يعتبر الفنان محمد الجناحي واحداً من أبرز رواد الفن في الإمارات، فهو من الرعيل الأول الذين ساهموا في تأسيس حركة فنية انطلاقاً من قناعة بأن الفن ليس فقط عملا ترفيهيا وانما هو رسالة هادفة ومرآة عاكسة لما يحدث في المجتمع، وهو ممثل إذاعي وتلفزيوني ومخرج وكاتب حوار وسيناريو، وهو أول سفير للفن الإماراتي إلى دول الخليج ومصر والأردن وسوريا حيث شارك في العديد من المسلسلات التلفزيونية.

ولم يحلم الجناحي يوما بأن يكون فنانا بل دخل هذا المجال بالمصادفة، وربما كانت بذرة الفن بداخله إلا أنه لم يكتشفها إلا عندما شارك في أول عمل مسرحي له نظمه النادي الأهلي في أبوظبي بمناسبة أول عيد جلوس للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عام 1967، أي قبل اربعين عاما فقد تجمع عدد من الشباب الرياضيين وفكروا سويا في صياغة عمل يقدم في هذا اليوم، وبدأوا يجهزون سويا في بعض الاسكتشات،

ومن هنا اكتشفوا جميعاً أن لديهم بذرة الفنان. وجاءت الفرصة للجناحي عندما انتقل من العمل في ديوان الحاكم إلى وزارة الإعلام وتحديدا الإذاعة فيما بعد، فعمل في البداية في المكتبة الإذاعية، وفكر مع الزميل محمد صوان أن يقدما برامج وفقرات خليجية،

تتناول الأمثال الشعبية، وقاما سويا بإعداد المادة وجهزا لها السيناريو والحوار، ومن هنا بدأت انطلاقته الحقيقية في عالم الفن، فعمل في الدراما والإذاعة واستمر عطاؤه اللامحدود في عالم الفن حتى يومنا هذا وقد نال العديد من الجوائز والتكريم.

إلى أميركا لدراسة الإخراج

وعندما افتتح التلفزيون في أوائل السبعينات، عمل مع الفنان سعيد النعيمي في تمثيليات قصيرة، ولم يكتف الجناحي بالتمثيل فقط بل كان يكتب ويعد ويخرج في الوقت نفسه، وقد بلغت أعماله الإذاعية خلال تاريخه الفني حوالي 400 عمل إذاعي،

وأكثر من 200 عمل تلفزيوني مابين مسلسلات وحلقات وسهرات في الإمارات والخليج والدول العربية، بجانب أعماله المسرحية من حين إلى آخر ومن أكثر الأعمال التي يعشقها هي الأعمال التي تعود به إلى الزمن الماضي زمن كفاح الأجداد وكل ما يخص التراث.

ومن عاصر هذا الزمان يعرف أن الجناحي كان يعيش في الإذاعة والتلفزيون بل ربما ينام فيها من كثرة الأعمال التي كان يقوم بها، ولما وجد نفسه متيما بالإخراج بشكل خاص، ذهب إلى دراسته في أميركا إلا أنه لم يكن مقتنعا بالإخراج التلفزيوني حيث وجد نفسه مقبلا وبشكل كبير على ممارسة الإخراج الإذاعي،

فعاد من أميركا وقد وضع نصب عينيه أن الإبداع الحقيقي في الإخراج الإذاعي فأخذ عدة دورات في هذا المجال في مصر وسوريا والعراق، وكانت سعادته الحقيقية في اخراج العمل الذي يعتمد فقط على مخاطبة أذن المتلقي، وعلى المخرج أن ينقل له المشهد ليراه بأذنه،

فإذا كان الممثل على شاطئ البحر أو كانت الممثلة في المطبخ أو غيرها من المشاهد لابد من وضع مؤثرات صوتية تنقل فيها المستمع إلى هذا الجو، ورغم أن الجهد فيه مضاعف إلا أنه كان يعتبر ذلك الإبداع الحقيقي. ورغم عدم وجود أجهزة وتقنيات حديثة كالتي نراها حالياً في مجال الإذاعة والتلفزيون والسينما تساعد المخرجين على إنجاز أعمالهم بسرعة فائقة،

إلا أن الجناحي يعتبر أن المجهود الذي كان يبذل في الماضي صنع منه فنانا حقيقيا، وعندما عاد الفنان سعيد النعيمي من أميركا دارسا للإخراج والمونتاج، عملا سويا محكمة الفن في الإذاعة، وكان لمعرفة النعيمي بالمونتاج أثر كبير في اخراج هذا البرنامج بشكل جيد.

وعندما عمل الجناحي في الفن لم يكن يهمه الدخل المادي الذي يحصل عليه، فلم يكن للفن عائد مادي يستطيع أن يعتمد عليه في اعالة أسرته، فعلى سبيل المثال كان أجر النجم في مسلسل كامل حوالي 6 آلاف درهم، وفي مسرحية كاملة بالبروفات حوالي أربعة آلاف درهم

ولم يكن التلفزيون أفضل حالاً حتى تم تحديد الأجر في الساعة 3 آلاف درهم، وكان الفنانون وقتها يقدمون فنهم بحب دون انتظار المقابل المادي، بل انهم أحيانا كانوا يصرفون من جيوبهم على المشروبات والطعام عندما يتأخرون في العمل.

ماكديت في شحفان

ومن اقدم الأعمال التي قدمها الجناحي للتلفزيون ومازال يعيد التلفزيون بثه مسلسل (شحفان ) الذي قدم فيه شخصيه ماكديت، وهو من الأعمال التي نالت شهرة كبيرة في الإمارات ودول الخليج وكان من تمثيله وسلطان الشاعر في شخصية شحفان والكراني،

ومحمد راشد ومحمد ياسين وسعيد بن عصفان ورزيقة الطارش وريحانة التمري ومريم أحمد وعادل احمد وكانت القصة موضوع الحلقة لسلطان الشاعر والسيناريو والحوار للجناحي، وبلغت عدد حلقات المسلسل 37 حلقة تتابع في أحداثها في اطار كوميدي هادف.

من منا لا يعرف تنوع الشخصيات التي قام بأدائها الجناحي سواء في الأمارات والسعودية والكويت وقطر والأردن، ومن منا لا يتذكر له على سبيل المثال لا الحصر حريم بوهلال، الشقيقان، بوناصر وعياله، أيام الصبر، أحلام السنين،

سيف نشوان، صقر الجبل، آن الاوان، القضاة في الاسلام، البيوت اسرار، الوريث، غزو الليث، دمعة على الرمال، مناقصة زواج، دارت الايام، بن شحتوت، اوراق سجينة، ايام الشتات، جواهر شمس القوايل، حاير طاير، والكثير من الاعمال.

والجناحي الذي دخل الفن صدفة، احب الفن وعشقه حتى النخاع وهو احد الرواد الذين بدأوا وأسسوا للحركة الفنية ومازال يعطي حتى يومنا هذا دون انقطاع، بل ويسعى باستمرار للتواجد على الساحة الفنية وذلك لانه لا يستطيع ان يعيش يوما بعيدا عن الفن الذي يقول انه ربما يشعر بالزهق من اولاده احيانا الا انه لا يستطيع ابدا ان يشعر بالضجر.

والفنان محمد الجناحي الذي جعل الفن عائلته كان يأخذ اولاده الاربعة إلى التلفزيون ليقوموا ببعض الادوار الفنية معه حيث لم يكن وقتها اقبال من احد للمشاركة في تلك الاعمال فوجد في اولاده حلا للمشكلة التي قد تواجههم في عدم وجود من يقومون بتلك الادوار، الا ان واحدا منهم فقط احب الفن مثل والده وهو نواف وهو ممثل ومصور وسينمائي درس فنون السينما في اميركا.

قدرة تمثيلية منفردة

يقول الفنان الدكتور حبيب غلوم عندما دخلت مجال الفن عام 79م، شعرت انه هناك خصال كثيرة تجمعني مع الفنان محمد الجناحي، خاصة انه في تلك الفترة كان كثير الاهتمام بنفسه، واعتقد اننا نتشابه سويا في بعض الملامح، وكان هو من الرواد الذين علمونا فن التمثيل، فهو مجتهد يسعي دائما إلى اتقان دوره وتطوير نفسه من ان إلى اخر،

وقد اقتربت منه كثيرا كمخرج متميز في اذاعة ابوظبي، ويعد مرجعا في الفن نعود اليه كقدرة تمثيلية منفردة، ولحبه ونشاطه في التمثيل حتى يومنا هذا نجده مطلوبا فلا يخلو عمل منه تواجده فيه، وقد عملنا سويا في اخر اربع مسرحيات قدمتها،

وهو طاقه ابداعية من الرعيل الأول لفناني الإمارات، ومن الاسماء التي بدأت واسست لتاريخ الحركة الفنية في الإمارات ومازال عطاؤها مستمرا حتى اليوم، فقد تقاعس الكثير منهم وفضل الانسحاب الا هو فقد واصل عطاءه بحب لفن التمثيل.

ويعد الجناحي بلا منافس اول سفير فني لنا على مستوى الخليج والدول العربية حيث كان اول فنان لدينا تعامل مع القطاع الخاص وشارك في العديد من الاعمال الدرامية، وهو بالنسبة لنا المثال والقدوة، فهو وبعد هذا العمر الطويل في مجال الفن لم يشعر يوما بالكسل ورغب في الانزواء، بل على العكس فهو دائما يسعي لتأكيد حضوره على الساحة الفنية، وهو حقا قيمة فنية كبيرة مهما قلنا عنه لن نوفيه حقه.

روح المعلم

ويؤكد الفنان ابراهيم سالم ان الجناحي هو احد النجوم الكبار الذين يجب ان يحتذى بهم في الإمارات، وقد بدأت معرفته به في الثمانينات عندما بدا حياته الفنية في المسرح قائلا، اتذكر مقولة الفنان محمد الجسمي عن الجناحي حيث كان يردد دائما (طموحنا ان نصل اليه ونسلم عليه)، نعم لقد تعلمنا على يده الكثير،

كيفيه نطق الجملة الاذاعية، الاهتمام بالشخصية ودراستها جيدا على الورق قبل ادائها، وعندما كنا نذهب اليه في غرفة الكونترول في الاذاعة كان يعلمنا الاخراج ولا يبخل علينا بإعطائنا كافه المعلومات التي نسأل او لانسأل عنها، وقد تتلمذت على يده فاخرجت عده اعمال اذاعية،

وهو اكبرنا سنا وعلما ونجومية وعلينا ان نعترف جميعا بانه استاذ الفنانين في دولة الإمارات، وهو يقوم بدور الموجه لصغار الفنانين ويعطيهم من خبرته، واذا اخطأ احدهم في اداء جمله فهو يعيد دورة ثانية معه، رغم التعب الذي قد يحل به، لم نره يوما متكبرا و متصنعا بل تتسم شخصيته بالبساطة والتفاني في العمل،

والعطاء اللامحدود في العمل، فهو يمتلك روح المعلم الذي يقع على عاتقه تعليم الآخرين، فأنا واحد من الناس الذين استفادوا منه كثيرا في مجال الفن، ونحن نعتبره رسولنا في الوطن العربي، حيث قدم الصورة الجميلة للفنان الإماراتي.

ويضيف الفنان ابراهيم سالم لقد تعاونت معه في مسلسل الاعتراف للاذاعة في التسعينات، وقدمنا سويا مسلسل آخر زمن في شهر رمضان الماضي، ودائما اتنافس معه في من يأتي اولا إلى البروفات المسرحية (الواقع طبق الاصل)، والحقيقه انني مهما حاولت ان اذهب مبكرا أجده وقد سبقني، رغم انه ياتي من ابوظبي، وهو حقيقة فنان ملتزم يراجع دوره مع نفسه ثم مع الفنانين.

أحد أعمدة الفن

اما الفنانة هدى الخطيب فهي تقول عن الجناحي انه احد اعمدة الفن في الإمارات، وتضيف انها تعرفت عليه عندما حضر لها احدى مسرحياتها عام 1969، وكان مبهورا بأدائها وقال لها (كنت عظيمة) ولم تصدق نفسها حينذاك، حيث جاء الاستحسان من استاذ الفنانين،

وكثيرا تلتقي هدى مع الجناحي من خلال الاعمال الدرامية والمشاركة في المهرجانات، وتعتبره الاب الروحي لجميع الفنانين في الإمارات، ومن اهم صفاته انه عادل لا يتنازل عن كلمة الحق ويقولها دون خوف ولايتوانى عن نصرة الحق، بجانب خبرته الكبيره في مجال الفن، وتلقائيته المميزة في الاداء، وقدرته الفائقه على تجسيد الادوار التي يمثلها وكأنها مرسومة له.

ويحب الجناحي اداء هدى الخطيب الغنائي خاصة الاغاني التراثية القديمة، وتقول عنه انه مرجع حقيقي للتراث، كما انه يتمتع بخفة الظل وسرعة البديهة. وللفنانة هدى عتاب كبير على الصحف المحلية حيث عدم اهتمامها بالفنان الإماراتي بل وتجاهلها له وتركيزها على الفنانين في الوطن العربي او ضيوف المهرجانات.

وقال الفنان أحمد الجسمي على الجناحي بانه فنان ملتزم بمعنى الكلمة، مشيرا إلى انه (الجسمي) عندما عمل في مجال الانتاج عرف معنى الالتزام في العمل، وكيف ان الفنان الملتزم لا يسبب خسائر للمخرج الذي يعمل معه، فهو مثالي في الحضور والتجهيز لنفسه وترتيب ادواته، والتحضير للدور امام الكاميرا، فمحمد الجناحي يأتي من ابوظبي إلى رأس الخيمة قبل نصف ساعة من بدء العمل، وربما يتأخر الفنانون الذين يسكنون بالقرب من مكان العمل.

وهو يتعامل مع فنه بشكل راق جدا، فمثلا هو لا يلقي أبدا بأوراق النص بل يحافظ عليها جميعا عنده، وتجده في موقع العمل يدرس نصه جيدا ويعلم على بعض الجمل بالقلم، فهو بحق تركيبة فنية فريدة من نوعها، ولديه ميزة يعرفها كل الفنانين،

ان له نس كافيه خاصا به يقوم هو بخلطه بطريقة معينة، وعندما يأتي إلى موقع العمل نطلب منه ان نشرب معه النسكافيه الخاص به، واهم ميزة في الجناحي والتي نعرفها عنه انه عندما يغضب او يزعل نقول له نكتة، يذهب كدره سريعا وكأن شيئا لم يكن.

ملك الإذاعة

يضيف الجسمي وعن نفسي كمنتج استفاد كثيرا عندما يعمل الجناحي معي، فهو ليس ممثلا فقط، بل يأخذ النص ويقرأه ويضع الملاحظات، ويعطيها للمخرج والمنتج، ويعدل على النص، وهو بحق ملك الاذاعة التي أثراها بفنه، واخراجه وتأليفه،

فهو صاحب خبرة طويلة اتت عبر سنوات من الجهد والعمل والاجتهاد، وتعجبني كثيرا صفاته كانسان فهو رجل كبير بداخله طفل صغير، له علاقة عجيبة في صداقة الطيور والحمام بشكل خاص، وهو يربي في منزله الكثير منها، بل انه يخاطبهم ويفهمونه، واحيانا يتشاجر معهم وهكذا.

وتقول الفنانة فاطمة الحوسني، هو أستاذنا ووالدنا في نفس الوقت، فنحن ندين له بأشياء كثيرة علمها لنا في عالم الفن، وهو فنان قدير يعرف جيدا ان الفنان يجب ان يكون القدوة والمثال الذي يحتذي به، وكثيرا يرشحني للقيام بأدوار في المسلسلات، وهذا يسعدني لأنه يتعامل معي بطريقة راقية.

إيمان قنديل