض الاتجاهات الفنية في بعض المعارض التي تحاول تكريس اتجاهات أخرى ويرى أن الساحة التشكيلية تفتقد إلى الكلمة المكتوبة حول الفن،

بمعنى أن هناك قلة قليلة من الذين يكتبون عن الفن بطريقة تعكس فهما وإدراكاً حقيقياً للفن ولما يدور في الساحة، وهناك كثرة يكتبون في إطار وصفي وهزيل خارج السياقات النقدية المعنية بقراءة العمل في إطار البعد البصري للوحة، ومقاربة التجربة بكافة مراحلها وتطوراتها، بمعنى قراءة العمل ضمن بعده السياقي. ويخلص الدويك إلى أن ثمة حاجة ضرورية لخطاب نقدي موضوعي من شأنه أن يرتقى بالفنون ويمهد لارتقائها وتطورها.

ملامح عامة للتجربة

بداياته الأولى بعد التخرج كانت ذات طالع أكاديمي ضمن الاتجاهين الانطباعي والتعبيري، إلا أنه في اتجاهه نحو الأسلوبية والخصوصية تجد أكثر بعض السمات الخاصة بلوحته والتي يسميها الدويك بتقطيع اللوحة وتقسيمها، يقول: تجد في لوحتي مجموعة أجزاء، وكل جزء يمثل مكونا أساسيا ومفردة بصرية تكامل السياق البصري العام في اللوحة،

ضمن تحاور وتجاور يفرضه المنطق الفني والحاجة التعبيرية وفي البدايات تناولت مواضيع تعكس حياة الفلسطينيين بصورة عامة، أما في مرحلة لاحقة، وتحديداً في عام 1993 فقد بدأت أهتم بشكل كبير بسطح اللوحة، وأصبحت تجربتي تأخذ منحي البحث في ملامس السطوح وهذا النوع من البحث كان مبنيا في أساسه على توظيف مواد مختلفة كالأقمشة والأوراق والمواد الطبيعية، للحصول على سطوح متعددة التأثيرات والملامس.

وضمن البحث البصري والهاجس التصويري المغاير، تنتقل اللوحة من التعبير عن طريق المشهد أو الشكل إلى التعبير الرمزي، فقد أصبحت اللوحة تأخذ منحى جديداً يتضمن الاستفادة من الطاقة الرمزية الموجودة في الأحرف الكنعانية القديمة. وهنا يؤكد الدويك على أن مهمة الفنان ليست كمهمة المؤرخ، فالمؤرخ كما يراه، يوثق الشكل كما هو، والحرف كما هو، بينما يتعامل الفنان مع روحية هذه الأشكال والرموز،

باعتبارها تمتلك طاقة لا نهائية وإمكانية واسعة على تشكيل هيئات مختلفة محافظة في الوقت نفسه على الروحية والخصوصية، ويستذكر دويك معارضه التي جسدت هذا البحث كمعرض «جذور» الذي أقامه عام 1998 في آرت غاليري في دبي حين يقول: كان المعرض يمثل حضوراً للحرف الكنعاني ليس بصيغته اللفظية،

إنما ضمن تكوينات أردت من خلالها التأكيد على الهوية الفلسطينية كجزء من جسد الهوية العربية، خاصة وأن هذا الهاجس تملكني بطرح هذه الهوية بطريقة لا تتناقض مع البحث التشكيلي ومفاهيم الفن المعاصر وبالتالي كان ثمة حضور للتقنية والأسلوبية المستندة على البحث والتجريب.

ثم ينتقل إلى معرض «تحية إلى أرض كنعان» الذي قسمه إلى ثلاثة أجزاء، جزء يتضمن مجموعة من الأعمال تحت عنوان «بيت شان» وهو الاسم الكنعاني القديم لبيسان، ومجموع «يافا»، و «يبوس» وهي القدس حاليا، ومنه إلى معرض «تحية إلى يبوس» الذي أقامه بالتعاون مع اليونيسيف، لصالح أطفال فلسطين،

وقد ركز في معظم الأعمال على القدس تحت الاحتلال متناولا موضوع الجدار الذي يقول عنه الدويك: لا يمكن أن أسميه جدار الفصل العنصري، ذلك أن هذه التسمية ليست دقيقة في معناها، خاصة وأن الجدار في واقعه لا يفصل بين أعراق أو أجناس، إنما هو في حقيقته يفصل الشعب الواحد،

فقد قسم هذا الجدار، الأرض والبشر والحجر والشجر ويتابع الدويك بقوله: هنا يحضرني التعبير والترميز عن أي شكل من أشكال المباشرة والسطحية، إذ اتكأت على السمة الغالبة في أعمالي ألا وهي التقطيع والتجزئة، لكي تعكس هذا الواقع المرير والمؤلم، فالجدار بالنسبة لي هو جدار الهيمنة والاضطهاد هو جدار السلب والنهب للهوية والثقافة بكل ما تحمله الكلمات من معنى.

اسماعيل الرفاعي