البحر هو الغواية الأكبر التي شدت الناس في مختلف الأزمان، وهو الدرب الذي سلكه لاكتشاف الأرض. الآنية التي لا تنضب والشجرة التي لا تكف عن الثمار، والفضاء الذي لا حد له.. هيبته وجبروته وعطاؤه، مرايا يحاول الإنسان أن يتمرأى بها،
وأمثلة يحاول أن يتشبه بها.. إنه الواحة التي تغسل القلوب والأرواح.. مرّ به الكثيرون، وغاب فيه الكثيرون لكن أحداً لم يفترق عن الرائحة التي تتخلل المسام وتستوطن الأوردة مشكلة ما يسمى بذروة الخلاص. في البحار والأنهار ثمة شباك تغوص لتخرج بعض مكنوناتها وأسماكها في غمار البحث عن لقمة العيش وتأمين الرزق، فالبحر سلة الفقراء والأغنياء.. ثروة لا تتناقص وغور لا يسبر.
ومن المهن التي عرفها الناس في دولة الإمارات والتي لا يزال الكثيرون يمارسونها جامعين بين المتعة والبحث عن الرزق، فقد عرفوا العديد من أدوات الصيد وأنواع القوارب والتي استخدموها منذ أزمنة قديمة في رحلات الصيد والغوص، ومنها القوارب العاملة التي تصنع من الألواح الخشبية
وتكون مدببة المقدمة والمؤخرة وتستعمل للصيد بالسنار، والشباك ومنها الشاحوف الذي يتراوح طوله بين 12 - 22 قدماً. ويستعمل للصيد بالسنار. شباك اليل، الشباك الخيشومية ومنها قوارب الهوري التي تصنع بتجويف جذوع الأشجار الكبيرة وتستعمل في المياه المحمية داخل الخيران والخلجان.
وتستخدم قوارب الهوري للصيد بالسنار، وشباك الطرح والقراقير (الفخاخ) الصغيرة والشباك الخيشومية، وشباك الشرك، وشباك الجر الشاطئية الصغيرة الحجم. بالإضافة إلى الطرادات التي تستخدم للصيد في الأماكن الساحلية والأماكن قليلة العمق.
واللنشات والقوارب التي تسشير بمحركات الديزل أما بالنسبة لوسائل الصيد فأهمها الشباك الخيشومية الهائمة والدائرية والثابتة والشباك السينية الشاطئية (اليل) والشباك السينية والقراقير والسنار. وتختلف الشباك الخيشومية بعضها عن بعض من حيث طريقة الاستعمال بشكل رئيسي إما لسعة عيون الشباك وسمك الخيط فقد تتنوع حسب نوع الأسماك التي سيتم صيدها وطبيعة المنطقة التي يتم فيها الصيد.
وفي حديث عن البحر ورجاله التقينا محمود علي أبو القاسم في مجلس الصيادين في الجميرة الذي يضم العديد من الوجوه التي مسحها البحر بميسمه الخاص، وشكل بعض قسماتهم التي تجمع بين الجبروت والليونة وبين البساطة والعمق..
ولد في جزيرة طنب حين لم يكن من أعمال سوى أعمال البحر، وقت كان الصيد في أوسع نشاطاته في حين قل الآن كثيراً كما يقول، ذلك أن الحياة اختلفت ومصادر الرزق تعددت إلا أنه لا يستطيع سبيلاً خارج البحر، ويرى أن المشكلة الآن الجميع يرتاد البحر الذي يفهمه والذي لا يفهمه، حتى أصبح السماك ضائعاً في هذا الوقت، لم يدرس ولم يتعلم القراءة ولا الكتابة، وليس لديه شهادة ميلاد لكنه تعلم لغة البحر جيدا أسراره وحكاياه مواسم صيده وأنواع السفن والأسماك. ثم عاد إلى دبي.
الكنعد والقرقور
كثيرة هي ذكريات البحر يقول، فحياتي أمضيتها هناك، تعرضنا للكثير من الصعاب والتيارات الهوائية والمائية، وكنا نذهب أول الفجر في بحث عن لقمة العيش وعن صيد يضمن لنا كفاف يومنا، منذ الطفولة كنا نذهب البحر بمتعة كبيرة نلعب ونلهو ونمرح، ثم تحول المرح إلى وسيلة للعيش فركبنا أهواله، ودخلنا في عراك وخصام معه، ثم تصالحنا في الأيام التي يصفو بها ويجود بما لديه من أنواع السمك، وكان أغلب الصيد يتم بالصنارة، القرقور،الصفير، الدوباية (القرقور الكبير).
وراح يسرد بعض أنواع الأسماك التي كان يصطادها مثل سمك فرادة، شعري، هامور، فرش، نيم، فسكر، كوفر، كنعد، جش، يب، يولان، خباط، القرفة، النيسرة، اليريور، أبو طريف، الحي، اللحاي، السياف، السوس، النوام، اللخم، الجفعان، العنفوز، الشيواص، اليما، سولي،البزيمية، الاميعز، النقرور، الحمرا، البايا(الهوامير الكبار)، السبطي، القابطة، احمسة، شماهي، الحول، سبن، مياحة، العومة، روبيان، نغر...
سمّن شنينو، يقول كان أغلى أنوع السمك هوالكنعد والزبيدي(البياح)، الجشة، وكنا نصيد الكنعد والخباط فقط في أيام الشتاء وفي أيام القيظ نصيد الشعري والهامور، والآن لدي طراد اسميته فتح، أمضي به للصيد واستخدم القرقور حيث أبحر مسافة ثلاثين ميلاً باتجاه الغرب أضع القرقور وأعود، وأرد إليه بعد ثلاثة أو أربعة أيام.. أما في الصنارة فأني أصيد يومياً (الشعري) وأذهب به إلى سوق السمك في دبي حيث أبيع بمعدل 300إلى 400 درهم.
الصقر والتلواح
ومن أنواع الأسماك ورحلاته اليومية بطراده «فتح» إلى حديث الصقور وكيفية صيدها راح يحدثنا أبو قاسم خصوصاً أن مهنة صيد الصقور شائعة وعريقة في الإمارات وأساليب صيدها متعددة وكثيرة ومنها : النقل وهو استخدام الشرياص بعد أن تقطب أجفان عينيه ويربط بخيط قوي ويعلق في أرجله جلد وريش طير وشبك صغير لكي يبدو وكأنه يحمل صيدا. فيطير الشرياص حتى إذا كان في المنطقة صقر ينقض عليه وعلى الريش التي فيها الشبك الذي يطبق على أصابع الصقور
ومن طرق صيد الصقر المشهورة الصيد بالحمام، وهي طريقة لم تكن معروفة بالماضي عرفها صيادو الصقور والطيور الجارحة حديثا وخاصة بعد انتشار الشباك المصنوعة من خيوط النايلون المتينة الرفيعة ذات العيون الصغيرة نوعا ما والتي تكون بحجم الحمامة فقط وتعتمد هذه الطريقة على صيد الصقر بطير حمام ملتف جسمه بالشبكة ما عدا أجنحته ورجليه وتكون الشبكة مربوطة بخيط نايلون طويل إلي عقدة وتدية في الأرض قريبة من مخبأ الصياد أو في يده،
وإذا كان الصقر الذي تم صيده يتميز بشيء من الهدوء يفحص جفناه فإذا تبين فيهما موضع لغرز فذلك يعني أنه سبق صيده وتقطيبه عينيه ويكون قد أفلت من صاحبه. وعند الوصول للمخيم يربط الصقر من رجليه بالسبوق ويوضع فوق قاعدة محشوة بالقطن أو فوق مكان لين ككيس مليء بالرمل ليهدأ روعه وحتى لا يؤذي نفسه.
في حين يذكر أبو القاسم أيام القنص على دور الشيخ راشد، ويقول ان الشيوخ كانوا سابقاً يرسلون العرب للصيد، وكنا نذهب لصيد الصقور في 15 /9 ونعود في 15 /11 والصقور التي كنا نصطادها كانت نوعين (الحر والشاهين) وكنا نصيد التبع القرموشة والكري وهو نفس الصقر يستطيع اصطياد الكروان لكنه لايستطيع اصطياد الحباري، كنا نعمل حفرة تحت الأرض ونعمل (علية) ونبقى منذ مطلع الفجر داخل الحفرة التي نضع فوقها الجريد،
حيث نعمل يونية تغطي على الجريد، فوقها قروط وثقوب صغيرة، ولدينا البدوار(صقر صغير) يجر وارءه ال(تلواح) الصغير من ريش البط يروح في السبعين- ثمانين باعاً ويأخذ عشر دقائق، وعندما يراه الصقر يتبعه، حينها نستدرجه وننسف عليه الشباك التي تكون مموهة عند الأرض في الطرف الثاني.
ويقول ان مهنة القنص تناقصت الآن ويذكر أنه اصطاد أحراراً وشواهين وباع منها ب10 آلاف درهم، و 20 ألفا وحتى ب50 ألفا ويضيف.. كنا نذهب إلى باكستان وإيران وإلى طنب الكبرى، للصيد وفي حياة راشد كان يأتي إلى زعبيل ويأخذ الصقور التي نتمكن من صيدها، أو أن بعض الشيوخ كانوا يرسلون مندوبين عنهم لاستلام الصقور.
ويذكر بأن والده من علمه صيد البر والبحر وأساليبه وأن هناك عدة أنواع من الشباك شبك للبدوار شبك للحمام العادي شبك للحمام الصغار. طرق صيد الصقور متنوعة ولها مسميات عدة فهناك طريقة الكوخ وهي ذات الطريقة التي ذكرها أبو القاسم، فهي عبارة عن حفرة مغطاة بسعف النخيل أو ما شابهه ويدخل بها الصياد الذي يسمى بالطاروح،
ولا بد من وجود فتحات ليتمكن من خلالها رؤية الشباك المحيطة بالكوخ من خلالها، ويستخدم غالباً في هذه الطريقة طائر يسمى الشريص ويوضع في كفه قليل من الريش على هيئة فريسة شريطة أن يكون الشرياص مربوطاً بخيط طويل ليتمكن من الطيران عالياً،
وذلك حتى يراه الصقر ويندفع نحوه، فعندما يرى الشريص الصقر يرجع إلى مكانه، وعندها يقوم الصياد (الطاروح) بسحب خيط الحمامة الموجودة مسبقاً كي يراها الصقر فينقض عليها وعندما ينشغل في أكلها يسحبها الصياد باتجاه الشبكة المنصوبة وبذلك يتم اصطياده.
وهنالك طريقة الشبكة الأرضية العرضية، حيث توضع في حالة رؤية الصقر وتكون عكس الهواء، وهي عبارة عن عمودين ينصبان، بينهما مسافة معقولة تثبت الشبكة عليها وتوضع الحمامة في مقدمتها فيأتي الصقر طالبا الفريسة فيقع بها.
بالإضافة إلى طريقة النقل وهي عبارة عن مجموعة ريش ويوضع بداخله نوع من الشباك الخفيفة وتوضع في كف طير جارح ويفضل بأن يكون صغير الحجم مثل الوكري أو ما شابهه، وتكون عيناه شبه مغطتين ليتمكن من الارتفاع عالياً فتراه الطيور الأخرى وتعتقد أن بحوزته فريسة فتنقض عليه لتمسك بالريش الذي بداخله الشباك فتصطاده.
إسماعيل الرفاعي



