بينما هو جالس على كرسيه الخشبي الصغير يرتشف بين لحظة وأخرى من فنجان القهوة رشفة تلو الأخرى ونظرة فيما يصادف وجهته يتنقل بين عنصر وآخر، تراه يتأمل ويغوص في شرود عميق على صوت فيروز أو أم كلثوم، ويتخلل شربه لقهوته زفير طويل لدخان نرجيلته الأبيض الذي يتلاشى ببطء.
يذهب بعيداً في خياله ربما، أو يفكر بعمق. يرسم مستقبلاً بكل عوامله أو حتى يعيد فرش أوراق الماضي. فتراه مأخوذاً بذكرياته حلوها ومرها. تلكم حال معظم رواد المقاهي في العالم العربي، ألفناها منذ زمن طويل ويعود إلى عشرات العقود، حيث لا يخلو مقهى تقصده من هذه الطقوس التي تمتد لساعات طوال.
المقهى بمفهومه السائد هذه الأيام مجال ترفيهي له أهميته، يعتبره البعض سبيلاً لتسلية وتمرير الوقت، ولكن لو تركنا لأنفسنا فرصة التوغل أكثر في عمق هذا الركن الحميم الذي يفترش الأرصفة في أغلب مظاهره من ساحات المدينة وأحيائها العريقة وغير العريقة، ما الذي ندركه حينها من معرفة لهذا الجاذب لكل أصناف البشر بفئاتها وشرائحها المتنوعة، بين شباب ومسنين، من مثقفين وأصحاب مهن وفنانين وعاطلين عن العمل وأصناف أخرى.
لم يكن المقهى سوى المكان الرحب بفضائه المفتوح على العالم، والذي يتيح للمبدع كغيره تواصلاً واحتكاكاً مع الشارع الحامل الأساسي لمكونات المجتمع بتفاصيل حياته وتحولاته ومنحى سيرورته وهنا تكمن الأهمية الكبرى للمقهى الذي شهد تاريخياً ولادة أعمال من أعظم الإبداعات الإنسانية في مجالات أدبية متعددة.
حيث يعتبر من أبرز فضاءات التواصل بين الأفراد ينزعهم من رتابة الحياة اليومية ليمنحهم أجواءً من الحميمية يلفها النشاط والحيوية. إلا أنه ومع التطورات الحاصلة في العقود الأخيرة بدأت تنحسر تلك الظاهرة نسبياً لحساب مفاهيم أخرى أطرت المقهى بمفهوم جديد، فلم تدع مظاهر الحضارة في مسارها المتسارع هذا المكان البسيط بمنأى عن ضوضاء المدينة،
فتغير حاله شكلاً ومضموناً إلى حد معين، وأصبحت الشاشات الكبيرة للتلفزة تتصدر جدرانه، واستبدل الكرسي الخشبي بكراسي الصالونات وكاد يقتصر المقهى في دوره على التسلية أو مكان لمن يهرب من مسؤولياته الحياتية المتعاظمة ومشاكله العقيمة إلى طريقة كفيلة بهدر الوقت.
فلم تعد معظم المقاهي هادئة ينعم مرتادوها بالراحة أو مشبعة بذكريات المكان العريق ولا حتى موطناً لهؤلاء المبدعين معظم المقاهي فقدت رمزيتها المكانية فتداخل العنصر الموروث مع المعاصر الوافد ولم تعد تميز بين مقهى تعرفه وآخر، وفي هذا ابتعاد في اتجاه يعاكس أصالة المقهى وعراقته وارتباطه الحضاري بمكان ما.
مما لا شك فيه أن المقاهي تأخذ شكلها ووظيفتها من حاجة الناس لها وشكل تلك الحاجة، ومن هنا تتميز المقاهي عن بعضها. فمنهم من يقصدها سعياً لانجاز بعض الأعمال مستأنساً بنشاطات الناس اليومية، والبعض يتصفح جرائده اليومية فيها، وآخرون يضعون الأفكار الأولى لتجارتهم أو حتى يعقدون صفقات على الطاولات الصغيرة للمقهى.
وبعض المقاهي تستقطب الفنانين والأدباء والصحافيين فتدور بينهم حلقات الحوار وتبدأ النقاشات الفنية والنقدية حول المشاهد الثقافية وحول نتاجاتهم الإبداعية فيما يشبه الورشة الأدبية ضمن طقوس المقهى وأجوائه اللطيفة. من هنا نستشف الأدوار المختلفة للمقهى بين سياحية وترفيهية وثقافية والتي تؤدي إلى تصنيفات متعددة له حيث نجد المقهى الأدبي والثقافي أو المقهى السياسي والذي تنطلق منه أيديولوجيات معينة يتم الترويج لها في فضاء المقهى ليصبح منبراً لأصحاب تيارات معينة.
والمقاهي في دبي حاضرة: بشكل واسع في معظم أروقة المدينة، يرتادها الناس على اختلاف جنسياتهم ويقصدها السياح للراحة وتناول النرجيلة، ومن المقاهي في دبي نذكر الفيشاوي وهو من أقدم المقاهي في المدينة ويعود تأسيسه إلى ربع قرن من الزمن، وهناك أيضاً مقهى الحلم العربي والروزنة والحرافيش والنبراس وخان الخليلي وغيرها من المقاهي المنتشرة.
من هنا نجد أن الظاهرة الشعبية هذه لا تندرج ضمن أدوار التسلية وما شابه فهي فضاءات دافئة للتواصل ومنابر فكرية وثقافية وإنما ضمن دلالات هادفة ورمزية تؤكد أصالة المكان.
قصي بدر



