بخطوات ثابتة انطلقت لتحقق في غضون فترة قصيرة شهرة على الساحة الفنية، فهي ممثلة موهوبة شاركت في أعمال عدة كمساعدة مخرج وفني صوت قبل الوقوف على خشبة المسرح، وهي فنانة مثقفة وقارئة مهمة للأعمال الأدبية بحكم دراستها وتخصصها، فقد حصلت على ليسانس في الأدب الفارسي واستطاعت أن توظف دراستها وتستفيد منها عند اختيارها للنصوص. عشقت الفنانة أشجان الفن منذ صغرها، فتقلبت على ظروف عاندتها في بداياتها فاستطاعت المشاركة في أعمال مسرحية تلفزيونية وإذاعية وسينمائية عديدة، وأضافت شخصية «أم علاوي» في المسلسل الكرتوني «الفريج»، بعداً إلى شهرتها.
البدايات تتبلور في إيران: عن ولعها بالفن منذ أن كانت طفلة تقول أشجان: لا أريد أن أصنع لنفسي تاريخاً وأقول ما يقوله كل فنان عن نفسه وطفولته، ويرجع نجوميته لطفولته الخلاقة المبدعة، فقد كنت كغيري من الأطفال في المدرسة، حركتنا كثيرة ونأتي بأشياء جميلة تنال إعجاب الكبار، شاركت في الأنشطة ووقفت على خشبة المسرح في المناسبات والجولات التي كانت تقام، والفارق الوحيد بيني وبين أقراني أنني كنت عاشقة للفن والتمثيل أكثر منهم.. كنت أتابع الأفلام السينمائية والدراما التلفزيونية، وأقلد النجم أمام الأولاد الصغار، وكنت أتحدث في بيتنا عن النجومية التي سأحققها عندما أكبر، كان الأهل يضحكون، وأولاد عمومتي يسخرون مني ويقولون إنني سأصبح زوجة لا أكثر مثل جميع البنات، لربما كانت هذه الأحاديث الساخرة تدفعني للتمسك بأحلامي وأسعى لتحقيقها بكل ما لدي من إصرار وعزيمة،
وانتظرت كثيراً إلى أن أنهيت دراستي الثانوية وذهبت إلى إيران لألتحق بإحدى جامعاتها وأتخصص في دراسة الأدب الفارسي، وبعد أن تعمقت في قراءة المؤلفات التاريخية القديمة واطلعت أيضاً على الأدب العالمي الذي كان من ضمن المقرر، شعرت بأنني لم أذهب بعيداً عن الفن، فرحت أبحث عن مشاركات فنية إلى أن اختارني أحد المخرجين المسرحيين في إيران لأداء دور في مسرحية بعنوان «عيناها بلون البحر»، وقد اكتشفت قدراتي الحقيقية في هذا العمل الذي أعتبره أول عمل حقيقي أقدمه، أحببت الفن أكثر بعد هذا الدور، لكنني فضلت أن أعمل كمساعد مخرج حتى أتعرف وأفهم خبايا المسرح بعين المخرج، وهكذا عملت في أعمال عدة كمساعدة مخرج وفني صوت، كما شاركت أيضاً في فيلم سينمائي كممثلة.
عدت من إيران وأنا أحمل ليسانس في الأدب الفارسي، ومحملة بتجربة ثرية في التمثيل والإخراج وتقنيات الصوت، عدت إلى الإمارات، تسوقني أحلام وردية بتحقيق حلمي الفني، توجهت إلى مسارح الدولة حاملة شهاداتي وخبراتي، لكنني كنت أصطدم بإجابة واحدة.. «اتركي رقم هاتفك وسوف نتصل بك»، لم أكن أبحث عن وظيفة حتى أعامل على هذا النحو من أناس يفترض فيهم فهمهم للفن، لكنني لم أيأس أبداً، وازداد إصراري لأن أثبت أنني فنانة لديها موهبة وقدرة على الإبداع على خشبة المسرح، ومكثت على هذا الحال إلى أن طلبني المخرج محمد شيخ الزور لأن أشارك معه في عمل موجه للأطفال، كنت مساعدة له في الإخراج إضافة إلى عملي كفنية صوت، وعرض هذا العمل في عدة أماكن ونال استحساناً من الجمهور،
إلى أن جاء عرضنا على مسرح المجمع الثقافي، وفي هذا المسرح كان المكان المخصص لفني الصوت وسط الجمهور على خلاف المتعارف عليه، كأن الجمهور ينظر إلي باستغراب كوني فتاة وتعمل في هذا المجال، وأثناء العرض اقترب مني علاء النعيمي وهو يعرض علي المشاركة في عمل مسرحي، ورحبت بالفكرة شريطة أن أقرأ النص أولاً،
وقتها لم تكن لدي أية شروط أخرى، وإلى الآن أنا يعنيني في المقام الأول النص، أما الأمور الأخرى فهي قابلة للأخذ والرد، والمهم أنني وجدت في نص مسرحية «عيناهما» للكاتب صالح كرامة ضالتي التي أبحث عنها، كنا نعمل لفترات طويلة لنحفظ أدوارنا، ونجرب البروفات حتى لو كنا جالسين في مطعم، الحق أنني تقمصت دوري بامتياز،
ولا أخفي أن هذا الدور كان متماهياً مع شخصيتي في الحياة، وفيه الكثير مما أعاني منه، فتألقت وقدمت دوراً أعتز به حتى الآن، لدرجة أنني لم أستطع الخروج من حالة الشخصية إلا بعد ستة أشهر من انتهاء العروض التي بدأت في أيام الشارقة المسرحية، ثم عرضنا على عدة مسارح في الدولة، وخرجنا بعد ذلك لنعرضها في مهرجان عمّان بالأردن،
وفي كل مرة تعرض فيها المسرحية أشعر بطعم النجاح وحسن استقبال الجمهور لنا، لكن فيما يخصني فقد كان المهنئون بالنجاح مشغولين بمعرفة هذا الوجه الجديد أكثر من حرصهم على التهنئة، ومن بينهم من ذكرته بأنني أنا نفس الفتاة التي جاءت لتعرّف بنفسها وتركت هاتفها وخبراتها لديه.
مرحلة الانطلاق
انتهى الحديث عن التجربة الأولى في مسرحية «عيناها»، لتبدأ عينا أشجان باللمعان زهواً بذلك النجاح الذي فتح أمامها أبواب الانطلاق، حيث تلقت ثلاثة عروض دفعة واحدة للمشاركة في مسرحيات، تقول: بعد نجاح مسرحية «عيناها» لم أصدق في العام التالي كم الأعمال التي عرضت علي، لكنني اخترت من بينها ثلاث مسرحيات، الأولى بعنوان «الفارس» مع جابر نغموش وقدمناها على مسرح العين الشعبي، والثانية «أمام بوابات الأقصى» مع الفنان الكبير أحمد الجسمي وسيف الغانم وعائشة عبدالرحمن، إخراج قاسم محمد،
أما العمل الثالث فكان بعنوان« قرار اللجنة» لعبدالله صالح ولكنه لم يعرض، ومنذ ذلك الوقت أصبحت أوفق أكثر في اختيار النصوص، وأرى أن من حق الممثل أن يوازن بين مساحة الدور ومضمونه ليحقق العدالة الصعبة من حيث الكم والكيف، مع مراعاة أن مساحة الدور في الأعمال التلفزيونية تختلف تماماً عنها في الأدوار المسرحية من حيث الظهور على خشبة المسرح،
وعلى هذا النحو جاءت اختياراتي المتتالية للنصوص، حيث قدمت ثلاثة أعمال في وقت واحد، الأول كان بعنوان «الجياد» في مسرح كلباء من إخراج عبدالله المناعي، والثاني بعنوان «مساء للحب» في مسرح الفجيرة، وعمل للأطفال بعنوان «الغزال والثعلب المكّار» لصابر رجب.
وتلتقط أشجان أنفاسها مستعرضة تجربتها الفنية مؤكدة على أنها كانت نتيجة لإصرارها على النجاح وبمجهودها الذاتي، فليس لأحد عليها فضل فيما وصلت إليه سوى أنها نشيطة وتعتمد على موهبتها، مدللة على ذلك بنوعية الأدوار الصعبة التي مثلتها، وتوجهها إلى الفن أينما كان دون أن تنتمي إلى مسرح بعينه،
وآخر مشاركاتها المسرحية، كان مع مسرح الفجيرة القومي في مسرحية بعنوان «الميزان» إخراج حكيم قاسم، ومع مسرح الشارقة الوطني مسرحية بعنوان «حكايات من أزمة العالم الثالث» لقاسم محمد، ثم مسرحية «ألتقيكم فيما بعد» مع مسرح الشباب القومي بدبي إخراج علاء النعيمي.
من الخشبة إلى الشاشة
لكن تألق أشجان على خشبة المسرح لم يكن كافياً بالنسبة لها لترضى على نفسها، إذ قدمت العديد من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية والسينمائية أيضاً، تقول: قبل أن أشارك في الأعمال المسرحية خضت تجربة الإذاعة وقدمت مسلسل «نويصر عنده مشكلة»، وبعدها قدمت أوبريت من تأليف الشيخة فاطمة عبر إذاعة رأس الخيمة، ومع إذاعة الشارقة قدمت مسلسلا بعنوان «يوميات حميد».
عن أعمالها الدرامية التلفزيونية تقول: لا شك أن مشاركاتي المسرحية وتألقي في أدواري حققت لي انتشاراً لا بأس به، وأصبحت وجهاً مطلوباً للمشاركة في الأعمال التلفزيونية سواء داخل الدولة أو خارجها، فقد شاركت في مسلسل «رحلة الانتقام» من إنتاج مركز دبي للأعمال الفنية مع مرح جبر وعارف العقيل وجهاد سعد، ومن إخراج جابر ناصر،
ثم شاركت في عمل لتلفزيون الكويت بعنوان «لعبة القدر» مع محمد العجمي وفرح العلي ومن إخراج حسين المفيدي، ثم قدمت عملاً لتلفزيون عمان بعنوان «أيام الندم» مع سعود الدرمكي وفخرية خميس ومن إخراج عبدالله بن حيدر، وشاركت في مسلسل «أمواج هادئة» لتلفزيون الشارقة مع أحمد الأنصاري وعبدالله صالح وحنان عبدالجليل ومن إخراج حسن أبوشعيرة،
وشاركت في الجزء الثالث من حلقات «حاير طاير» مع جابر نغموش وإخراج عبدالله البلوشي، ثم قدمت مسلسل «جنون المال» لتلفزيون سما دبي مع أحمد الجسمي وفاطمة الحوسني وإخراج عبدالخالق الغانم، وشاركت في حلقات «آخر زمان» لتلفزيون أبوظبي مع أحمد الأنصاري ومحمد إبراهيم فراشة وعبدالله أبو عامر ومن إخراج بسام عبدالحميد، وأخيراً قدمت مسلسل «الفريج» لتلفزيون دبي، وهو أول مسلسل كرتوني إماراتي،
ولعبت فيه دور «أم علاوي» المثقفة، وهذا المسلسل حقق لي شهرة لم أكن أحلم بها، والمفارقة أن الشهرة جاءت من مسلسل كرتوني عبر أدائي الصوتي، مقارنة بظهوري على الشاشة في أعمال تلفزيونية كثيرة، وأنا سعيدة بهذا النجاح للمسلسل لأنه يؤكد على أهمية الأداء وتقمص الأدوار بعيداً عن أية عوامل أخرى.
أرشيف أشجان الفني غني بالمشاركات التي جاءت في فترة قياسية قصيرة، وبقي من هذه المشاركات وقوفها أمام الكاميرا السينمائية لتقدم عدة أعمال تقول عنها: مع بداية أول دورة لمسابقة أفلام من الإمارات التي يقيمها المجمع الثقافي كل عام، كانت لي مشاركاتي في الأفلام وبدأتها مع المخرج بلال عبدالله حيث قدمت معه فيلم «غروب الشمس»،
ثم «جوهرة» مع الممثلة القديرة مريم سلطان وأخرجه هاني الشيباني، وقدمت بعد ذلك فيلم «سجائر» مع هاني الشيباني كممثل وإخراج محمد الطريفي، وخلال هذه المشاركات حصلت على شهادات تقدير، لكن يبقى فيلم «الفستان» الذي حصل على الجائزة الأولى هو الأهم من بين مشاركاتي السينمائية، وهو من إخراج عبدالله حسن،
وهناك أيضاً فيلم آخر بعنوان «أسرار سارة» مع الممثلة يلدا ومن إخراج جمعة السهلي، وأشير إلى أن هذه الأفلام روائية قصيرة، لكن تبقى تجربتي السينمائية الروائية الطويلة مع المخرج محمد ملص، حيث صورنا فيلماً بعنوان «المهد» ولكنه لم يعرض بعد.
سألتها عمن رفض التعامل معها في البدايات، لكنها اكتفت بقولها «بعض مسارح الدولة»، وسألتها عن رأيهم فيها بعد التألق فاكتفت بإطلاق ابتسامة تنم عن الرضا الذاتي والتصالح مع الآخرين، لكن عدم انتمائها لمسرح أو فرقة بعينها يترك تساؤلات تجيب عليها بقولها: ليس من الصواب أن يحصر الفنان نفسه في نطاق ضيق، فهذا يحد من مساحة الاختيارات المتاحة لديه، وأنا بطبعي أميل إلى الحرية وعدم التقيد بجملة معينة،
لأنني في الأصل لا أدين بالفضل لأحد علي، فلا يوجد من قدم لي يد المعونة وساعدني في بداياتي حتى أدور في فلكه، كذلك هو إيماني بأن الفن رسالة على الفنان أن يقوم بها في أي زمان ومكان بعيداً عن الشروط والإملاءات، والأهم من ذلك أنني متفرغة تماماً للفن، ولم ألتحق بأي عمل مهني حتى الآن، ولا أظن أنني سأفعل ذلك،
ولهذا لا بد وأن تكون مساحة الاختيار أمامي واسعة، ثم ان التعامل مع مسارح مختلفة ومخرجين ومؤلفين مختلفين في وجهات نظرهم، يضفي على الفنان رونقاً خاصاً، حيث تكون الاستفادة أكبر وأكثر، وإذا كان الفنان في فترات سابقة مرتبط بجهات معينة، فإن الأمر لم يعد كذلك الآن، وها أنت تجد المشاركات المختلفة للفنانين والمؤلفين والمخرجين على جميع مسارح الدولة.
وعن أهم الأعمال التي تتمنى المشاركة فيها تقول أشجان: قطعاً أعتز بدوري في مسرحية «عيناها»، لأنني بذلت فيها مجهوداً خرافياً، وأخذت من وقتي الكثير، ناهيك عن أنها تحتل أول ظهور حقيقي لي على مسارح الدولة، وتأتي مسرحية «الميزان» في المرتبة الثانية،
لأن دوري فيها كان يعالج مشاكل المرأة من جميع النواحي، لكنني أيضاً أعتز بجميع الأدوار التي قدمتها باستثناء عمل مسرحي واحد قدمته مجاملة لأحد المخرجين، وبعيداً عن الاعتزاز بالأدوار فأنا أعتبر نفسي أنني عند نقطة الصفر بعد كل عمل أقدمه، وأن أمامي الكثير من الأعمال والطموحات التي لم أحققها بعد، أما وتسألني عن أهمية جمال الفنانة، فأنا لا أعترف بذلك رغم حاجة الممثلة إليه في بعض الأدوار،
أما الأهم من وجهة نظري فهو القدرة على الأداء بشكل احترافي، وأنا قدمت عدة أعمال جعلني الماكياج فيها بشعة وأحياناً كبيرة في السن كما حدث في مسلسل «جنون المال»، وفي مسلسل «أمواج هادئة» حولني الماكياج إلى سمراء لأن زوجي في العمل أسمر،
وأعتقد أن المساحة الفنية في الإمارات تشهد مشاركات عديدة من الفنانات عكس ما كان يحدث في الماضي من ندرة في الكوادر النسائية، لكن تبقى مسألة اختيار الممثلات محكومة بحسابات وأمور كثيرة لا داعي لذكرها، وفي النهاية لا يبقى إلا العمل الجيد والدور الموفّق أمام حكم الجمهور.
وأسأل أشجان عما إذا كانت محظوظة في مسيرتها الفنية، فتقول: لا لست محظوظة، بدليل أنني عانيت كثيراً في البدايات، واجتهدت وتحديت عوامل كثيرة دون مساعدة من أحد، والذي أعرفه أنني أحب الفن، وضحيت من أجله بأشياء كثيرة، وأولها العمل، وآخرها أنني مازلت مؤجلة لفكرة الزواج والارتباط خوفاً من أن يؤثر ذلك على مسيرتي الفنية،
فهل بعد هذا تضحية، عموماً أنا راضية عما قدمته من أعمال، ولست نادمة على التضحيات التي قدمتها من أجل الفن، بل إنني على استعداد لأن أقدم المزيد منها لتحقيق طموحاتي، وبالمناسبة، الآن أذّكر أولاد عمومتي بما كنت أقوله لهم وأنا طفلة وقد كسبت الرهان، أما الأهل فقد ساعدوني وشجعوني كثيراً، لدرجة أن والدي كان يذهب معي أثناء تسجيل حلقات «الفريج» ويضحك مسروراً بأدائي الصوتي.
عزالدين الأسواني



