بناء على توجيهات صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، اصدر الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المجلس التنفيذى لإمارة أبوظبي قرارا أثلج صدور أبناء مدينة العين كبارا وصغارا وهو القرار الذي يهتم بالمحافظة على احد ابرز معالم مدينة العين،

ويؤكد خصوصية هذا المكان ذا البعد التاريخي والتراثي، وهي مناطق واحات نخيل العين القديمة، والتي تشمل واحة نخيل العين الرئيسة وواحات نخيل القطارة والجيمي وهيلي والمعترض. ونص القرار على انه لايجوز بأي حال تغيير استعمال أراضي النخيل بالواحات ولا يسمح بإقامة اي مبان أو منشات جديدة داخل أراضى النخيل بالواحات أو في حدود الواحات إلا بأوامر سامية وبشروط محددة. كما حظر القرار المساس بالمعالم التراثية أو المباني والمنشات القائمة داخل حدود الواحات، كما ألزم أصحاب النخيل داخل الواحات الاهتمام بنظافة وصحة نخيلهم والعناية بها، وكلف القرار بلدية العين مسؤؤلية تنظيم ومراقبة وإدارة وسقى النخيل بالواحات وفق الأسس المتعارف عليها في تقسيم وتوزيع مياه الافلاج.

تنبع أهمية صدور مثل هذا القرار الضروري والحكيم في الحقيقة، لارتباط واحات العين ومنذ القدم، بوجدان أبناء هذه المدينة، التي أخذت منها اسمها، بل ارتبطت كمكان بوجدان أبناء الإمارات بشكل عام، خاصة الجيل القديم منهم، الذي ارتبط بعلاقة حميمة بها كفضاء انساني كان ومازال مقصدا مفضلا للكثير منهم، وكان شاهدا على مرحلة تاريخية شكلت فيها هذه الواحات موئلا ومجالا للالتقاء والتزاور والتعارف، وقضاء أوقات لا تنسى، لازالت مخلدة في حكايات أبناء ذلك الجيل من الآباء والأجداد ومروياتهم الشفهية وأشعارهم النبطية التي لازالوا يذكرونها ويتداو لونها ويروونها إلى اليوم.

ومازالت شريحة كبيرة منهم حين يتحدثون عن الحياة في الماضي في منطقة العين، فإنهم يعنون الحياة في هذه الواحات في اغلب الأحيان، وذلك لارتباطها بفترة مهمة في حياتهم كونها المدينة التي عاش فيها زايد رحمه الله ردحا طويلا من الزمن، منذ انتقاله إليها في أوائل عام 1946من قصر الحصن في أبوظبي إلى قلعة المويجعى وهي قلعة قديمة تقع عند مشارف العين ممثلا للحاكم في المنطقة الشرقية. كانت حياة زايد، وشخصيته البشوشة المتواضعة، واستقامته، وجوده وكرمه، رغم الإمكانات المحدودة في ذلك الوقت، هي جواز مروره إلى قلوب الناس دون رتوش ودون وسائل دعاية وإعلان تمجها عادة نفس البدوي البسيطة المباشرة، والتي عرف زايد كيف يخاطبها ويتعامل معها بسلاسة لأنها قريبة إلى نفسه وشخصيته.

يشير عوض العرشاني في كتابه حياة زايد إلى أن زايد ظل منذ توليه منصب الحاكم المحلى يبحث باستمرار عن حلول عاجلة وحاسمة لمشاكل الناس. وكان مجلسه تحت شجرته المفضلة في ذلك الوقت خارج القلعة (وقد صورها لحسن الحظ الرحالة البريطاني ولفرد شيجر الذي كان يتردد على ذلك المجلس ونشرها في كتابه الرمال العربية) لا يكاد يخلو من ضيوف وزوار دائمي التردد عليه في مدينة العين من بدو الإمارة أو السعودية أو عمان، ولم يعرف عن زايد اي نقيصة أو تقصير في أداء واجبه نحو الغير.

وكانت أولى خطوات الإصلاح بالاهتمام بالزراعة، وباستصلاح أراضى زراعية جديدة، وصيانة الافلاج التي كان يشارك فيها بنفسه، وإنشاء القنوات التي كانت توصل الماء من الافلاج إلى الواحات، وتطهير تلك الافلاج والقنوات التي كانت هي شرايين الحياة في تلك الواحات، والتي كانت تتعطل الحياة فيها بسبب الإهمال والحروب التي كانت تدور أحيانا بين القبائل في فترات سابقة، وأدت إلى هجرتهم وإهمالهم للزراعة، وقد قام معه بهذا العمل الكبير حسب العرشاني جماعة من قبيلة العوامر.

زايد يجعل السقاية مشاعة حرة

وكان فلج الصاروج الذي استمر العمل به 18 عاما يعتبر من اكبر انجازات زايد في تلك الفترة إبان قيامه بمنصب الحاكم في مدينة العين، وبتوفيره المياه من قلب الجبال التي حملته الافلاج إلى الحقول والبساتين وتلك الواحات. ويذكر المؤرخ كلارنس مان في كتابه البدو وهو يصف الأوضاع في تلك الفترة من تاريخ الواحة، أن الشيخ زايد هو الرجل القوى في منطقة العين وضواحيها،

ومن هنا امتد نفوذه إلى الظفرة، وان البدو يحترمونه، وقد كرس المال القليل الذي توافر لديه للقيام بإصلاحات في منطقة البر يمي. ويرجع إليه فضل بسط نفوذ أبوظبي على البادية ويرشحه كل هذا إلى جانب عدالته وروحه الإصلاحية، وقدرته السياسية إلى أن يكون رجل البلاد المنتظر في إمارة ابوظبي.

ولعل ابرز حدث يمكن رصده في تلك الفترة يتعلق بتاريخ واحات العين، هو وقوف الشيخ زايد آنئذ إلى جانب الحق والانتصاف للفقراء والمستضعفين وقد تمثل في «قضية السقاية»، وكما هو معروف ويذكره اغلب كبار السن ممن عاصروا تلك الفترة، عندما حاول الأغنياء والموسرون النيل من الفقراء، واستغلال أموالهم للسيطرة على ملكية الماء، وفرض نظام مستغل لصالحهم على حساب إجحاف الفقراء.

كان نظام ري المزارع والبساتين يخضع لنظام ملكية الماء، فكان القادرون يسقون أراضيهم خمس مرات في الشهر، بينما لا يحصل الفقير إلا على مرة واحدة خلال عدة أشهر. فاستغل الأغنياء ضائقة الفقراء، وبدأوا يعرضون عليهم شراء حق السقاية الخاصة بهم.

وهكذا حرمت بساتين الفقراء من الماء، وبدأوا في بيع أراضيهم للموسرين وهنا هبط سعر هذه الأراضي بصورة خيالية. وقد اهتم الشيخ زايد حينها بهذه القضية الاجتماعية الخطيرة كما يذكر العرشي، فجمع أصحاب المال والأراضي، وعرض عليهم أن تكون السقاية حرة مشاعة للجميع، وذلك تأسيا بالحديث الشريف «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ».

حينئذ أعلن الشيخ زايد انه قد أباح للفقراء السقاية من حقوقه الخاصة به وبآل نهيان. في نفس الوقت حرم على أصحاب الاراضي الأغنياء المتعنتين استخدام فلج الصاروج الجديد، كنوع من تأكيد العدل لصالح الفقراء. أتى بعدها الأغنياء إلى زايد معلنين موافقتهم على رأيه بأن تكون السقاية حرة ومشاعة بين الناس في منطقة العين وضواحيها.

وقسمت منذ ذلك الوقت السقاية على الأراضي والبساتين التي كانت تحتضنها تلك الواحات بالعدل والمساواة وأصبح الفقير يحصل على كفايته من السقاية كما يحصل الغني.

وكان توزيع المياه في السابق يتم بـ (البادة) التي تكون مدة الواحدة منها 12 ساعة وربع البادة تسمى (الربيع) ومدتها ثلاث ساعات. والربيع ستة أسداس وكان يشرف على كل فلج من تلك الافلاج (عريف) ذو خبرة بقياس الزمن بواسطة الأثر في النهار وبواسطة النجوم في الليل وبتلك القياسات يتم توزيع مياه الافلاج على مزارع النخيل بالتناوب،

كما أن العريف يتولى أيضا بيع (البادات) اي الحصص الاحتياطية المخصصة (للمشاع) من كل فلج بأسعار رمزية تصل إلى 12روبية للبادة الواحدة. وبمردود (المشاع) كان يتم ترميم وصيانة الافلاج قديما إذا مااستدعى الأمر ذلك.

رحلة الصيف إلى المقيض

وبالرجوع قليلا إلى فترة الستينات والسبعينات، حين زارت بعثة مجلة العربي الكويتية واحات العين عامي 1961 و1971، كتب حينها الصحفي سليم زبال موفد المجلة يصف ماكانت عليه العين (المدينة التي أخذت اسمها من إحدى اكبر تلك الواحات) في تلك الأيام، والتي كان قادما إليها من ابوظبي، بادئا من صعوبة الطريق الموصل إليها، والذي وصفه له بعضهم بأنه طريق العذاب... يقول في شهادته عن تلك الأيام..

حاولوا عبثا إقناعنا إن الطريق إلى العين هو طريق العذاب والصعاب،مؤكدين كلامهم بان رحلة الذهاب على ظهور المطايا حسب وصفه،من أبوظبي إلى العين تستغرق ستة أيام بلياليها. وهذه الرحلات من أبوظبي إلى العين كانت تقوم بها العائلات في مطلع صيف كل سنة. فما تكاد بشائر الصيف تلوح حتى تخضع أبوظبي لحالة استنفار شاملة.

في الحقيقة لم تكن فقط أبوظبي وحدها التي تصيبها حالة الاستنفار تلك بل كانت معظم مناطق ماكان يعرف قديما بساحل عمان، أو الساحل المهادن، أو المتصالح، وهى كلها تسميات اغلبها غربي أطلقت حسب وجهة نظر مطلقيها،كان اغلب الاهالى من سكان مدن الساحل تتجه صيفا إلى الدواخل، بما عرف بالمقيض،هربا من حرارة ولهيب الصيف ورطوبة البحر فكانت العين من أهم الأماكن التي يتجه إليها المصطافون في ذلك الحين،لذلك كانت عوائل كثيرة تمتلك نخلاً اي بساتين فيها،

ومنهم من يستأجر من اهالى مدينة العين. كانت بساتين النخيل تلك بظلالها الوارفة، وما توفره مياه الافلاج العذبة من برودة محببة،تكمل المشهد،حيث كانت تستخدم للشرب وسقي المزروعات، ويعمد البعض أحيانا إلى رشها على الملابس طلبا للبرودة. كانت العين تعد من مقايض أو مصايف ذلك الزمان المشهورة، فالآلاف من شباب ورجال مدن السواحل وخاصة أبوظبي يبدأون استعداداتهم للتوجه إلى مغاصات اللؤلؤ، يمضون ثلاثة أشهر في عرض البحر يغوصون في أعماقه بحثا عن اللؤلؤ المنشود.

تبدأ الرحلة إلى المقيض باستئجار المطايا، كل عائلة تستأجر مابين عشرة إلى عشرين جملا لركوب النساء والأطفال وحمل مامعهم من مفروشات ومعدات ومؤن وغذاء. وكانت القافلة تنطلق على الطريق المتعرج الطويل (160كم) تقف خلاله خمس مرات للنوم والمبيت في العراء، منتظرة قافلة من نوع أخر، كانت تلحقها قافلة الأغنام والماعز الخاصة بالعائلة التي تتأخر في السير عن قافلة الجمال.

وعند الوصول إلى العين كان البعض يمتلك مزارع هناك كما ذكرنا تقيم فيها العائلة طوال الأشهر الثلاثة، والبعض الأخر كان يستأجر العرشان الأكواخ من المزارعين، ومعها يستأجر عدة أشجار من أنواع النخيل التي يختارها، كل شجرة كان إيجارها في ذلك الزمان ماقيمته روبيتان،للاستفادة من ثمارها طوال شهور الإقامة في المزرعة. وكان يطلق على جموع المصطافين القادمين إلى العين في تلك الأيام التسمية المحلية الدارجة «الحضار».

وروى المرحوم الوالد عبد الله بن هلال الكويتي الذي عمل لفترة طويلة في مزارع والده في العين، وكان يتولى مسؤولية الإشراف على الافلاج والعناية بها في العين من قبل الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله، للباحث عبد الله عبد الرحمن، أن مزارع النخيل في واحة العين كانت مصدر الدخل الاساسي والأول لإنسان هذه الواحات غنيا كان أم فقيرا وذلك منذ مئات السنين.

فلقد كان الكثيرون من الاهالي يمتلكون المزارع بمعدل مزرعتين إلى ثلاث مزارع للواحد وقد يصل العدد إلى عشر مزارع أيضا، وتضم كل مزرعة مابين 50-150 نخلة مثمرة معطاء. وكان صاحب المزرعة يستعين عادة ببيادير وهي التسمية المحلية للمزارعين وكانوا عادة من المواطنين للعمل على رعاية مزرعته وذلك مقابل عذق تمر واحد عن كل نخلة يختار الكبير منها، بينما يتولى صاحب المزرعة وأبناؤه بقية المطالب والأعمال والمصاريف اللازمة لرعاية مزرعته.

وفى شتاء كل عام كان يقوم بحرث مزرعته بواسطة الثيران ملك الهياسين المواطنين، وكذلك بعمليات التسميد اللازمة. ومع بداية موسم الصيف وحين يرحل اغلب رجال أبوظبي للغوص تبدأ قوافل الجمال المحملة بالأطفال والنساء عوائل أولئك الرجال تصل إلى واحات العين للاصطياف فيها عدة شهور،

ويكون أصحاب المزارع من أبناء العين قد رحلوا للإقامة بين النخيل فتحل العوائل القادمة للاصطياف «الحضار» بين تلك البساتين، حيث يشترك أصحاب المزارع في بناء عشش لهم من سعف النخيل. ويتم تأجير نسبة من أشجار النخيل التي قرروا الإقامة فيها، بل ونسبة من ثمارها، مقابل روبيتين فقط لكل نخلة حسب اختيارهم،أما بقية منتجات بساتين النخيل من الرطب

وكذلك من الليمون فان القوافل من الجمال تقوم بشحنها وإيصالها إلى أسواق أبوظبي ودبي في رحلات تستغرق 14 يوما ذهابا وإيابا بين العين ودبي و12 يوما بين العين وابوظبى، ومن هناك تعود القوافل محملة باحتياجات الاهالى من المؤن المختلفة. كما أن كميات كبيرة أخرى من منتجات النخيل تتحول إلى تمور تحفظ نسبة كبيرة منها للاستهلاك الخاص في بقية شهور السنة وحتى الصيف القادم،

ويتم بيع جزء كبير من التمور للحضار وهم العوائل المصطافة، وتصدر كميات كبيرة منها لاسواق أبوظبي ودبي. لقد تحولت واحات العين مع مرور الأيام، إلى رمز من ابرز رموز ذلك الزمن العذب، و طرزت ذكريات الكثير من أبناء الإمارات بألوان الحنين إلى بساطة وروعة تلك الأيام.

عمار السنجري