شعور عميق بالأسى وإحساس بالذنب داهمني فجأة، بعد أن استويت فوق مقعد طائرة الخطوط الجوية الأوزبكية الإيرباص الفخمة، التي بددت فكرتنا القديمة عن الخطوط الجوية للدول الشرقية الشيوعية السابقة، التي سبق لي السفر إليها لأكثر من مرة،

وعلى طائرات كانت تستخدم لنقل المسافرين وشحن اللحوم المجمدة إلى دول الشرق الأوسط في الوقت نفسه، التوبوليف العتيدة، المصنوعة أيام مجد الاتحاد السوفييتي السابق. هذا ما تسعفني به الذاكرة عنها فربما تغيرت صناعتها اليوم، سافرت عليها أيام كان يتعين على الركاب الذين اختاروا هذا النوع من الرحلات، الانتظار لفترات طويلة داخل كابينة الطائرة العلبة، محشورين في مقاعد متقاربة،

وقد يبقى الركاب على هذه الحالة البائسة لساعات عدة، متأخرة بالطبع عن الإقلاع من دون أي تنبيه، ومن دون الاعتذار للركاب، لعدم تشغيل مكيفات الهواء بعد الإقلاع تاركين الركاب يسبحون بعرقهم الذي يسيل بغزارة والمراوح اليدوية الكارتونية بأيديهم وهم يبدون مستسلمين لقدرهم في حمام الساونا القسري، قبل الصعود إلى الطائرة استرجعت هذا المشهد البائس بسرعة.

حين ذهبت للحجز على الخطوط الجوية الأوزبكية من مكتب الشارقة، وسردت تلك التفاصيل على عالم جان رحيموف مسؤول المكتب كنت أريد في الحقيقة أن أطمئن على جاهزية الطائرة، ضحك وقال أنت تبالغ، ولكن طائراتنا الإيرباص يا صديقي ستمسح من ذاكرتك هذه الصورة بلا شك،

شكرت صديقي الأوزبكي الطيب وأنا أغادر المكتب، وقلت بيني وبين نفسي هذه خطوة ثانية جيدة لا تقل في أهميتها عن الخطوة الأساسية الأولى، التي بدأت منها الاستعدادات لتنفيذ الزيارة، وهي لقائي ببختيار ماداييف قنصل جمهورية أوزبكستان في دبي هذا الرجل الذي يعود إليه الفضل في الاقتراب أكثر من تنفيذ هذه الرحلة ـ الحلم مدججاً بمجموعة من خيرة المراجع العلمية

والدراسات الأكاديمية التي تبحث في التاريخ والفنون والآداب في أوزبكستان بشكل عام، وهو خريج المعهد العالي للاستشراق في جامعة طشقند قسم اللغة العربية، وقد ذكر ان شخصيات مؤثرة كبيرة وشهيرة جدا خدمت العالم العربي الإسلامي والحضارة الإسلامية ترجع في أصولها إلى أوزبكستان،

والمعروفة تاريخيا ببلاد ما وراء النهر، ويكفينا فخرا يقول ماداييف إنها بلاد الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث وصاحب أشهر الصحاح الستة التي جمعت الحديث النبوي الشريف، وهي كذلك بلاد الإمام الزمخشري والإمام الترمذي وأبو علي ابن سينا والفارابي وأبو الريحان البيروني والشيخ النقشبندي صاحب الطريقة الصوفية النقشبندية، هؤلاء كلهم وغيرهم كثير أنجبتهم ارض أوزبكستان.

ربما لا يعرف القارئ العربي هذه الحقائق، ولكن الغربيين يعرفونها جيدا، لذلك هم يزورون بلادنا دائما وفي كل أيام السنة تقريبا، سواء للسياحة أو للاطلاع على أنفس المخطوطات العربية المتوفرة في الجامعات والمراكز العلمية والاشتغال على أبحاث علمية تثري علومهم وثقافاتهم وتساهم بشكل ايجابي فيما بتنا نحتاج إليه اليوم أكثر من حوار الحضارات.

قلب آسيا النابض بالأعراق

اختلاط ذلك الشعور بالأسى وإحساس بالذنب ناتج في الحقيقة من اكتشاف مدى تقصيرنا وإهمالنا لدول عريقة ومهمة ولنا معها تاريخ مشترك وتأثير لحضارتنا العربية الإسلامية كدولة أوزبكستان، التي صهرت في بوتقتها شعوبا وقبائل ولد تفاعلا حضاريا أنتج أروع الانجازات على الصعد كافة وفي كل الميادين الثقافية والعلمية والفكرية والفلسفية. بعد طيران استغرق ثلاث ساعات وعشرين دقيقة انتقلنا من الجزيرة العربية إلى قلب آسيا الوسطى، هنا، الأرض نفسها تتنفس التاريخ رغم تباعد الجغرافيا،

وان لم يعد هناك وجود لهذا التباعد أمام الطائرات عابرة القارات. روح العاصمة طشقند رغم ندف الثلج التي ترصع شوارعها وميادينها هي روح شرقية، بل الإنسان هنا، روحه وعاداته وتقاليده وحرارة مشاعره تنتمي بوضوح إلى الشرق أكاد أقول العربي المسلم حتى النخاع، تلك الروح المثابرة التي رفدت وعلى مر العصور دولة الخلافة العربية الإسلامية بجهابذة الفكر والإبداع في شتى المجالات.

وقد أثبت الإسلام أنه عقيدة قادرة على توحيد المدن والبلدان والقبائل والشعوب المختلفة وأبرز مثال لدينا اليوم هي جمهورية أوزبكستان الحالية، التي تتعدد فيها الأعراق والاثنيات بشكل لم يسبق له مثيل، فهناك الأوزبك والويجور والطاجيك والروس والشركس

والأرمن والشيشان والتتار وتتار القرم والأبخاز والكوريون واليونانيون وغيرهم كثير، فهناك حسب المصادر الرسمية أكثر من مئة قومية تعيش على ارض أوزبكستان، لذلك فهي تعد بالفعل منجما للأعراق والقوميات والاثنيات والثقافات المختلفة التي تعيش كما لمسنا بانسجام وتناغم تحسد عليه.

أدت ظاهرة الإسلام في نهاية المطاف إلى تطوير العلاقات التجارية وخاصة عبر طريق الحرير الشهير الرابط بين سواحل الصين شرقاً عبر آسيا الوسطى وشبه جزيرة الأناضول غربا وموانئ البحر الأسود. أما اللغة العربية في هذه البلاد التي أصبحت منذ مطلع القرن الثامن الميلادي لغة الدولة ولغة العلوم والمعارف والآداب لدى سكان آسيا الوسطى أيضاً، فقد أصبحت بالتالي وسيلة التفاهم

والتعامل في الميادين السياسية والاقتصادية والسياسية والثقافية بين جميع تلك الشعوب. يشير المستشرقان الأوزبكيان بوريبوي أحمدوف وزاهد الله منوروف في كتابهما العرب والإسلام في أوزبكستان الى ان للغة العربية على شعوب آسيا الوسطى فضلا كبيرا فبواسطة اللغة العربية بالتحديد استطاعوا الاطلاع على مؤلفات علماء اليونان القدماء: اقليدس وافلاطون وجالينوس وابقراط والرياضيات الهندية،

ونظام الكسور العشرية، وتعاليم افلاطون وارسطوطاليس الفلسفية. يمكن تقسيم بلاد ما وراء النهر إلى خمسة أقاليم : الصغد وفيه بخارى وسمرقند، وخوارزم وهو يختلف عن إقليم خراسان الذي يقع جنوبه، والصغانيان وبذخشان والختّل وفيه مدينة ترمذ (مدينة الإمام الترمذي وتقع اليوم في أوزبكستان أيضاً في أقصى الجنوب الغربي من العاصمة طشقند على حدود تركمانستان)، وفرغانة،

والشاش (وقد أطلق البلدانيون العرب على مدينة طشقند اسم مدينة الشاش وهي عاصمة أوزبكستان حاليا)، وبلاد ما وراء النهر هي جزء من تركستان الغربية التاريخية التي تضم في الوقت الحاضر: جمهورية أوزبكستان وطاجكستان وقرغيزستان، وقد سكنها الترك، وكان لهم فيها إمبراطورية عظيمة قبل الميلاد، وقد سكن المنطقة أيضاً الإيرانيون وكانت عقائد أهل المنطقة الزرادشتية وهي ديانة الإيرانيين والبوذية القادمة من الشرق.

مرقد قتيبة الباهلي

وأما أشهر من دفن في أوزبكستان فهو قائد الفتوحات الإسلامية الشهير قتيبة بن مسلم الباهلي رضي الله عنه الذي وصلت فتوحاته إلى الصين ويقع قبره اليوم في منطقة وادي فرغانة في أوزبكستان قريب من مدينة انديجان، كذلك هنا قبر الصحابي الجليل قثم بن العباس رضي الله عنه. وقبرهما معروفان ويزاران ويحظيان بتبجيل كبير من قبل الأهالي. أما مدينة سمرقند الواقعة اليوم في جمهورية أوزبكستان ،

وكلمة «قند» فارسية تعني مدينة، ولم تفسر كلمة «سمر» حتى الآن تفسيرًا مقنعًا كانت سمرقند عاصمة بلاد ما وراء النهر لمدة خمسة قرون منذ عهد السامانيين إلى عهد التيموريين، فتيمور لنك يعتبر بطلا قوميا في أوزبكستان ويبدو ان الرجل ظلمه بعض مؤرخينا أو خلطنا بينه وبين المدمر جنكيزخان بينما تيمور لنك كان رجلا مسلما مازالت آثاره الحضارية العظيمة التي خدمت الإسلام والمسلمين باقية حتى اليوم التي

زرناها في مدينة سمرقند عاصمة مملكته من المساجد والمدارس العلمية العديدة التي كانت تعتبر جامعات في تلك القرون والخانقاوات وهي كأماكن الإقامة المجانية الوقفية التي كانت تخصص لطلبة العلم والدراويش. كما كانت سمرقند وبخارى أهم حاضرتين فيما وراء النهر. مناخها قاري كالمناخ السائد في آسيا الوسطى. عدد سكان سمرقند حوالي نصف مليون نسمة.

وسمرقند الآن من أهم المدن نشاطًا في أوزبكستان في مجال الزراعة والتجارة والصناعة. وكانت قد دمرت سمرقند عبر تاريخها ثلاث مرات:

أولها كان عام 329 ق.م على يد الاسكندر المقدوني الذي مازال أبناء جلدته الإغريق يعيشون هنا وكان اسمها وقتذاك (مرقندا)، وثانيها في عهد جنكيزخان عام (617هـ ـ 1220م)، وثالثها كان على أيدي الأوزبك في منتصف القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي، وكانت قبائل الأوزبك وقتذاك لم تعتنق الإسلام بعد.

بدأ الفتح الإسلامي لمناطق ما وراء النهر (نهر جيحون) منذ عام (46ه)، ثم عُين قتيبة بن مسلم واليًا على خراسان وكان حاكم سمرقند يسمى طرخون. في عام (91هـ ـ 709م) تصالح طرخون مع قتيبة بن مسلم على أن يؤدي الجزية للمسلمين ويقدم لهم الرهائن، غير أن ذلك أغضب رعاياه فخلعوه وعُين إخشيد غورك مكانه، ولكن قتيبة بن مسلم أجبره على التسليم في عام 93هـ ـ 712م بعد أن حاصر سمرقند وقتًا طويلا.

ظلت سمرقند وبخارى قاعدة للفتوح الإسلامية الأخرى ونشر الإسلام في البلاد، مرت سمرقند بفترات من الضعف بعد ذلك، بعد أن تقدم الإسلام منها إلى الصين والهند وروسيا ذاتها، حتى إن الأراضي الروسية ظلت خاضعة للسيطرة الإسلامية ثلاثة قرون، وكان دوق موسكو يدفع الجزية سنويًا لأمير بخارى، ولكن قياصرة روسيا سرعان ما استردوا هذه المناطق الإسلامية وسقط أول حصن إسلامي وهو حصن (آق مسجد) في بلاد ما وراء النهر بيد الروس عام 1852 م.

وبينما كانت الدولة العثمانية في منتصف القرن السادس عشر تهدد أوروبا وتزحف إلى افريقيا وآسيا، كانت روسيا القيصرية تهاجم سمرقند وغيرها من تلك البلاد الإسلامية، وحين قام النظام الشيوعي عام (1342هـ ـ 1923م) في روسيا صارت سمرقند ضمن جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق حتى انهياره عام (1412هـ ـ 1991م)، فصارت سمرقند إحدى مدن جمهورية أوزبكستان بعد الاستقلال.

لعل من أشهر ما يميز سمرقند من الصناعات القديمة صناعة الورق والمنسوجات والسجاد. كما تميزت سمرقند على مر العصور بالعديد من المدارس التي تدل على مدى اهتمام أهلها بالعلم. كما يوجد بسمرقند قبر الإمام البخاري رحمه الله (القبر بالتحديد في قرية خرتك القريبة منها).

أما أشهر أعلام سمرقند فقد اشتهر في سمرقند جماعة من العلماء منهم: محمد بن عدي السمرقندي وأبو منصور الماتريدي وأبو الحسن الميداني، ومنهم أحمد بن عمر أبو بكر السمرقندي ومحمد بن مسعود السمرقندي صاحب التفسير المعروف بتفسير العياشي وعلاء الدين السمرقندي ونجيب الدين السمرقندي وشمس الدين السمرقندي وأبو القاسم الليثي السمرقندي وقاضي زادة الرومي.

عمار السنجري