منذ ربع قرن تقريبا عندما أتت بولا عسكري بصحبه زوجها من لبنان لتستقر في الامارات، وجدت أنها قد بعدت كثيرا عن الوطن الأم الذي عاشت فيه أجمل سنوات الطفولة والصبا، فبدأت تنقب عن كل الأشياء الجميلة التي تمكنها من العودة إلى أحلى الذكريات.
وكانت كلما ذهبت إلى مكان لاحظت الغلبة التامة لتدرجات ألوان الصحراء والشمس علي البيئة الاماراتية بأكملها، ورغم هذا الجمال الآخاذ الذي يلون البيئة، إلا أنها شعرت بحنين واشتياق إلى كل الألوان المبهجة التي تمنحها شعورا بالسعادة والمرح والانطلاق، وتجعلها تتحدى هيمنة اللون الواحد بإبداع آخر حتى إذا كان ذلك من تصميمها هي. وبالفعل قررت تحويل منزلها إلى لوحة تشكيلية ترسمها بنفسها وعلى ذوقها الخاص وبشكل يروق لها، وبجانب عشقها للتاريخ والفنون التي أبدعتها الحضارات المختلفة في العالم تولدت لديها هواية أخرى وهي ارتياد بلدان العالم بحثا عن أندر القطع الفنية من الأثاث والأنتيكات من خلال الأسواق والمزادات، وتضمها إلى منزلها الذي تحول حاليا إلى أشبه بالمتحف المصغر .
والاهتمام بكافة التفاصيل الجمالية لمنزلها وحرصها على أن يضم منزلها أفخم قطع الأثاث الكلاسيكي من إبداعات القرنين الثامن والتاسع عشر من الأثاث والتحف، والأنتيكات جعلها لا تهتم كثيرا بالأمور المالية التي تتكلفها جراء حبها لتلك الهواية، فعندما ترى أية قطعة أثاث نادرة فإنها تهرع لشرائها دون أن تفكر في كلفتها أو أين ستضعها في المنزل الذي امتلأ بالأنتيكات.وتؤكد بولا عسكري أن العرب يميلون للطراز الكلاسيكي للقرنين الثامن والتاسع عشر والذي استخدم بقوة في قصور فرنسا وانجلترا، وذلك لأنه يرمز إلى الفخامة والدفء وسلاسة الانتقال البصري من خلال التداخلات اللونية وامتزاج الألوان الدافئة مع الذهبي والعنابي، وهذا الطراز أيضا يعتمد على رسم الأسقف بالموتيفات والزخارف بألوان هادئة لتمنح المكان راحة في الرؤية البصرية مع اعطاء المنزل شخصية متفردة .
فالخشب المحفور والمعتق بدقة متناهية يمنحه التذهيب الانجليزي جمالية تختلف عن الأثاث العادي، حيث نجده يتناغم بلغه جمالية تتلاقى مع كل أركان المنزل التي تتناسق في روحها كسيفونية تتكامل في ألحانها من أجل جمال البيت وفخامته.
وتشير بولا عسكري إلى منزلها قائلة يضم بيتي كما من المجموعات الفنية التي لا مثيل لها في العالم، وتعد بحق تحفا نادرة،اشتريتها على مدي سنوات طويلة، ولكل قطعة منها ذكريات عندي، لأنها تقترن بمرحلة عمرية في حياتي، بجانب تفاصيل القطعة من الناحية التاريخية وكيفية وصولي إليها، وكيف اقتنيتها ؟
فهناك قطع اشتريتها من الأسواق القديمة التي أحرص علي زيارتها في أي بلد أذهب إليه في العالم، وقطع أخرى اشتريتها من المزادات العالمية، وهي أيضا هواية قديمة عندي تتجدد دائما، والحقيقة يعد أثاث منزلي قيمة فنية لا يمكن تقديرها ماديا، فحتى التفاصيل الصغيرة من طاولات أو منافض للسجائر أو شمعدانات أو أكواب وغيرها هي بحق أنتيكات تاريخية، ولأنني أهوي جمع التحف النادرة فأثاث منزلي مزيج بين الحضارات الفرنسية والايطالية والانجليزية والايرانية والبجيكية والعربية والاسلامية.
وتعرفنا عسكري عن معني (الأنتيكة) قائلة انها أشياء يبدعها الفنانون والحرفيون، ونشعر عندما نراها بأننا بالفعل مهووسون ومأخوذون بجمالها، وتمر عليها فترة طويلة من الزمن ربما عشرات ومئات السنوات، وبالرغم من ذلك لا تتأثر بل تظل محتفظة بجمالها وجودة صنعها، فهي أصيلة وباقية مهما حصل، وهناك الكثيرون من يهون اقتناء التحف، ويعرفون جيدا كيف يقيمون ثمنها من حيث قيمتها التاريخية والفنية.
وقد تكون الأنتيك عبارة عن سجاجيد أو صناديق خشبية أو تماثيل أو سيوف وخناجر، أو اكسسوارات أو غيرها، وتوضع تلك الأنتيكات دائما في صالات الاستقبال وفي الأماكن الظاهرة من أجل التباهي باقتنائها، فهي من الأشياء الثمينة والنادرة، واغلب الأنتيكات تأتي من دول شرق آسيا وإيران وتركيا.
حب من أول نظرة
وتؤكد بولا عسكري أنها عندما تزور بلدا ما فإنها تتجه مباشرة للأماكن التي يمكن خلالها شراء ما يروق لها من أثاث وتحف، أن قلبها يتعلق أولا بالقطعة التي تراها ومن ثم تقوم بشرائها علي الفور وهذا يكلفها كثيرا خاصة في التغليف وطريقه الشحن بالطائرة .
وتضيف انه تعود فخامة الأثاث الفرنسي إلى تأثير الموروث الثقافي والاجتماعي الذي تعود جذوره إلى ما قبل العصور الوسطى من عصر لويس الثالث عشر إلى عصر لويس السادس عشر، ففي عصر الأول انتشرت كراسي بكراسي الشيزلونج المريحة، ووحود الخيرزان بكثرة في الأثاث واستخدم الحفر الهولندي على الخشب الذي يتم تطعيمه بالأصداف وقواقع السلاحف، أما لويس الرابع عشر فكانت قصوره من أبهى القصور في أوروبا.
وهذا يعود إلى اهتمامه بكافة أنواع الفنون وقد استعان بأهم الفنانين لتأثيث وزخرفة قصور فرساي وفي عصره انتشر الفوتيه وهو كرسي مريح بأذرع طويلة وتعددت أنواع المناضد وقد شاع استخدام الشيفونيه والكومود وكانت أهم الأخشاب المستعملة الجوز والأبنوز واللوز.
كما أنه أستخدم الزخارف العربية، واتجه طراز لويس الخامس عشر نحو فنيين وهو الركوكور الروتيني وفي آخر عصره اتجه نحو الفن الكلاسيكي بمبادئه وزخارفه الرصينة وقد استخدم خشب الورد والخشب الملكي وخشب الجميز والخزامي والماهجوني واشتهر بالخزائن مثل الكونصول والصوان ودولاب الزاوية .
وامتاز عصر لويس السادس عشر والملكة ماري انطوانيت بجانب كبير من الذوق الفني حيث اهتما كثيرا بالفنانين وقد بذلا جهدا كبيرا في اضافة لمسات مختلفة على جميع قطع الأثاث السابقة، من حيث الشكل والزخارف وقد اقتبست من الحياة الريفية كالنباتات وسنابل القمح والزهور والفواكه والحيوانات.
ثراء السجاد الإيراني
وتتحدث عسكري عن السجاد العجمي قائلة، انه ازدهر في الفترة الكلاسيكية في القرن السادس عشر ويعد من رموز الإبداع الذي قدمته الأيدي الايرانية وقد استطاعت بعض الدول مثل الصين وتركيا والهند، الا أن للسجاد الإيراني وضعا مختلفا حيث انه مرآة تجسد عليها ثقافة الأقوام الايرانية وتراثهم وما يتناقلونه من حكايات وأساطير عبر تجسيدها في لوحات فنية تعتبر آية في الإبداع، ومن أهم مميزات هذا السجاد أنه لا يستهلك بالاستعمال بل يزداد جمالاً ويعمر مئات السنين.
وتشير بولا عسكري إلى أنها تمتلك مجموعة من التحف النادرة من عصر السلاجقة قائلة منذ نهاية القرن التاسع عشر جذبت الفنون الاسلامية اهتمام المتخصصين في هذا المجال، وقد اقترن الفن الإسلامي بحياة القصور وأبهة الأمراء وحياة الشعر والأدب ولعب فيه الخط العربي دوراً بارزاً وانتشرت الأنسجة النفيسة والزخارف الشديدة الجمال والخزف، والسجاد والأطباق النحاسية والزجاج والقطع الخشبية والعاج.
وتعاني عسكري من تحول منزلها إلى شبه متحف ولم يعد لديها اي مكان لوضع المزيد، كذلك فهي لا تعرف كيف تقوم بصيانة وترميم تلك التحف التي تتطلب عناية خاصة كل فترة يقوم بها فقط الخبراء في هذا المجال، وفي نفس الوقت لا تستطيع التوقف عن هوايتها في اقتناء كل ما هو نادر ونفيس في عالم الأثاث والتحف والأنتيكات.
إيمان قنديل


