من هنا نترك هذه النافذة مشرعة، لنلتقي مع بعض الذين جابوا هنا وهناك وملأوا جعبتهم بالأسئلة التي تشكلها المحطات المتعددة وتقاطعات الدروب.
وخالد المقدادي فنان تشكيلي ابتدأ تكون المشهد المغاير لديه منذ رحلاته الأولى إلى شمال العراق، حيث الغابات العصّية على الزمن والتي تترك ثمارها طازجة وشهية على امتداد أغصانها الكثيفة والمغلقة على بكارتها.يقول: هناك تتعرف على سحر المشهد وكأن الغابة قد تحوّلت إلى منصة هائلة لمسرح الطبيعة الفاتن.وهناك قد ترى حقلاً من عباد الشمس فروعاً على مدّ البصر، بحيث يلتهم الأفق كله وهو يمتد تحت سماء من الغيوم تخللها حزمة من الضوء الذهبي الذي يتدفق من السماء كشلال ضوئي يفيض بالسحر.ومن شمال العراق إلى جنوبه ثمة عوالم من السحر تتشكل وتتوالد كلّ يوم وهي تحمل سماتها الخاصة وطبائعها الخاصة في العمران والطبائع والعادات، وصولاً إلى الأهوار التي تمثل عالماً قائماً بذاته، ذلك العالم المائي الندي، فالبيوت عائمة على الماء والبشر يتعايشون من الماء ويحلمون على سطح الماء.
ويضيف: جغرافيا العراق تحتضن تضاريس العالم كله فهناك ترى كل شيء في تناغم وغنى وتكامل من صحاريها إلى جبالها ووديانها ومن خضرتها إلى مائها، فالعراق صورة فاتنة عن الأرض في إطار من مسرح التاريخ وأساطيره.وحب السفر بالنسبة له تشكل من تلك الأرض كونه يعتبر السفر ثقافة معرفية وبصرية لابد أن يطلع عليها كتشكيلي مشغوف بتجليات المشهد وكوامنه. - موسكو بلد العجائب: رحلته الأولى من أرض العراق، كانت إلى موسكو، بعد أن حط رحاله في دولة الإمارات، وهو يرى أن موسكو بلد المفاجآت والحياة الحقيقية وبها ترى التماثيل والمنحوتات التي نفذّها فنانون كبار في كل مكان فموسكو متحف مفتوح للجميع، ويتذكر المقدادي حديقة عامة كان قد مرّ بها يقول: في بداية المدخل هناك ركن مخصص لإنتاج الأعمال الفنية النحتية، وقد ترك فيه خشب وحجارة وأدوات خاصة بالنحت، وهو أشبه بورشة فنية مفتوحة،
بحيث يمكن للفنان أن ينتج أعماله هناك ويتركها كهبة للحديقة، وهذا المكان يحتوي على أكثر من ألف قطعة فنية نحتية، بالإضافة إلى وجود أعمال لفنانين كبار متوزعة في الحديقة، حتى أن أحد الفنانين ترك حوالي 500 قطعة نحتية تمثل وجوهاً محصورة في ثلاثة أماكن ومعلقة على شبك خاص. ثم ينتقل إلى المتاحف التي زارها في موسكو كمتحف تترفسكيا وهو من المتاحف المهمة وهو منزل أحد الأثرياء، وقد تحوّل إلى متحف لأنه كان يضم أهم أعمال الفنانين الكبار، بالإضافة إلى متحف الأرمتياج وقاعاته المهيبة وقد تصدّرت جدرانها أعمال فنانين ينتمون إلى أجيال وأساليب مختلفة. ويرى المقدادي بأن الشعب الروسي، شعب قارئ بامتياز وخصوصاً النساء، حتى ان عدد النساء أكثر من عدد الرجال.
تلال أو بسالا مقابر ملوكها
من أهوار العراق إلى حديقة الفن في موسكو، ينتقل المقدادي إلى السويد، والتي يقول بأنه قد زارها لعدة مرات، وان الحظ حالفة فيها للاشتراك بمعرض عالمي، في إحدى مدارس الفن في مدينة فيسبي وهي تضم استديوهات خاصة للفنانين، وقاعات عرض رائعة.
ويرى بأن السويد بلد مسالم جداً ويصف زيارته إلى منطقة أوبسالا القديمة قائلا: أوبسالا منطقة جميلة تحتوي على ثلاث تلال ويقال بأنه تحت كل تلة يرقد أحد الملوك، ويتميز أهلها بصناعات الحلي اليدوية التي تنتشر محالها في كل مكان.
أما استكهولم فيقول المقدادي، بأنها تعتبر فينسيا الشمال لأنها عبارة عن جزر تربط بها الجسور وهي مدينة ساحرة وهي مدينة تشتهر بمتاحفها كمتحف الفن الحديث والمتحف الذي يضم أعمالاً كلاسيكية ويحتوي على أعمال كبار الفنانين أمثال رودان، بيكاسو، جياكوميتي، غوغان وغيرهم.
ويتابع بأن النصف الآخر من متحف الفن الحديث، يحتوي على متحف العمارة والتصميم وقد ضم مجسماً 5م ٍّ 5م يمثل باريس العاصمة.
ومن ردهات المتحف إلى خريف استكهولم، حيث ترى الطبيعة بأبهى زينتها لأنها تصبح طبيعة ملونة، فهي تخلع ثوباً لترتدي ثوباً أجمل، ملونة ما بين أشجار حمراء وصفراء وأورانج، إنها واحة من اللون مثلت غواية كبيرة بالنسبة لي كفنان تشكيلي وأمدتني بمتعة بصرية لا توصف.
ويستدرك المقدادي قائلاً: هناك التقيت بالعديد من الفنانين، أثناء المعرض العالمي والذي ضم العديد من العروض الصامتة، وفقرات من الرقص التعبيري والغناء اللاتيني والرقص الياباني، وعروضاً من الموسيقى الكلاسيكية، وقد شاركت في معرض (أصدقاء الفن) العالمي، كأول فنان عربي يعرض بهذا المعرض الذي ضم جمهوراً غفيراً مثقفاً وقادراً على اكتناه وتذوق الأعمال الفنية، وقد رحب بي القائمون على المعرض قائلين بأننا نرحب اليوم بصديق جديد قادم من أرض العراق.
ويتذكر المقدادي إحدى المفارقات التي مرت معه في مدينة اوبسالا حيث تحتفل المدينة بتاريخ 11 سبتمبر الذي يمثل عندهم يوم الموسيقى، وهناك تنتشر الفرق الموسيقية في كل الأمكنة وعلى امتداد المدينة، فرق غناء ورقص الروك، فرق عربية وأرمنية وكردية، ويتذكر ذلك اليوم بمتعة كبيرة وقد تجول في المدينة واستمتع بعروضها حتى مطلع الفجر.
هلسنكي ومتسول الباليه
وفي رحلة على متن باخرة هائلة كأنها مدينة متكاملة ومؤلفة من سبعة طوابق، يسافر المقدادي إلى هلسنكي في فلندا، حيث يصفها بأنها أكثر حيوية من السويد، وهذه الصفة معروفة حتى عند أهل السويد ويعزي المقدادي ذلك إلى وجود عدد كبير من الروس يقطنون تلك المدينة، ويتذكر المقدادي إحدى الطرائف التي صادفته هناك حيث التقى بشاب يرتدي ملابس لراقصة باليه وينتقل من رجل إلى آخر،
وقد جاءني وسألني ان كنت أستطيع تعليمه بعض حركات البالية، فسألته لماذا يريد التعلم ولماذا يرتدي هذه الملابس الخاصة بالراقصات فأجابني، بأن حبيبة قد اشترطت عليه ان يرتدي هذه الملابس وان يجوب الشوارع ويطلب من العابرين تعليمه الرقص حتى توافق على زواجه منها.
السويد من جديد وسارق الثقافة
يتابع المقدادي حديثه عن السويد التي زارها من جديد عام 2005، حيث تعرف هناك على (ريكاردو) وهو من أصل تشيكي ويطلقون عليه لقب سارق الثقافة، لاشتهاره بحيويته الفائقة واسهاماته البارزة في المشهد الثقافي والتشكيلي، ويقول بأنه أحد منظمي المعرض العالمي.
ومن خلاله يقيم المقدادي معرضاً للفن العربي أطلق عليه اسم (معرض من الشرق) ضم فنانين من سوريا وفلسطين والعراق ومصر والإمارات، وبصفة بأنه كان معرضاً متميزاً حقق نجاحاً لافتاً وإقبالاً كبيراً من قبل جمهور السويد الذي اهتم بكل عمل من الأعمال الفنية التي وصلت إلى 78 عملاً فنياً.
تركيا فسيفساء الشرق والغرب
لا يخفي المقدادي إعجابه الشديد بتركيا التي زارها مؤخراً والتي شكلت عنده رغبة كبيرة للعودة من جديد والتعرف على تفاصيلها ومجاهيلها، فهناك رأى المزيج الساحر بين الشرق والغرب والتجاور الهارموني بين الطراز المعماري القديم والعمارة الحديثة.
ولا يخفي دهشته بالطبيعة الملونة والغنى البصري في اسطنبول ومقاهيها التي أثاره فيها طريقة توزيعها والحيوية التي تتمتع بها وقد امتزجت الألفة والحميمية مع بخار المشروبات الساخنة ورذاذ الكلام.
بهذا ينهي التشكيلي خالد المقدادي حديثه عن السفر وقد امتلأ من جديد بالحماس إلى رحلة أخرى يتزود فيها بمخزون بصري ومعرفي لتمكين من سكبه في تفاصيل أعماله الفنية.
إسماعيل الرفاعي



