من يجالسه مستمعاً لأحاديثه يحتاج إلى ساعات طوال يجد في تجربته الحياتية والمهنية ما هو جدير بالتأمل. شخصية تتمتع بذاكرة أرشيفية مليئة بحكايا الطفولة والصبا والشباب والانكباب على التحصيل الدراسي، والتدرج في جهاز وزارة الخارجية حتى بلوغ منصب وكيل الوزارة. وبين ذكريات الطفولة والشباب، يجد المرء نفسه أمام لوحات متنوعة زاخرة بالمفردات المنتقاة في سيرة سيف سعيد بن ساعد السويدي.

في منتصف الأربعينات وفي منطقة الخان بالشارقة ولد سيف سعيد السويدي، كانت الحياة وقتها بسيطة كبساطة الناس في تعاملهم مع الظروف المعيشية ومع بعضهم البعض، والده تاجر لؤلؤ لديه خبرة كبيرة في تجارته وكان كذلك إماماً وخطيب الجامع الكبير في قرية الخان، عن تلك المرحلة يقول سيف: كان أهل القرية وبحكم معيشتهم وسكنهم بالقرب من البحر يمتهنون الصيد والغوص عليها مصدراً وكان الغوص الأهم في ذلك الوقت، وكانت عائلات كثيرة تمارس هذه المهنة أذكر منها عائلة العقروبي، وأولاد بن سفيان وناصر بن غليطة، كما كانت القرية مشهورة بصيد سمك العومة بكميات كبيرة، ولا ينافسها في ذلك إلا أهالي منطقة الجميرا بدبي، وكان الصيادون ينثرون السمك على الأرض في منطقة مخصصة للتجفيف ثم يباع، وعلى هذا المنوال كانت تسير الحياة، أناس طيبون يحرصون على التواصل فيما بينهم وتتجلى ذروة الترابط الاجتماعي في شهر رمضان حيث تلتقي كل مجموعة متجاورة من البيوت على وجبة الإفطار، الرجال على مائدة، والنساء على أخرى.

الاصطياف في البراحة والوحيدة: ومن ذاكرة قوية تتدفق حكايات الطفولة يقول سيف سعيد: كنا نعيش في القرية كعائلة واحدة، نحن الصغار كانت لنا ألعابنا الشعبية الجميلة التي كنا نمارسها مع بعضنا، في الصيف كنا نلعب لعبة المسطاع ونمارس السباحة بصورة أكبر، وفي العطلات نذهب في رحلات صيد الأسماك وإلى جانب هذه الألعاب كنا نلعب بالتيلة، ولعبة الزبوت والترتور، وفي ليالي رمضان المقمرة كانت تنتشر لعبة «عظيم لواح» وعلى قدر بساطة هذه الألعاب مقارنة بما هو موجود الآن، إلا أننا كنا نستمتع بها، ونشعر بفخر خصوصاً بالنسبة للألعاب التي نصنعها بأنفسنا مثل المراكب وعربات الصفيح وغيرها، لكنني لا أنسى ما كان يفعله الكبار في فصل الصيف عندما تنتقل العائلات إلى منطقة البراحة بدبي للمصيف هناك،

وكذلك منطقة الوحيدة، فقد كان الرجال يأخذون على عاتقهم بناء بيوت من سعف النخيل «العريش» ويساعدون بعضهم البعض في ذلك، ثم يأتي دور النساء ليقمن بالتنظيف وترتيب الأغراض المنزلية، وأذكر أيضاً أن كل واحد كان يحفر بئراً خاصاً به في عريشه المقسم إلى غرف وساحة كبيرة، في هذه الأجواء كنا نتابع ما يحدث، لكننا ننشغل أكثر بممارسة ألعابنا، وهنا أتذكر كيف كان السابقون إلى المصيف يساعدون القادمين الجدد، ويجعلوهم في ضيافتهم لمدة ثلاثة أيام إلى أن يجهزوا عريشهم الخاص بهم. وكانت مدرسة الأحمدية بدبي هي محطتي الدراسية الأولى، كنا نسير من الخان إلى الأحمدية مشياً على الأقدام، وبعد انتهاء السنة الدراسية الأولى انتقلت إلى مدرسة القاسمية بالشارقة، وأنهيت فيها دراستي الابتدائية والإعدادية، والحق أنني كنت مقبل على المدرسة والدراسة بشغف كبير، وأول وسيلة مواصلات استخدمتها كانت دراجة هوائية في المرحلة الإعدادية، وعندما خصصت لنا المدرسة حافلة لنقل الطلبة كان الجميع يتسابقون لتكون لهم الأولوية، فقد كان خط سير الحافلة مقسماً إلى مناطق، وعلى طلبة كل منطقة أن يسارعوا ليحجزوا دورهم في أول رحلة.

أحببت التربية الدينية كثيراً وساعدني في ذلك ما حفظته من سور قرآنية على يد المطوع، وكان هاشم بن سيف المدفع هو الذي يدرسنا مادة الدين، أما المواد العلمية فقد استهوتني بدرجة كبيرة إلى جانب مادة الرياضيات، كنت أحصل على درجات بمعدل جيد جداً في هذه المواد، وحصلت على المركز الثالث على مستوى الإمارات في امتحان الشهادة الإعدادية،

وأثناء هذه الفترة الدراسية لم تتغير ألعابنا كثيراً، غير أنها توسعت لتشمل كرة القدم بالإضافة إلى النشاطات المدرسية والمعسكرات الكشفية لتشهد مشاركتي في الأنشطة الثقافية، وظهرت موهبتي في إلقاء الشعر وكتابته، وكنا نقيم مبارزات شعرية بيننا نحن الطلبة، وشاركت في معسكر كشفي في قطر وكنت عضواً بارزاً في الأنشطة الكشفية،

وبعد انتهاء المرحلة الإعدادية التحقت بمدرسة العروبة الثانوية بالشارقة، وتخصصت في القسم الأدبي على غير رغبتي، فقد كنت أفضل القسم العلمي، ولكنه كان في ثانوية دبي فقط، ويجب أن أنوه إلى أن التعليم آنذاك كان تحت إشراف دولة الكويت، ولذلك كانت امتحانات الثانوية العامة تتم في مدرسة الشويخ بالكويت،

وفي عام 1965 حصلت على شهادة الثانوية العامة لأجد نفسي أمام اختيارات صعبة، فقد كنت أود الالتحاق بكلية التجارة، ولكن وجدت نفسي في جامعة الكويت في سنة افتتاحها وقد حولوني إلى كلية الآداب والتربية، ولم تكن كلية التجارة قد أسست فيها بعد، ولم يكن أمامي خيار آخر سوى الدراسة في الجامعات المصرية، لكن، الظروف المادية حالت دون تحقيق هذه الرغبة فرضخت للأمر الواقع وأكملت دراستي في كلية الآداب، وتخصصت في دراسة التاريخ والتربية، وفي عام 1970 تخرجت من الجامعة وعدت إلى الإمارات.

من التربية إلى الخارجية

وتقدمت للعمل في مكتب التربية بدبي والتابع لدولة الكويت، والذي يشرف على التعليم في الإمارات الشمالية قبيل قيام الاتحاد، لكنني لم أوفق، فاتجهت إلى أبوظبي، وتم قبولي في وزارة التربية التابعة لإمارة أبوظبي وكان يرأسها محمد خليفة الكتبي، وعينت مدرساً لمادة التاريخ لمدة عام، تم بعدها ترقيت إلى وكيل ثم إلى ناظر مدرسة، والحق أنني أحببت مهنة التدريس وأفادتني الممارسة العملية أثناء الدراسة الجامعية في عملي بعد ذلك،

وفي تلك الفترة شاركت في لجنة إعداد المناهج، وألفت كتاب «التاريخ الإسلامي» للصف الرابع الابتدائي، وخرجت من تجربة في مجال التعليم بقدرة هائلة على مواجهة الجمهور، وأعطتني ثقة في نفسي وفي قدراتي التعبيرية أثناء الحديث، لكنني أحب أن أعود إلى الوراء قليلاً وأشير إلى أنني عملت في الجمارك أثناء دراستي الثانوية،

في ذلك الوقت قررت حكومة الشارقة الاستعانة ببعض الطلبة للعمل في بعض الدوائر، ووقع علي الاختيار للعمل كنائب لمدير الجمارك البرية بالشارقة، وبعد حصولي على الثانوية عرض علي العمل أيضاً ولكن والدي رفض، ونصحني بإكمال دراستي، وقد كان محقاً في هذا القرار، وهو الذي يمتلك بصيرة نافذة ويعرف أن التعليم هو سلاح المرء في حياته المهنية.

عامان فقط قضاهما سيف سعيد في مجال التعليم، بعدها كانت في انتظاره نقلة نوعية أدخلته إلى عالم السلك الدبلوماسي، يقول: مع بدايات عام 1972 تم استدعائي للمشاركة في دورة لتأهيل الكوادر تمهيداً لإنشاء وزارة الخارجية، كنا مجموعة من حملة المؤهلات الجامعية وحاملي الشهادات الثانوية والإعدادية،

وبعد انتهاء الدورة تم تعييني سكرتيراً ثالثاً اعتباراً من 1/2/1972، وتم إيفادي إلى سفارة الدولة بالقاهرة، وتوليت وقتها مهمة المستشار الثقافي ممثلاً لوزارة التربية والتعليم، ومن وقتها تدرجت في العمل الدبلوماسي وشغلت عدة مناصب وتم تكليفي بمهام عديدة منها مهمة المندوب الدائم في المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالقاهرة،

ومثلت الدولة في مكتب منظمة اليونسكو بالقاهرة، ثم توليت مهمة نائب المندوب الدائم لدى الجامعة العربية أثناء غياب السفير، وكلفت أيضاً بمهام القائم بأعمال سفارة الدولة في القاهرة أثناء غياب السفير، كل هذه المهام كانت في فترة قصيرة من 73 وحتى عام 1975، إلى أن منحت لقب سفير لأشغل منصب سفير فوق العادة ومفوض لدى الجمهورية العربية اليمنية من عام 1975 وحتى عام 1982،

بعدها نقلت إلى ديوان الوزارة، وتم تكليفي بعدة مهام منها مدير إدارة شؤون مجلس التعاون ودول الخليج، والقائم بأعمال وكيل وزارة الخارجية بالوكالة، ورئيس لجنة تعديل قوانين وأنظمة الوزارة، ثم اسند إلي منصب وكيل وزارة الخارجية بالنيابة من عام 1993 وحتى عام 1999، ثم عينت وكيلاً للوزارة من عام 1999 وحتى عام 2004، وتخلل هذه السنوات قيامي بمهام عديدة شاركت فيها في عدة مؤتمرات واجتماعات دولية.

ابني يتحدث 5 لغات وابنتي تتفوق في الفنون

لا أنكر أن حياتي الاجتماعية أصبحت مغلفة بالأجواء الدبلوماسية منذ أن التحقت بالعمل في الوزارة، لكنني استطعت أن أوازن بين عملي ومهامي الوظيفية وبين متطلبات أسرتي، فقد تزوجت في عام 1973، وزوجتي من العائلة وليست غريبة عني، كانت وقتها مقيمة في قطر مع أسرتها، وكانت تدرس في المرحلة الإعدادية، تزوجتها وذهبت معي إلى القاهرة وأكملت هناك دراستها الإعدادية،

وفي صنعاء أكملت دراستها الثانوية والجامعية إلى أن تخرجت من كلية الآداب قسم انجليزي، وهي إنسانة مثقفة وتقدر مهام عملي جيداً، أما أبنائي فهم متفوقون ويسيرون على نهجي تماماً، فارس هو الأكبر وقد أخذ من شخصيتي الكثير، فهو شغوف بالدراسة يشق طريقه بنجاح وتفوق،

فبعد تخرجه من كلية الاقتصاد من جامعة «بوسطن» حصل على ماجستير في دراسات الشرق الأدنى «لغة وآداب عبري» ويجيد أربع لغات أكاديمية هي الانجليزية والفرنسية والبرتغالية والعبرية، وله ميوله الأدبية وتم قبوله في جامعة «هارفرد» ليحضر رسالة الدكتوراه في النقد الأدبي، وميثاء متفوقة وقد تخرجت من كلية الفنون من جامعة «بوسطن» وهي تحضر الماجستير في إدارة الفنون، ويبقى آخر العنقود أحمد، وهو يدرس حالياً في جامعة الشارقة.. إدارة ونظم معلومات.

يحرص سيف سعيد على ممارسة رياضة المشي بصورة منتظمة ولعشقه الشديد للسباحة فهو يمارسها في حوض السباحة في بيته، أما الموسيقى فهو حريص على سماعها والاستمتاع بالأغاني القديمة لأم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، يقول: إذا كنت أحب أم كلثوم فالأسرة كلها تحب أغانيها، ونحن في بيتنا لدينا نظام صوتي مركزي نبث من خلاله هذه الأغاني ليسمعها الجميع أينما كانوا سواء في الغرف أو في صالة الضيوف أو في الساحة الخارجية.

مازلت أشعر أن لدي المزيد لأقدمه للمواطن وللوطن، ودوافعي من وراء الترشيح للمجلس الوطني هي خدمة المواطن ورفع شعار لا للمحسوبيات بل الاستحقاق أولاً، والحمد لله أنا لا أحتاج لمنصب أو شهرة، وإنما أتطلع لقيام مجلس وطني يمتلك صلاحيات لتطبيق التشريعات إلى جانب بعض المقترحات التشريعية لخدمة المواطن في مجالات التعليم والصحة والإسكان، فالمواطن هو محور اهتمامي الأول.

والده من أهل العلم

يقول السفير سالم راشد العقروبي: لعل شهادتي عن الصديق سيف السويدي ستكون مجروحة، فنحن أبناء قرية واحدة لعبنا سوياً ونشأنا في أجواء واحدة، وسيف منذ صغره صاحب علاقات مميزة مع الآخرين، محب للناس وحريص على التواصل معهم، كذلك كان رجلاً وهو طفل، تحمل مسؤوليات قبل الأوان، وهو رجل عصامي بنى نفسه بنفسه،

وكان والده رجلاً من أهل العلم والورع، وقد أخذ سيف عن والده الصفات الحميدة وأولها الكرم، فمجلسه مفتوح دائماً أمام الأهل والأصدقاء والجميع وهو صاحب مسيرة تعليمية مميزة، اشتهر من بين الطلاب بتفوقه والتزامه وحبه للدراسة أكثر من أي شيء آخر،

وعندما تولى مهامه المهنية وجدته إنساناً محباً لعمله ومخلصاً له، يقضي معظم وقته في انجاز المهمات التي يكلف بها، لكنه في الوقت نفسه لا ينسى أهله وأولاده، الذين رباهم أحسن تربية، وسيف معروف عنه حب الفكاهة والمرح، ولكن في أوقاتها، وليس صحيحاً أن الأجواء الدبلوماسية قد أخذت على شخصيته الجدية على طول الخط، فهو قادر على أن يعطي كل مجال حقه،

فساعة العمل تراه جاداً لبقاً يحاور بدبلوماسية شديدة، وساعة التقائه بأصدقائه تجده مرحاً بشوشاً يضفي البهجة على المجلس، وعندما التقيه غالباً ما تدور أحاديثنا حول العمل الدبلوماسي والأمور السياسية التي تهم الجميع، لكننا أيضاً نتحدث في الأمور الاجتماعية والحياتية المتنوعة، وعلاقتي بسيف ليست شخصية فقط، وإنما أسرية أيضاً ودائماً ما نجتمع في إطار عائلي حميم.

تعلم منه عديدون

ويقول السفير عبيد سالم الزعابي في شهادته عن صديق عمره: أعرف الصديق سيف منذ فترة طويلة، عرفته خلالها مثالاً للإنسان الصادق مع نفسه ومع الآخرين، يعشق عمله بدرجة متناهية، وهو أستاذ في مجال عمله، تعلم منه الكثيرون، أما على المستوى الإنساني فهو صاحب علاقات مميزة مع أصدقائه، دائم السؤال عنهم حتى في أوج انشغاله بالعمل،

وهو صاحب ابتسامة لا تفارقه، مرح يحب المناوشات الخفيفة ولكن في حدود اللياقة وفي الأوقات التي يكون فيها بعيداً عن أجواء العمل، فلكل شيء عنده وقت، وعند اللزوم تجده جاداً وحازماً بكل قوة، وأعتقد أنني احتاج لوقت طويل حتى أعطيه حقه، وأمنياتي له بدوام الصحة والعافية ودوام التوفيق والنجاح.

عز الدين الآسواني