لم يكن يوما يحب السفر، ولم يشغل باله كثيرا بأن يجوب العالم لاستكشافه، إلا أنه حدث له ما غير رؤيته في هذا الجانب، وجعل له فلسفة خاصة إذ بدأ يجوب البلدان بحثا عنها، ليجدها في الطبيعة والإنسان الشعبي والبسيط والريفي والبدوي في كل مكان، ورغم سفراته المتعددة إلى 51 دوله، إلا أنه يعشق ويميل بشكل جارف إلى وجهة بعينها، تشعل حنينه المتواصل،
ويشعر خلالها بمتعه تفوق الوصف، ولا يهدأ له بال إلا بعد أن يتجول داخلها ويدور في طرقاتها وحواريها، ويرى متاحفها وقلاعها، ويتعرف على ناسها، وفي كل مرة يكتشف أنه لم يشبع منها بعد، بل مازال يرغب في أن يتجدد لقاؤه بها، فكل مرة يبحر فيها يكتشف أن بها أسرارا مازالت لم تبح بها بعد، فهي متجددة على الدوام، ولا عجب في ذلك فسفرته والتي يذهب إليها شهريا هي مجلته (أسفار) التي يرأس تحريرها وتصدر شهريا. وصادف شهر أكتوبر الماضي مرور 6 سنوات على صدور العدد الأول للمجلة، فخلال رحلاته الماضية رأى وقابل الكثير وتعلم أكثر وتنقل هنا وهناك واستمتع بمشاهدات متعددة وثقافات مختلفة ولغات ربما لم نسمع عنها من قبل ، فقد حلم إبراهيم الذهلي بها يوما، وتمنى أن يستطيع إصدار مجله سياحية متخصصة في صناعه السياحة، ووجد في حلمه قيمة جديدة وشيئا جديدا وتحديا لتكون مجلة (أسفار) إضافة جديدة للصحافة الإماراتية والعربية، وألا يكون مقلدا يحاكي تجارب من سبقوه وحقق الحلم بالإصرار والجهد والعمل المتواصل.
الهند ورحلة التناقضات: ويعود بنا إبراهيم الذهلي إلى حوالى 30 سنه مضت ويتذكر رحلته بصحبة والديه وإخوانه إلى الهند وكانت المرة الأولى التي يسافر فيها خارج الوطن، ورغم تكرار رحلاته إلى الهند والتي بلغت 27 مرة إلا أنه مازال يختزن في ذاكرته الصور والمشاهد التي رآها في المرة الأولى ولم يستطع نسيانها، وكما يقول التناقض هو السمة التي لونت ذاكرتي عن تلك الرحلة، ورغم سني إلا أنني تمتعت بعين ناقدة، فهناك وفي نفس الشارع شاهدت الفقراء يعيشون بلا مأوى يسكنون الحديقة في منتصف الشارع ويمارسون حياتهم بشكل طبيعي وكأنهم في مساكنهم الخاصة، وفي نفس الشارع وعلى مقربة منهم شاهدت قصور مهراجات تمثل قمة الثراء، واحتفظت في ذاكرتي بمشهد عالم أو ربما طبيب أو مهندس نال أعلى درجات العلم إلا أنه يقف بخضوع ليفسح الطريق للبقرة التي يقدسها، وكنت أتعجب كيف لأمثال هؤلاء رغم ما وصلوا إليه من علم أن يؤمنون بهذا الاعتقاد السائد ؟
وشاهدت الهندوسي يحرق جثة احد الأموات، في نفس الوقت شاهدت المسلم يدفن ميتا حسب الشريعة الإسلامية، وهذا جعلني أتعجب من تعايش الأديان وتعدد اللغات في الهند، وأعجبني جمال الطبيعة والكم الهائل من الاخضرار الذي يكسو الأرض وهطول الأمطار الموسمية في شهر يونيو وكأن السماء فتحت أبوابها فجأة فانهمرت الأمطار بشدة ودون توقف. وكانت مصر من أوائل الدول العربية التي زرتها أثناء طفولتي، وتكررت زياراتي لها وسأظل أزورها دائما وباستمرار لمكانتها المميزة في قلبي، وهناك وكما في معظم البلدان العربية التي زرتها أترك الفندق حيث أقيم وأذهب للتجوال في الأحياء الشعبية والريف حيث الأصالة والطيبة والكرم، ومازال الناس على سجيتهم لم تقتحم المدنية الحديثة حياتهم، وتمتع مصر بكل مقومات السياحة من الآثار إلى الشواطئ الجميلة والصحراء والجو المعتل ويمكنها أن تصل إلى مصاف أكبر الدول في استقطاب السياح.
ويشير الذهلي إلى أحب الأماكن إليه في مصر مثل حي الحسين وخان الخليلي، وحواري القاهرة وأحيائها الشعبية، ويتباهى بأنه زار أماكن لا يعرفها المصريون أنفسهم، وتناول طعامه في المطاعم الشعبية حيث الحفاوة بطريقة أهل البلد الذين يمتازون بالطيبة والشهامة، ولف مصر من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، واستمتع بالتعرف على الحضارة المصرية القديمة من خلال المتاحف والمعابد فلم يترك مكانا إلا وذهب إليه، القاهرة، الإسكندرية، مرسى مطروح، الأقصر، أسوان، ، شبه جزيرة سيناء، السويس، الغردقة، القناطر الخيرية وغيرها.
الريف العربي والأوروبي
وعشق الريف الدمشقي في سوريا، واستمتع بالاخضرار الذي يسيطر عليه، وأعجبه الهواء النقي، والطعام الريفي الطازج والخبز المخبوز في الفرن، وفي ليبيا تمتع بالصحراء والتي تعد ملاذاً سياحياً ضخماً في بلادنا العربية ولكن للأسف لم تستغل بعد، باستثناء الإمارات فقد قمنا بهذا العمل وانتبهنا لهذا النوع من السياحة، فالسائح الأوروبي يتمنى أن يرى الشمس والصحراء والرمال التي لا يجدها في بلاده.
كما أعجبته الواحات التونسية، حيث امتزاج الحضارة مع الصحراء، ومن أروع بلدان الوطن العربي لبنان ففي بيروت على سبيل المثال يمكن للزائر أن يشاهد الفصول الأربعة في نفس اليوم، ولمراكش مكانة خاصة في قلبه، فكل ما يأخذه الغرب في أفلامهم عن تراث العرب هو في الأسواق المأمونية والأحياء التراثية، وعشق في اليمن كونها متحفا كبيرا للتراث الإنساني، فأسواق صنعاء تحمل عبق التاريخ ورائحة الماضي العتيق وأجمل ما في الأردن مضارب البدو، وتتشابه جميع دول الخليج التي زارها مع الإمارات في نفس العادات والتقاليد.
والريف الأوروبي أيضا والبعد عن حياه المدن هو ما يبحث عنه الذهلي هناك، ماعدا فرنسا والتي يعتبر باريس متحفا كبيرا، من حيث الفنون والمعمار، إلا أنه يعشق الريف البريطاني والألماني والسويسري، كما انه يرى في تركيا أرثا ثقافيا وإنسانيا، وأعجبته قبرص كثيرا، بل إن معظم بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط والتي تتشابه مع البلدان العربية التي تقع على البحر الأبيض المتوسط.
مناجم الذهب وبؤر الفقر
وفي جنوب إفريقيا زار الذهلي بريتوريا، وأكثر ما لفت انتباهه هناك أنها محاطة من الجانبين بشجرة (الجاكراندا) ذات الزهور البنفسجية التي تميل إلى الزرقة والأغصان الرمادية الخضراء ويقال إن هناك أكثر من 70 ألف شجرة جاكراندا في المدينة، ويبدأ فصل الربيع عندهم من أغسطس إلى نوفمبر، والشتاء القارس في أشهر مايو ويونيو ويوليو، أما الصيف فهو في شهر ديسمبر ويصل ذروة درجه حرارته في يناير أي في الوقت الذي يكون فيه العالم الشمالي متجمدا من البرد.
وهناك زار منتجع (كواتالا جيم رانش) وهو منتجع راق مشيد بأسلوب قبائل الزولو الإفريقية التقليدية وسط محمية طبيعية تعرف بهذا الاسم، وفي تلك المحمية تعيش الحيوانات المتوحشة والطيور وسط سحر الطبيعة الخلابة.
ويضيف الذهلي وزرت منطقة في ضاحية جوهانسبرج والتي يعيش فيها الأغنياء والمشاهير وهم يعيشون في فلل فخمة محاطة بالأسلاك الشائكة المكهربة خشية المجرمين واللصوص، ولا يخرج الأولاد أو النساء في الليل أو النهار دون حراسة، فالأمن الشخصي معدوم هناك وهؤلاء ينفقون ملايين الدولارات على الأمن ولوازم الحراسة وتصفيح السيارات خشية الموت من اجل حفنة دولارات على يد عاطل عن العمل.
وتعد جنوب إفريقيا اكبر منتجع في العالم للذهب والألماس، ويوجد بها 28 منجما مملوكة بالكامل لأميركا وإسرائيل وبريطانيا وليس لحكومة جنوب إفريقيا أو شعبها نصيب على الإطلاق، وان 10% من البيض تمتلك كل ثروات جنوب إفريقيا حتى الآن ونسبة 90% من السكان الأصليين الذين لا يملكون سوى الوظائف الصغيرة والبطالة والفقر والجوع والتشرد.
ومدينه جوهانسبرج التي يعرفها العالم كله تحولت الآن إلى مدينة الأشباح، يسكنها الفقر والبطالة والجريمة فقط، فلم تعد العاصمة الاقتصادية، وهي مدينة خالية من الأعمال، حتى أن كل الأبنية الشاهقة والفنادق الفخمة ومباني البورصة والذهب والألماس الأضخم في العالم خاليه أيضا، لقد غادر أصحاب الأموال إلى غير رجعة فالمدينة تئن تحت وطأة التخلف في الأراضي
وفي الشوارع التي تحولت مرتع للجريمة، إنه غضب الفقراء على الأغنياء، معادلة صعبة أسفرت عن نهاية مدينة عملاقة عرفها العالم بأنها رمز اقتصادي بارز على مدى عقود من الزمن، والجريمة ليست وحدها سبب نزوح أصحاب المليارات والاستثمارات والمشروعات من مدينة إلى مدينة أخرى بل لأن أصحاب الأموال قاموا بتهجير الثروات إلى الغرب بعد انتصار الثورة السوداء عام 1996م، فمدينة جوهانسبرج هي مدينة الأطلال والأشباح والايدز الذي يتجول في شوارعها.
وأشار إبراهيم الذهلي لزيارته لمخيمات البؤس للسود في ضواحي سويتو، وهناك بيوت مصنوعة من الصفيح والأخشاب ورجال لاهثون وراء لقمه العيش، وحياة ترجع إلى العصر الحجري.وزار متحف مانديلا وجزيرة ايلاند روبن الذي كان مسجونا فيها سنوات طويلة.
نياجرا وشكسبير
ويتحدث الذهلي عن رحلته إلى كندا قائلا تعد كندا ثاني اكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وتورنتو عاصمة مقاطعة اونتاريو الشاسعة والمترامية الأطراف، وهي العاصمة الاقتصادية لكندا، وهناك زرت ابرز معالمها السياحية كنهر القديس لورانس حيث الجزر الألف المليئة بالأشجار على طول النهر، ورأيت مدينة كنجستون صاحبة التاريخ الممتد عبر 200 سنة وتجولت في الحي الصيني والحي اليهودي، وتجولت قرب الفلل الفخمة والسوق الشعبي وأحياء الفقراء والمهاجرين.
كما زرت نيوسيتي هول وهي منطقه في قلب المدينة الضخمة، وأستاذ سكاي دوم الجديث وبرج سي إن العملاق والذي يبلغ ارتفاعه حوالى 500 متر. وفي مدينة تورنتو شاهد الذهلي مدينة نياجرا الواقعة على الحدود الأميركية الكندية، وهناك استمتع برؤية شلالات نياجرا وهي اكبر وأجمل شلالات في العالم التي تتدفق مياهها منذ ملايين السنين وتستقطب حوالي 10 ملايين سائح سنويا،
ومن المعروف أن الشاعر الانجليزي الشهير وليام شكسبير عندما شاهدها وقف أمامها وألقى فيها قصيدة اعتبرت من أحدى روائعه فيما بعد، وقد يمكنا إطلاق لقب الأمم المتحدة على كندا بسبب كثرة المهاجرين وتعدد الأعراق والثقافات والأصول، وتنصهر في قوميتها عشرات القوميات والأطياف العرقية الوافدة بقصد الهجرة الدائمة بحثا عن حياة أفضل.
الساحل الذهبي
ويتحدث إبراهيم الذهلي عن رحلته إلى استراليا قائلا، توجهت مع عائلتي إلى هناك لقضاء عطلة الصيف، وكانت وجهتي إلى ولاية كوينزلاند شمال شرق استراليا، وهي المحطة المثالية لمن يرغبون في استكشاف جوهر استراليا، وهي ثاني اكبر الولايات الأسترالية من حيث المساحة والثالثة من حيث تعداد السكان وفيها يقع جولد كوست أو الساحل الذهبي الشهير على بعد ساعة إلى الجنوب من مدينة بريسين عاصمة الولاية.
وتتمتع استراليا بالعديد من المقومات السياحية فهي تتميز بشعب ودود يتمتع بروح الصداقة والمحبة الحقيقية للآخرين إلى جانب المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية التي تبيع السلع والمنتجات العربية والمطاعم التي تقدم الأكل الحلال.
وأكثر ما أعجبني هناك هو قدرتهم على اختلاق أحداث وأماكن سياحية من لاشيء على سبيل المثال الرحلات للمزارع الأسترالية لمشاهدة حياة أهل الريف ورعاة الغنم، ونشاهد هناك كيف يقصون أصواف الخراف، وكيف يستخدمون الكلاب في الرعي وحراسة الماشية والأغنام،
وكيف يربون النحل، ومثلا رحلات الفواكه حيث يتم قطف الفواكه وتحويلها إلى عصائر وحلويات وزيارات بحرية لمشاهدة الحيتان وزيارات لأماكن حرائق الغابات، وزيارات لأماكن الببغاوات حيث يقدمون المربي للسياح لتقديمها للبغاء وما هي إلا لحظات حتى تجد الطيور تقف على رأسك وعلى يدك، وزيارات لمشاهدة حيوان الكانجارو وحيوان الكوالا حيث يمكن اللعب معها ومشاهدتها على الطبيعة في بيئتها الأصلية.
مدينه الساموراي
ويقول الذهلي إنه في زيارته لليابان وجد أن لها طعما خاصا، فهي قلعة الصناعة والتكنولوجيا في العالم وهم شعب يحرص كثيرا على احترام العمل والدقة والتنظيم في كل نواحي الحياة، وهناك زرت طوكيو العاصمة، ومدينه ناجويا المشهورة بلقب مدينة السيارات كونها المقر الرئيسي لشركه تويوتا، وتمتاز المدينة بالتمازج بين القديم والحديث،
وإلى جانب مراكز التسوق الحديثة، ومعبد استونا جينجو، وهي المدينة التي عاش فيها محاربو الساموراي، وعلى الرغم من أن الطقس خلال الفترة الممتدة بين يونيو وأغسطس يتسم بارتفاع الحرارة والرطوبة، فإن موسم الصيف يمتاز بسهولة الحصول على غرف فندقية ولا يعاني من الازدحام الشديد الذي يميز باقي الفنادق في باقي شهور السنة، ويتسم الشتاء ببرودته الشديدة، وتتفتح الزهور في فصل الربيع والذي يعد الفصل الأنسب لزيارة اليابان مع فصل الخريف.
وزار الذهلي الصين حيث الحضارة والتاريخ العريق، وشاهد وتسلق سور الصين العظيم، إلا أنه في الصين واليابان لم يعجبه الأكل هناك وقضى أيامه بتناول البسكويت ، فهناك مشكلة حقيقية تواجه العرب الذين يزورون الصين فهم يأكلون كل شيء يطير فهم يأكلون الصراصير المملحة وغير المملحة، والديدان والسلاحف والثعابين وهكذا.
وتردد الذهلي على بلدان كثيرة مثل ماليزيا وسنغافورة وتايلاند وروسيا، وبعض ولايات الولايات المتحدة الأميركية مثل كاليفورنيا ولاس فيجاس ، ولم تعد رحلاته مجرد نزهات ترفيهية إنما يشارك في معارض السياحة والسفر وبلدان كثيرة زارها ولا مجال لذكرها في هذا الحوار حيث ضيق المساحة، ويحرص الذهلي على اصطحاب زوجته وأولاده الستة في كثير من رحلاته،
كما أنه يحرص على الاحتفاظ بأشياء تذكارية من البلد التي زارها كبطاقات الهاتف، ومفاتيح الغرف وتذاكر الطيران، وبعض الأنتيكات والتحف، وهو يستمتع أيضا بركوب القطارات والمترو ووسائل النقل العامة حيث ذهب في رحله بالقطار من لندن إلى فرنسا وسويسرا وألمانيا وركب البواخر في رحلات جنوب أوروبا، واهم ما يحرص على حمله في حقيبة سفره بجانب ملابسه سجادة الصلاة والبوصلة، والكاميرا من اجل تصوير كل المشاهد التي تروق له.
إيمان قنديل



