أخذت المرأة دوراً متميزا ورائداَ في الحياة الاجتماعية والسياسية، وتحولت من صورتها المغيبة إلى الصورة الفاعلة والمؤثرة في صميم البنى الاجتماعية، عبر العديد من النقلات النوعية ومن خلال الجدارة التي أثبتتها المرأة في المجتمع الإماراتي وتمايزها في حقول العمل والقدرة على الابتكار.
وشيخة محمد سعيد الملا المهيري، إحدى السيدات اللواتي عملن في ميادين مختلفة من البحث التنموي والأبحاث الاجتماعية والسياسية والإنسانية، ومشاركتها في العديد من المؤتمرات والندوات في العالم العربي وفي أوروبا عبر أوراق نقدية وبحثية تبحث في صميم الإشكاليات المتعلقة بالمرأة وهي الإماراتية الوحيدة المتخصصة في الجندر(النوع الاجتماعي) ورائدة في مجال رياض الأطفال.
وإحدى المرشحات للمجلس الوطني، تحمل في جعبتها الكثير من هموم التغيير المتعلقة بالمرأة وبالحياة الاجتماعية العامة. وللاطلاع على بعض الظلال التي ساهمت بتكوين شخصيتها وبلورت هاجسها الثقافي والإنساني كان لمرايا البيان هذا الحوار.
بكلمات هادئة وأزمان عادت بها إلى أدراج الطفولة البعيدة والخطى الأولى التي ابتدأت فيها مسيرتها في التعلم والبحث والمتابعة، حيث درست في أول روضة أطفال أجنبية (English speaking school) ثم تابعت مسيرتها التعليمية في مدرسة عائشة الحكومية إلى جانب الدراسة في لبنان في مدرسة (الشويفات) الصيفية، بعد ذلك درست التسويق في جامعة أوريغان لتعود فيما بعد إلى جامعة الإمارات لمتابعة تحصيلها العلمي.
والدها كان وزير مواصلات سابق وكان له تأثير كبير على تكوين شخصيتها، وتعتبر شيخة أنها تدين لوالدها بالكثير من القيم والمفاهيم التي تحملها. تقول: استطاع والدي أن يؤسس لنا مكتبة كبيرة شكلت منهلاً حقيقياً ومصدراً غنياً للمعرفة، بالإضافة إلى اصطحابنا في العديد من الرحلات العلمية وزيارة المتاحف، وقد علمنا الوالد كيف نعتمد على أنفسنا وفي طفولتنا حين كنا نذهب إليه في مشكلة ما كان يجيب على الفور: لا أملك الحل!،
ومن هنا نمت لدينا الشخصية المستقلة وروح المبادرة، كما أنني استخدمت فيما بعد نفس هذا الأسلوب في تربية أولادي الذين أفخر بهم جداً فأولادي متميزون وناجحون في حياتهم العملية والاجتماعية، ويتقنون اللغات العربية الإنجليزية والفرنسية والألمانية وبعضهم يتقن الإيطالية بدل الألمانية.
وتجد الملا أن سر النجاح هو في تفويض السلطة، حيث استخدمت هذا الأسلوب في مركز تطوير رياض الأطفال في دبي والتي تديره. وتتابع.. عملت مع اليونيسيف منذ تأسيس الرياض ضمن برنامج الخليج الذي يديره الأمير طلال منذ عام 1994 فاستطاعوا أن يغيروا في التسميات والمناهج والبيئة الصفية، فتم الاعتماد على منهاج التعليم الذاتي حيث يعلم الطفل نفسه بنفسه في فترات محددة حسب نموه
وهنالك فترة منظمة تديرها المعلمة والفترة الحرة تستغرق حوالي ساعة يترك فيها الطفل كي يتحرك ويكتشف، وتضيف: عملنا مع الأهل وأشركناهم مع المعلمين في العملية التربوية، فمركزنا يخدم دبي والشارقة وعجمان وأم القيوين وكانت الملا قد تحصلت على بكالوريوس تربية رياض أطفال وماجستير من جامعة القاهرة ورسالة الماجستير كانت عبارة عن كيفية العلاج بالسايكو دراما.
المشاركات السياسية
وعن المشاركات السياسية للمرأة والدور الذي تحاول القيام به تقول: من بعض المشاركات التي قمت بها في هذا الميدان، وقت أرسلتني السفارة البريطانية إلى لندن لتقديم كورس عن المشاركات السياسية للمرأة، ثم اختارني الاتحاد النسائي في أبوظبي لتقديم ورقة عن مشاركات المرأة السياسية في القاهرة، ثم عملت على تقرير منظمة المرأة العربية في مصر عن تعليم الفتاة في دولة الإمارات
وناقشت مشاكل التعليم من تسرب الفتيات، التعليم المستمر، محو الأمية، ثم عملت لاتفاقية السيداو لصالح وزارة الخارجية التي وقعت عام 1979 ونفذت 1981 وهي عن أشكال التمييز ضد المرأة. في تقرير الظل كنت متطوعة وعملت على مسودة قانون الأحوال الشخصية مع الاتحاد النسائي. وشاركت في مؤتمر تارا في البحرين والمؤتمر العالمي الثاني للطفولة المبكرة في أثينا.
وتقول إنها عملت مع مؤسسة في لندن تهتم بالمهجرين وطالبي اللجوء وأن هذا كله مهد لها في الدخول إلى تجربة الانتخابات، وترى بأن قضية المشاركة السياسية تحتل مساحة كبيرة في أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وعلى جميع المستويات العالمي والعربي والمحلي،
ومع الانفتاح الثقافي الذي يشهده العالم أصبح من الصعب على أي نظام سياسي في العالم ديمقراطيا كان أو غير ديمقراطي أن يعزل شعبه عن الحركات الفكرية التي تدعو إلى المساواة في الحقوق والواجبات وسيادة النظام الديمقراطي الذي يلعب فيه الفرد دوراً على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي،
أي أن يساهم الفرد عن طريق مشاركته المجتمعية في مختلف القطاعات وأن واقع البيئة السياسية في دولة الإمارات يتكون من خمس هيئات تمارس الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية حيث تتكون السلطات الاتحادية العامة من المجلس الأعلى للاتحاد، رئيس الاتحاد ونائبه، مجلس الوزراء الاتحادي، المجلس الوطني الاتحادي والقضاء الاتحادي.
وتعتبر الملا أنه منذ قيام الدولة ازداد الاهتمام بالمرأة وكثر الحديث عن ضرورة مشاركتها وإسهامها في العملية التنموية التي تقوم بها الدول، إلا أن العمل السياسي البحت يتطلب من المرأة الكثير من الجهد والوقت والتفرغ والوعي بكل المسائل القانونية في الدولة وبكل مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، وفي أكثر من تصريح للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه، وقرينته سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام أكدا على أنه لا يوجد ما يعيق المرأة في الإمارات من أن تكون سفيرة
أو وزيرة أو أن تشارك في الحياة السياسية ما دامت متسلحة بالعلم والوعي الكافي والقدرة على تحمل مسؤولية القرارات التي ستتخذها في موقع صنع القرار، وأن الدستور في أحد مواده يؤكد على أن باب الوظائف العليا مفتوح للجميع ولا تفريق بينهم بأي شكل من الأشكال.
وبالتالي فإن القيادة السياسية توفر الدعم الكبير للمرأة كي تستطيع تحقيق أعلى الدرجات الوظيفية، ولتساهم في مختلف مجالات العمل في الدولة وأن ما يعيق المشاركة السياسية للمرأة ينبع من أسباب تتعلق بالحياة المجتمعية بثقافتها وعاداتها وتقاليدها من جهة، ومدى استعدادها لأخذ زمام المبادرة في هذا المجال من جهة أخرى.
الجندر وصورة المرأة
أما فيما يتعلق بأبحاثها ومفاهيمها عن الجندر (النوع الاجتماعي)، فترى أن المفهوم يعني العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس اجتماعي وسياسي وثقافي، أي تلك الاختلافات التي صنعها البشر عبر تاريخهم الطويل لذلك نجد أنه على الرغم من أن المرأة هي المرأة والرجل هو الرجل في كل مكان في العالم إلا أن الوضع الاجتماعي لكل منهما يختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى آخر وحتى داخل المكان الواحد
وفي نفس الزمن هناك اختلافات وربما داخل الأسرة الواحدة فالمرأة المتعلمة مثلاً يكون لها وضع اجتماعي أفضل من الأمية ويكفي أن تفكر امرأة في وضعها إذا ما عاد المجتمع مائة عام إلى الوراء فسوف تكتشف أن تطلعها للتعلم جريمة لا تغتفر ولكن مع تطور المجتمعات باتت هذه الأمور مقبولة نسبياً.
وترى بأن المشكلة هي في الاعتقاد بأن قدرات المرأة أقل من قدرات الرجل من الناحية الاجتماعية والسياسية والثقافية والذهنية وهو الاعتقاد الذي كان سبباً في أن تكون مكانة المرأة الاجتماعية أدنى من مكانة الرجل وهذا التمييز بين الرجل والمرأة هو ما يعبر عنه مفهوم النوع الاجتماعي.
المشكلة ليست في قدرات المرأة وإنما في عدم المساواة بينها وبين الرجل وهذه المشكلة اجتماعية وثقافية وسياسية وبالتالي يمكننا العمل على تغييرها ولن يكون ذلك إلا من خلال الاعتراف بأن هناك ظلما واقعا على المرأة ثم العمل الدؤوب على رفع هذا الظلم ولا شك إن الوعي بهذه المشكلة كان قد نشأ منذ زمن طويل بفضل رائدات نسائيات دافعن عن وجودهن ومشاركتهن في الحياة العامة وصادفتهن صعاباً شديدة
ودخلن معارك حاسمة وفتحن الباب أمام تطور المرأة ورقيها وترى بأن إدراك مفهوم النوع الاجتماعي (الجندر) يشكل العنصر الرئيسي في فهم الكيفية التي توفر فيها أعمال التنمية والإعلام على الرجال والنساء. فمفهوم النوع الاجتماعي لا يشير إلى النساء أو إلى الرجال ولكن إلى العلاقة بينهما وإلى الطرق التي تتشكل عبرها هذه العلاقة في المجتمع.
وعلاقات النوع الاجتماعي في مجتمع ما تتحد بإطار أو مضمون ذلك المجتمع وغالباً ما تتغير استجابة لتغييرات وتبدلات في ظروفه الاقتصادية والسياسية يكشف التحليل الجندري أدوار وعلاقات الرجال والنساء في المجتمع، ومظاهر عدم المساواة في تلك العلاقات.
وتخلص إلى أن قلة الانتباه الي حاجات النساء في العملية التنموية عموماً تنشأ من النقص في الوعي الجندري لدى اولئك الذي يخططون وينفذون المشاريع الانمائية بشكل عام. فالجماعة التي يستهدفها المشروع يجري التعامل معها في معظم الأحيان كمجموعة غير متمايزة من الناس دون إدراك حاجات النساء الخاصة.
لا تتعلق التنمية في العالم الثالث بزيادة الانتاجية والانعاش الاجتماعي فقط. بالرغم من أهمية هذا الأمور. فالتنمية تتصل أيضاً بتلبية حاجات أولئك الذين يعيشون في أشد حالات الضيق والشدة والعوز. كما تدور حول زيادة المشاركة، وتحقق المساواة والعدالة. لذلك تهتم التنمية أيضاً بتمكين النساء من تحمل مسؤولية حياتهم، والنجاة من رقعة الفقر الذي لا يتسق ونقص الانتاجية، بل هو من مفرزات الاضطهاد والاستغلال.
إسماعيل الرفاعي


