يمثل السوق مكوناً أساسياً من مكونات الحياة الاجتماعية والاقتصادية في أية حاضرة يخدمها، وشرياناً حياً يصب في قلب المدينة ويتغذى منها في الوقت نفسه، إلى جانب كونه يمثل بعداً نشطاً وحيوياً يضفي الحياة على المدن كوسيط ينسق بين المكونات المنتظمة بين المدينة وغيرها.

وهو يمتد إلى جانب البينية المعمارية في حوار يومي وحركة مستمرة تماثل خفقة القلب وإيقاعاته الدائمة، و يعكس صورة الغنى التي تتمتع به المدن من المنتوجات والمعروضات، ومن طبائع البشر وصخبهم اليومي.وللأسواق في مدننا الإسلامية بعض الخصائص التي ميزتها. بحيث تتلخص بشبكة من الطرقات المغطاة، مدخل مغطى وآمن ، بالإضافة إلى الخان. وغيرها من المكونات التي تعتبر مرافق إضافية ومكملة لوظيفتها التجارية الاقتصادية. كالمسجد والمدرسة الإسلامية والحمامات وخدمات الوضوء.

الأسواق مصدر الظل والماء وهي تمثل نقطة جذب رئيسية للعديد من الرحلات التجارية تتكون من مجموعة من الدكاكين والورش المرصوصة بطريقة طولية على جانب الشوارع الرئيسية، التي تكون مغطاة لتوفير الظل والحماية من الغبار وقد تكون مشيدة من الأقواس المبنية من الخشب والحجر والطابوق أو بمواد غير ثابتة كسعف النخيل. وتكون وحدات الدكاكين والورش عبارة عن غرفة واحدة مفتوحة على زقاق السوق الرئيسي، تتوزع وفق نوعية السلع والمواد ووفق أنماط منتظمة.في حين تكون الخانات جزءاً مكملاً للمجتمع التجاري ومبنية بصورة أمتن من ورش السوق الأخرى و وظيفتها تخزين أمتعة وبضائع التجار والمسافرين، وأماكن راحة لهم. وهي مربعة أو مستطيلة الشكل ومشيدة حول فناء وسطي بها مخازن في الدور الأرضي وتستعمل الأدوار للسكن ومداخلها منيعة ومؤمنة بالقضبان المعدنية. فالخان كان من العناصر المهمة في نمو وتطور التجارة في المناطق الريفية والأماكن الحضرية.

أسواق الشارقة: على الرغم من عمليات الهدم وإعادة البناء التي تمت حول منطقة السوق القديم بالشارقة فمازال هناك الصناع ومازالت بعض المحلات التجارية القديمة قائمة حول السوق ، حيث يبدو للعيان مظهر الأنشطة المزدهرة والتفاعل الاجتماعي، في جو حميمي وعادات البيع والشراء المتأصلة، من الملابس والبهارات وشتلات الزهور والأصناف التقليدية، وقد برهنت الأسواق القديمة على أصالتها ووجودها كعنصر حيوي لمدينة الشارقة. وحتى منتصف السبعينات استطاع سوق الشارقة أن يقف كزقاق متعرج متواصل موازٍ للشاطئ الجنوبي للخور بطول 1كم تقريبا حتى مسجد النابودة بالمريجة.

والتوسع العمراني الحديث جلب معه أضراراً كبيرة على بعض المباني القديمة، التي شكلت جزءاً من طبائع الناس وخصائص الحياة المدنية والاجتماعية في ذلك الوقت.

ويبدو أن خصائص الأسواق متشابهة في أغلب المدن ذات الطابع الشرقي، والمهن متشابهة، ويبدو أن الجلبة والأصوات والعادات المتأصلة في البيع والشراء، هي ذاتها في مدننا التي اعتمدت في بنائها على عناصر العمارة الإسلامية، وفي جوهرها على اللحمة الاجتماعية ، وطقوس المحبة والمودة.

وأسواق الشارقة التي كانت حاضنة للتجار والزائرين، وللناس الذي كانوا يصبون فيها منذ مطلع الفجر حتى مغيب الشمس، وهم يعرضون سلعهم ويقلبون البضائع المعروضة، من القماش إلى الحلي، إلى المحلات التي تبيع المواد الغذائية الأساسية. إنها الحياة في بساطتها وملامسة جزئياتها التي تشكل متعة وغبطة للبائع والمشتري.

وفي منطقة السوق القديم تمركزت أنشطة الحرف اليدوية وهي صياغة الذهب والفضة التي وفرت العمالة لأعداد كبيرة من العوائل. وأما الحدادون والنساجون وصانعو السجاد والستائر فكانوا متواجدين في كل الأركان ويبدو أن بعض الحرف اشتهرت بها أحياء معينة من المدينة وكان الحي الشمالي يحتوي على أماكن النسيج.

وقد ازداد حجم وأنواع البضائع المباعة والمشتراة في السوق ، بسبب الأرباح الطائلة التي جلبتها الحاجة المتزايدة للؤلؤ في الهند وأوربا، وكانت تباع في السوق منتجات مصنوعة في غرب عمان من الصوف والقطن والحديد، وكان هناك سوق حيوانات يبدو منتعشا مع البدو الذين يصلون من وقت لآخر لبيع الجمال العربية والحمير وكانت الشوارع نظيفة لكنها تفتقر إلى التوازن المنظوري وقد صمم عرضها بحيث تكفي لمرور الحيوانات المحملة. كما ساعدت الحاجة إلى السلع الأساسية على انتعاش ونمو السوق، وعلى جلب واردات مختلفة حسب أذواق التجار.

وكان هناك عينات جيدة من المنقوشات الذهبية والفضية الجميلة التي نمقت الأسلحة والأحزمة والكؤوس والمداويخ( الغليون) وكانت على درجة عالية من الاتقان، وكان التجار يعضون شالات كشمير ومصنوعات البنغال والأسلحة الإيرانية والجواهر بمختلف أنواعها.

وسوق الشيويهين القديم ( سوق صقر) ، يحمل بين جدرانه القديمة المتآكلة نضارة الحياة القديمة، ورائحة العراقة التي ترسّخت بين سقوفه وتحت فيء سقفه. وربما تعرضت له الحياة الحديثة بمعاولها العمياء إلا أنه مازال يختزن حيوات الناس الذين جلسوا إلى دكاكينه، وقلّبوا معروضاته، في واحة الحياة البسيطة التي أصبح الحنين إليها يلح علينا يوماً إثر يوم.

والأسواق الشعبية القديمة عرّفتنا منذ الطفولة على أول مكونات حياتنا وترسّخت في ذاكرتنا كملمح ثابت فيها.

وقد كانت المواد المستخدمة في بناء الأسواق القديمة يتكون من مادتين وهي الحجارة الحمراء الطبيعية التي تجمع من شاطئ البحر والتي تعرف محلياً بالفاروش، أو الحصى بالإضافة إلى الجص المبني على الجبس الذي كان الحصول عليه يتم من المواضع المتبخرة من البحيرات الضحلة، والمباني التي شيدت من مواد البناء يقع تاريخها بين عامي 1900- 1940

وقد عرفت الأسواق الإسلامية بوجود مبنى يسمى بالقيصرية وهي مبنى طويل وضخم وذو أقواس ومتين التشييد يقف بجانب السوق وبه مداخل حديدية تقفل ليلاً من أجل الحماية، والدكاكين المحيطة بالقيصرية تكون عادة نظيفة ومتقنة البناء.

ومن الأسواق الحديثة في الشارقة سوق المجرة الواقع على الخور في الحي القديم عند تقاطع شارع الكورنيش شارع الخليج وهو يشبه إلى حد كبير القيصريات آنفة الذكر وتعرض العديد من معالمه المعمارية، فقد كان ذا شكل مستطيل وعليه أعمدة في الطابق العلوي وقد ذكر أن أحد تلك المنشآت (القيصرية) كان موجوداً في الشارقة في منتصف القرن التاسع عشر.

سوق العرصة

لسوق العرصة الذي أعيد ترميمه نكهة أخرى، فلا تستطيع أن تتجاهل شعورك بالأزمان التي تعبرها وأنت تتجول في أزقته، وتطالع معروضاته ، مفتوتاً بروعتها ودقتها، ومأخوذاً بالسحر الذي يرتشح من مسامات الأزمان القديمة التي سكنتنا بكل ما للحياة من معنى، وما لانتمائنا إلى جذورنا البعيدة من قيمة نحاول التعرف على مكنوناتها النفيسة.

وسوق العرصة من أقدم الأسواق الشعبية في الإمارات، وسمي (سوق العرصة) لأنه يقع بمحاذاة عرصة السوق، وهي أرض فضاء تقع بين بيت النابودة ومجلس النابودة. والسوق الذي سمي فيما بعد باسمها وهي كل بقعة أو ساحة بين الدور واسعة ليس فيها بناء.

وللسوق تسعة أبواب تغلق في المساء لتأمين الحماية اللازمة للمحال، وقد بنيت حول إحدى هذه البوابات مجموعة من الدكاكين امتدت فيما بعد لتكون خطاً مستقيماً تتخلله الأزقة (السكيك) وقد شكلت في مجملها سوقاً آخر اصطلح ب(السوق القديم).

وقد حوى هذا السوق على عدد كبير من المحال تصل إلى100، وقد عرف في القرن الماضي كمركز للتعامل التجاري منذ تشييده منذ ما يقرب من 180 عاما ، وكان يعج بالحركة والنشاط منذ الصباح الباكر وحتى العشاء ، ولم يقتصر على عمليات البيع والشراء فقط بل كان مكانا يجتمع فيه الناس من كل مكان ويفد إليه كل غريب وتعقد فيه الصفقات بين تجار اللؤلؤ وتتم فيه الاتفاقات بين النواخذة والبحارة .

وتعرض المنتجات الجميلة من الحلي الفضية ومصنوعات الحرف اليدوية وصناديق التحف والخناجر العمانية ولآلئ الخليج وبعض الانتيكات ، وهنالك المقهى الشعبي الذي يحتضن الأناس وهم يرتشفون شايهم أو يتداولون أخبارهم وحكاياهم، وهم ينتظرون إلى خليط الألوان ورعشة الذهب وألق الفضة يتوهج في أركان السوق وردهاته العابقة بأريج الزمن المعتق، وروعة الأنفاس التي ملأته ذات يوم بالصخب والفرح.

إسماعيل الرفاعي