فقد حلم عمارة بأن تتحول العنابر الخشبية لقسم الطب النفسي إلى مستشفى كبير به كل الأقسام والتخصصات في مجال الطب النفسي، وقد حدث، وتمنى أن تكون المستشفى في وسط المدينة حيث لا يشعر المريض بأنه منفي ومعزول عن العالم، وقد حدث، وكان يحلم بمستشفى يطبق مفهوم العلاج النهاري حتى لا يحرم المريض من أجواء الأسرة ودفء التواجد بين الأهل والأصحاب، وتمنى مستشفى يعالج من أوقعتهم الظروف في بئر الإدمان، والتقت أحلام الزين مع تطلعات وزارة الصحة.
تاريخ قديم: ولد الدكتور الزين عباس عمارة في حي السكة الحديد في مدينة عطبرة السودانية عام 1939م، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة سنجة الوسطى بمديرية النيل الأزرق، وتلقى تعليمه الثانوي في حنتوب الثانوية التي أصقلته كثيرا فكريا وثقافيا واجتماعيا وعلميا، وكونت ملامح شخصيته وأكسبته الكثير من الصفات التي يعتز بها والخبرات التي استفاد منها والعلاقات والمهارات، وحصل على المرتبة الأولى في الشهادة الثانوية العامة من كمبردج، وتلقى تعليمه الجامعي بداية من كلية العلوم ثم تحول إلى كلية الآداب، ثم حول إلى كلية الطب الذي تخرج منها عام 1965م.
وقتها لعبت الصدفة دوراً في تحديد التخصص الطبي الذي حددته له إدارة الكلية دون أن يكون له رأي في الاختيار، حيث وجد نفسه معينا في قسم الطب النفسي في عيادة بعشر في الخرطوم بحري، وكانت العيادة الأولى والوحيدة للطب النفسي في السودان آنذاك، وقد كانت دراسة النفس البشرية والفارق بين الروح والنفس والجسد والعلاقة بينهما سببا في استمرار الدكتور عمارة في هذا المجال، خاصة وقد اقترن عمله في مستشفيات السودان بعمل برامج إذاعية وتلفزيونية تتناول تلك الجوانب الخفية في الإنسان، وفي عام 1970 م سافر بصحبة أسرته والتي لم تفارقه يوماً في ترحاله إلى لندن، حيث ذهب لاستكمال دراسته العليا هناك وبعد أربع سنوات حصل على زمالة الكلية الملكية للطب النفسي، وكانت بمثابة معركة طويلة خاضها بعد التخرج بجراح مثخنة وقلوب مؤمنة بحتمية الوصول إلى الهدف النبيل،
وهناك وكما يقول الدكتور عمارة رغم الإغراءات المادية واستمالتهم له بالعمل في المستشفيات البريطانية إلا أن حنينه للسودان كان أكبر من بقائه فقرر العودة ثانية إلى الوطن، وبدا من جديد في ممارسة عمله ولكن بشكل أكثر مهنية من ذي قبل حيث تعلم الكثير في هذا المجال وعاد ليفيد بعلمه أبناء وطنه، وبعد عام تقريبا جاءته فرصة للعمل في البحرين حيث عمل في مستشفى السلمانية ومنها انطلق نحو الإمارات وتحديداً أبوظبي لتكون هي محطته الأخيرة التي استقر بها حتى يومنا هذا، حيث بدأ عمله في الصحة المدرسية، حتى وصل إلى منصب مدير مستشفى الطب النفسي،كما شارك في التدريس في جامعة الإمارات، وحاليا يعمل استشاري الأمراض النفسية والعصبية في مستشفى النور، وهو بجانب كونه من رواد الطب النفسي في السودان والإمارات فهو أيضا أديب وشاعر وله العديد من المؤلفات في هذا المجال، كما قدم العديد من البرامج التلفزيونية التي تختص بالطب النفسي وكان ذلك من أهم عوامل قبول الناس لفكرة العلاج النفسي إلى جانب العديد من المؤلفات في مجال الطب النفسي أيضاً.
وعندما قدم الدكتور عمارة إلى الدولة، كان من المفروض أن يتسلم عمله في مدينة العين إلا أنه وبسبب وعورة الطريق آنذاك لم يستطع الوصول إلى مدينة العين أصلا، وعاد إلى مدير الطب العلاجي في أبوظبي يخبره بما حدث، وطلب منه البقاء في أبوظبي لأن أولاده يدرسون الإرسالية الأميركية في البحرين وسيكون من الصعب أخذهم للعيش في العين،
وبالفعل عمل في الصحة المدرسية في أبوظبي، وتعتبر من التجارب الرائدة في تقديم الخدمات الصحية للأطفال في مناخ نفسي معافى بعيداً عن الاختلاط بالكبار وضياع الوقت وخصوصية المعالجة في بيئة تسمح بالتقاء البيت والمدرسة والمعلم والطبيب وسرعة التواصل بين الإدارة المدرسية والصحية.
العمل في الإعلام والجامعة
وفي العام نفسه استدعي من قبل مدير برامج الإذاعة والتلفزيون في أبوظبي لإعداد برنامج تلفزيوني يخاطب فئة الشباب ويحاورهم في المشاكل المطروحة في الساحة، وقد سمي (قضايا الشباب)، وكان البرنامج يناقش كل السلوكيات الخاطئة والمشاكل الدراسية والنفسية التي تؤثر في حياة الطلاب واستمر البرنامج لمده عامين، وقد أصبح الطلاب المشاركون فيه الآن من المسؤولين وصناع القرار.
وفي عام 1979م توقف البرنامج بسبب انتداب الدكتور عمارة للعمل في جامعة الإمارات، حيث يقول عملت في كلية التربية لتدريس مساق (علم النفس الفسيولوجي) لشعبة علم النفس، وفي عام 1986، تم تعينيي رئيساً لقسم الطب النفسي في مستشفى الطب النفسي في أبوظبي المركزي.
وذلك بعد أن انتقل الزميل الدكتور عمر الرفاعي للعمل في السعودية، وبقي الزميل الراحل الدكتور عماد فريد استشاري ورئيس القسم وحيدا في القسم، وكانت ضرورة العمل تقتضي وجود استشاري آخر يشاركه المسؤولية، فتم نقلي للقسم عام 1984م، واستمر انتدابي للجامعة، وإشرافي على الوحدة الداخلية للأطفال بالقسم إلى جانب عملي، وعندما تقاعد الدكتور عماد فريد وترأست القسم بدلاً منه توقفت عن التدريس في الجامعة.
ومع التطور الذي شمل كل مناحي الحياة في الإمارات، وقد نالت الخدمات الطبية جانبا كبيرا من هذا التطور، وبعد صدور اللوائح والقوانين بإنشاء وحدات علاج إدمان، بدا واضحا أن القسم القديم لم يعد كافيا لاستيعاب المتطلبات الخاصة بهذه الوحدة إلى جانب وحدة الأطفال، وحاجة الأقسام الداخلية للتوسع، وكان الاهتمام المتنامي بمكافحة المخدرات أهم مدخل لتطوير القسم، وصدر القرار من المسؤولين بالموافقة على إنشاء قسم جديد للأمراض النفسية، وعندما طلب مني أن أضع تصورا لهذا القسم، أبديت رأيي في ألا يكون خارج أسوار المستشفى المركزي القديم، حتى لا نثبت النظرة الموروثة عن الطب النفسي عن المصحات النفسية.
مستشفى الطب النفسي
يواصل الدكتور الزين رحلته مع الطب النفسي قائلاً: استمر العمل في القسم المؤقت بنفس الحماس، ونحن ننتظر ولادة القسم الجديد لنا في المستشفى المركزي، وفي تلك المرحلة التحضيرية حدث تغييرا وزاريا وجاء طاقم إداري جديد في وزارة الصحة، وقد رأوا أن مبنى لقسم الطب النفسي بتلك الضخامة في المساحة والأقسام المتخصصة ينبغي أن يكون مستشفى قائما بذاته، وليس قسما تابعا لمستشفى الجزيرة والمستشفى المركزي.
وكانت ضخامة المبنى ليس ترفاً معمارياً إلا انه تلبية لمتطلبات حديثة في توفير مساحات واسعة بالداخل وصالات ترفيه للمرضى وتوفير معدات هذا الترفيه من العاب رياضية وغيرها من وسائل اللعب والتسلية والترفيه والعلاج بالعمل. وفي عام 1995م تم تعييني بقرار من وزير الصحة آنذاك تولي إدارة مستشفى الطب النفسي الجديد في أبوظبي.
وقد اعتبر مستشفى الطب النفسي من أحدث المستشفيات النفسية الطبية في العالم حيث تم إنشاؤه بعد عدة دراسات، حيث توفر فيه العديد من المزايا الإيجابية منها وجوده داخل مدينة طبية متكاملة التخصصات والإمكانيات مثل مستشفى الجزيرة، ومستشفى أبوظبي المركزي حيث تتوفر كافة الخدمات الطبية للمريض النفسي مثل التحاليل الطبية والأشعة والعلاج من الأمراض العضوية الأخرى، مما يشجع المريض النفسي وذويه على تقبل العلاج النفسي والعلاج من الاضطرابات الأخرى.
كما قام المستشفى بدور تثقيفي بارز مثل إلقاء المحاضرات العلمية على الكوادر الطبية والمهنية الأخرى، وإدارة الندوات لأهالي المرضى في المستشفى النهاري بصفة دورية وعقد مؤتمرات علمية وإقامة علاقات مهنية متميزة ومقننة مع الإعلام لإبراز دور التثقيف الصحي والتوعية الجماهيرية.
وضم المستشفى مكتبة رئيسية وأخرى فرعية وقاعة كبرى للمحاضرات وأخرى للاجتماعات، ويتضمن أيضاً وحدة علاج مرضى الإدمان، ووحدة الأطفال والمراهقين، ووحدة العناية المركزة والطب النفسي الشرعي، ووحدة التأهيل النفسي.
العمل في المستشفى الجديد
وتحدث الدكتور عمارة عن العمل في العيادة الخارجية قائلا هي تمثل بوابة الدخول وواجهة الاستقبال والشكل الخارجي الذي ينم عن المضمون، وكانت عليها إما أن تكسر الحاجز النفسي وتقيم جسور المودة وتعكس الوجه المشرق في المرايا الداخلية، وإما تزيد من الفجوة بين الناس وبين الطب النفسي،
وقد نجحت في الدور المنوط بها فعلا بفضل جهود العاملين فيها، كذلك كانت من اكبر اهتماماتي وحدة العلاج النهاري، لأنها كانت الوليد الجديد في حاضنة الطب النفسي، وقد أثبت الزمن صحة هذا التوجه، وكان العلاج النهاري يتجه نحو محاربة الوصمة الاجتماعية وبالتحديد تقديم كل الخدمات النفسية التي يحتاج إليها المريض من تقييم لحالته وتقديم العلاج المناسب له،
دون الحاجة إلى تنويم المريض في الأقسام الداخلية، كذلك يتمتع المرضى بالإشراف الأسري ومشاركتهم في برنامج العلاج ورعاية وتأهيل المريض داخل مجتمعه، وإزالة الوصمة التي يعاني منها الكثيرون من المرضى لعدم تعود مجتمعاتهم على تواجدهم بين المرضى العاديين.
أما وحدة الطب النفسي الشرعي فقد زودت بالأجهزة والأدوات اللازمة وبفريق عمل طبي من أجل توفير الرعاية الطبية والنفسية اللازمة في وحدة العناية الطبية النفسية المركزة، وتوفير مستوى عال من الإشراف الطبي ومستوى مناسب من السلامة والأمن لكل المرضى وفريق العاملين في الوحدة.
كما توجد بالمستشفى وحدة الطب النفسي للأطفال والمراهقين والتي تعد من الوحدات المهمة جدا، بل والوحيدة على مستوى الإمارات، وتعنى بصحة أهم فئة والتي ستكون فيما بعد عماد المستقبل، وغيرها من الأقسام التي ضمتها المستشفى.
وقد ظل يعمل حتى تقاعد عن العمل في عام 2003م، وقبل أن يرحل عن المستشفى وفي الحفل الذي أقيم خصيصا لتوديعه أوصى كل العاملين فيه خيرا بالمستشفى وتركه في يد أمينة، كما يقول ويردد دائماً، إلا أنها تمثل جزءاً مهماً من حياته وعمره.
ورغم اعتقاد الدكتور الزين أنه سيرتاح بعد التقاعد وليعيش باقي سنوات عمره يمارس الهوايات التي أحبها، إلا انه وبعد فترة أحس أنه لا يمكن أن يبتعد عن الطب النفسي الذي قضى عمره بأكمله يحاضر فيه ويمارسه ويشارك في مؤتمراته في كل مكان في العالم، ويؤلف فيه البحوث العلمية،
وكيف له أن يترك مهنته والتي كان عضوا في أكثر من عشرين جمعية ومراكز ولجان طبية خاصة بالطب النفسي، وكيف له ان يترك مهنته التي حضر في المؤتمرات في كل مكان في العالم، فعاد ثانية ليعمل من خلال مستشفى النور في أبوظبي بجانب ممارسة هواياته العلمية والأدبية التي عرفناها عنه.
إيمان قنديل



