ها هو صفر آخر يضاف إلى قائمة الأصفار التي باتت تجنيها الأوساط المصرية في كل مجال في هذا الزمان، وبساط آخر ينسحب من تحت الأقدام، وغياب إرادي لصناعة سينمائية كانت ـ حتى وقت قريب ـ ملء العين والقلب، حيث خرجت السينما المصرية من مسابقات مهرجان دبي السينمائي الدولي «خالية الوفاض». ولم يفز لها أي فيلم من أفلامها المتنافسة، ولم يشفع لها حضور عدد كبير من نجومها في فعاليتها.
في كل الأحوال: لا ينبغي لأحد أن يلوم غيره، ولا عزاء للسينما المصرية التي لا مفر أمامها سوى أن تفيق من غيبوبتها، وتستوعب الدرس بأن التاريخ وحده لا يكفي، وأن الاعتزاز بأصل السينما لن يجدي، وأن ذائقة لجان التحكيم في مسابقات المهرجانات السينمائية لا يمكن السيطرة عليها إلا بأفلام تفرض ذاتها ومضمونها وحداثة صورتها.
فما الذي يمكن أن تفعله إدارة أي مهرجان سينمائي في الدنيا سوى أن تقوم بواجبها النموذجي ـ مثلما فعلت إدارة مهرجان دبي السينمائي، وتحضر أفلاماً ذات قيمة فنية وتمثل مدارس سينمائية حديثة، واتجاهات مبتكرة لفن الإبداع السينمائي ليراها الجميع، ويتعلم منها الكل على حد سواء، لقد تابعت ورأيت ـ بأم عيني ـ وفود تونس والمغرب ـ الذين حصدوا الجوائز ـ يتسابقون لمشاهدة الأفلام جميعها في كل دار عرض بدبي، ويدرسون تفاصيل كل مشهد جديد، ويناقشون كل زاوية كاميرا ابتكرها مخرج غريب في وقت كان نجم مصري يدخل معركة لفظية حادة بسبب المطعم الذي لم ينتظر «سعادته» كي يتناول إفطاره في الثانية بعد الظهر.
إنه الزيف والكبرياء لم أشاهد فناناً مصرياً من المشاركين يحضر مؤتمراً أو يجلس مناقشاً جمهوراً جديداً في توجهاته وأفكاره، أو حتى يحول رصد إلى أين وصل منافسوه، فيما لم تفتهم سهرة بليل، ولا تسجيل محطة، ولا صورة مع معجبة، أغلبهم جاء للمتعة ـ ليس أكثر.
يملؤهم غرور التاريخ.. وأوهام المجد الزائف في سوق محلي منكفئ على ذاته ولا يخاطب سوى نفسه. إننا نعرف جيداً كيف تتم الطبخة السينمائية المصرية الآن.. بما لا يحقق لها حتى التمثيل المشرف الذي بات أملاً وحلماً.. نصوص جيدة لا تجد طريقها للظهور بسبب الشللية التي تحيط بكل نجم تصنع له تركيبته التي تلائم قدراته المحدودة..
وتجار افيهات تبنى على أفكارهم سيناريوهات الأفلام لا العكس.. وشركات إنتاج لا تخلف خططاً ولا تعرف أصولاً سينمائية.. ونجوم اصطادتهم أحلام الشهرة والسهرات الحمراء والدخان الأزرق.. وجمهور يضحك على الجميع حيث يرفع فجأة ممثلين إلى السماء وينزل بآخرين إلى الأرض.
هكذا يبدو المشهد السينمائي المعاصر إلا قليلاً من بعض الاستثناءات باختصار تحول الشريط السينمائي المصري الجميل والمبدع ـ على يد صناع السينما المصرية حالياً إلى طبخة مكررة لا تسر حبيباً وترضي أكثر من متربص في لجان التحكيم، تستفزه ادعاءات الريادة وأوهام الأصالة.. كل ذلك لا يمكن أن يصنع سينما تنافس وتفوز.. بقدر ما يخلق أجواء مسممة لا ينتج عنها إلا الإحساس بالخجل في وقت يكلل الذهب رؤوس الآخرين.
لقد تيقنت مبكراً ان هذه الأجواء لن تأتي بفوز، وتأكد إحساسي حينما سألت النجمة المصرية الوحيدة المشاركة في لجنة التحكيم ليلى علوي عما ينتظرنا من نتائج أجابتني نظرتها الكسيفة وملامح حزنها العميق على تاريخ يضيع وحاضر يخسر خطواته.. ومستقبل تفتقد فيه الأمان والمكان.
ورغم عدم قناعتي الشخصية بجوائز ذهبت إلى غير مستحقيها خاصة في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، إلا أن حزني البالغ كان على تجارب شباب مصرية شاركت في الأفلام القصيرة لم تحصل على الجوائز هذه المرة رغم حصولها عليها في مهرجانات عالمية أخرى.. نأمل أن تكون هذه التجارب هي الأمل.. بدلاً من انتظار «صفر جديد».
سعد سلطان
