هكذا هو فنان ورياضي اجتهد ليحقق ذاته في المجالات الإبداعية، وانسان تميز طوال مسيرته الحياتية بالكفاح والعمل حتى يفي بمصروفاته الدراسية في غياب الأب، عصامي تلك الجوانب البارزة التي أثرت في شخصيته، الفنان عبدالله أبو عابد.

طفولة عبدالله أبو عابد كانت مفعمة بالحيوية والنشاط غير العادي، في دبا البيعة كان المولد، فشهدت فترة الستينات شقاوة الطفل ذاع صيتها في فريج «بن درويش» بالقرب من سوق المجرة في الشارقة، والده جبلي من قبيلة الشحوح، بينما كانت الوالدة من حضر الشارقة، وعن تلك الفترة يقول أبو عابد: توفي والدي فانتقلنا بعد عام من دبا إلى الشارقة، استقر بنا المقام في فريج بن درويش على ساحل البحر، كانت البيوت في ذلك الوقت تتمثل في غرفة يتم بناؤها بالطابوق، اما بقية البيت فهو من جريد النخل وسعفه، وكانت الأحوال المعيشية تصل إلى حد التواضع، ومع ذلك كانت الحياة آمنة، الجار يخاف على جاره، ويسأل عنه باستمرار،

ويقف إلى جواره في الملمات والظروف الصعبة، كذلك كان إهداء الطعام سمة متبادلة بين الجيران فترى الأطباق خارجة من بيت إلى آخر، بالفعل كان للتعاضد المجتمعي قيمة كبرى في نفوس الناس وكنا نحن الصغار نلعب مع بعضنا البعض صبيانا وبنات دون حرج أو تفكير خاطئ، فكنا نعامل البنات وكأنهن أخوات لنا. أخذت عن والدي الجرأة وحب الزعامة، وعن والدتي قوة الشخصية التي اكتسبتها من خلال عشرتها وتعاملها مع والدي، وبالمناسبة كانت والدتي سباحة ماهرة وتجيد الرماية بشكل رهيب، وتعلمت هذه الأمور أثناء تواجدها في دبا البيئة التي كانت تقع على الساحل وتمتد إلى المناطق الجبلية،

وكنا نقضي فصل الصيف في دبا كونها تتمتع بطقس معتدل في فصل الصيف الحار، وكانت نساء البلدة ووالدتي معهن يقمن بغسل الثياب في البحر، ومن هنا تعلمت والدتي السباحة وأجادتها، أما البيوت في دبا فقد كانت من سعف النخيل فقط من اجل التهوية. - التأسي بعنترة بن شداد: طفولة أبو عابد لم تكن عادية، فقد عرف بمشاكساته الدائمة ومشاكله مع أولاد الفريج، الأمر الذي كان يسبب صداعاً مزمنا لوالدته، يقول: آنذاك كنت معروفا في المنطقة بمشاكلي الكثيرة وحركتي المستمرة، وهذا أمر عادي عند الأطفال وأظن أن المشكلة كانت تكمن في قلة حيلة الكبار في تنمية مواهبنا وإخراجها في نشاطات مفيدة، نعم، كنت أتشاجر مع الأولاد وأضربهم، لكنني أيضا كنت أنال نصيبي من الضرب المبرح على يدي والدتي، كانت شديدة معي وقاسية على عكس بقية الأمهات، لربما كان حملها ثقيلاً بعد وفاة والدي وتوليها مسؤولية تربيتي،

غير أنني أرجع سبب هذه الشقاوة الزائدة إلى فيلم عنتر بن شداد، فقد شاهدت هذا الفيلم في بيت علي بن سالم المحمود وهو الوحيد الذي كان يملك جهاز تلفزيون في المنطقة آنذاك، وتأثرت كثيراً بأحداث الفيلم وبطولة عنتر، فرحت أمارس هذا الدور البطولي على أولاد الفريج،

لكنني لم أكن افتعل المشاكل على طول الخط، ففي النهاية كنت بحاجة للأولاد لكي ألعب معهم، كنا نمارس ألعاباً شعبية مثل لعبة «الكوك» والاستغماية، وأيضا كنا نمارس السباحة بحكم قربنا من الشاطئ، وكنا نبحث عن المحار وهو نوع مختلف عن محار اللؤلؤ.

غير أن كرة القدم هي اللعبة الأولى التي كانت تستهوينها، وكنا نمارسها في ملاعب وساحات الفريج، نقيم المباريات مع الفرق الأخرى، واذكر أن التنافس كان على أشده بيننا، وكنت ألعب في خط الهجوم وأحرز الأهداف، ولموهبتي الكروية، فقد ذهبت إلى نادي الشعب وسجلت ضمن فريق الأشبال، ولعبت في فترة لاحقة ضمن فريق الشاب بالنادي،

لكنني توقفت عن ممارسة الكرة بعد أن أثنى أحمد نصيب لاعب الفريق الأول على موهبتي وسألني لماذا لا يتم ضمي إلى الفريق الأول، هذا الكلام اثر في نفسي وجعلني أفكر في أهميتي الكبيرة، وامتنعت عن التدريب، وهي خطوة شابها الغرور عند شاب في مستهل نجوميته.

بدايات نجوم المسرح

شهدت مدرسة حطين الابتدائية أولى خطواتي الدراسية، ومرت المرحلة الابتدائية عادية تماما، كنت اقضي الفترة الصباحية في المدرسة وامارس كرة القدم سواء في المدرسة أو خارجها، وقد ظلت معي شقاوتي الزائدة، أمارسها في المدرسة وفي الحافلة، كنت كثير الحركة والشغب، إلى أن أنهيت الابتدائية، وانتقلت إلى مدرسة عبدالله سالم المتوسطة، وقضيت فيها عاما، وانتقلت بعد ذلك إلى مدرسة علي بن أبي طالب،

وأكملت فيها مرحلة المتوسط ومرحلة الثانوية، كنت لاعبا أساسيا في فريق المدرسة لكرة القدم، لكن الشيء المهم الذي حدث في هذه المدرسة هو التحاقي بفريق التمثيل، كان ناظر المدرسة واسمه محمد الديب رجل محب للمسرح، وكون فرقة مسرحية ضمني إليها مع سالم المنذري ومحمد شهيل، وآخرين،

وفي مسابقات الأنشطة المدرسية، ومع أول عمل مسرحي أقدمه، فزت بجائزة أحسن ممثل، واذكر أن المنافسة كانت شديدة بين الفرق المسرحية المدرسية في ذلك الوقت، واذكر أيضا أن المنافسة كانت على أشدها مع ممثلين زملاء من دبي مثل عمر غباش وناجي الحاي ومحمد الدوسري وآخرين.

الاعتماد على النفس مبكراً

عبدالله أبو عابد الذي برع في كرة القدم وتألق على خشبة المسرح المدرسي، كان أيضاً مكافحاً على المستوى العملي، فقد عمل في إجازة الصيف ليؤمن مصروفاته المدرسية كما قلنا، وكان أول عمل التحق به في القوات المسلحة كمراسل براتب ثلاثمئة درهم، واستمر في هذا العمل أربع سنوات متتالية بدءاً من عام 1973، وكان عمله في القوت المسلحة ضمن النشاط الصيفي لطلبة المدارس. الذي يأتي كدورات عسكرية صيفية، ومواظبة أبو عابد على هذا العمل جعله في السنوات المتتالية ضمن الاختيارات الأولى من بين الطلبة المتقدمين ليصبح رئيساً عليهم،

يقول أبو عابر: ظروفنا المعيشية المتواضعة حتمت عليّ أن أعمل في الفترة الصيفية لأساعد والدتي في مصاريف المعيشة والدراسة، وتعلمت من هذه التجربة كيف أعتمد على نفسي في وقت لم يكن أخي الأكبر يسأل عني، وتعلمت من هذه التجربة أيضاً كيف أكون إنسانا عاقلاً بعد أن تخليت نسبياً عن شقاوتي ومشاكساتي الصبيانية،

فالعمل في القوات المسلحة يهذب النفوس ويدعم الانضباط، غير أنني في سنوات لاحقة عملت في بنك الاعتماد لمدة ثلاث سنوات، وكنت أتقاضى 1500 درهم طوال فترة الإجازة الصيفية، وهكذا كنت أدرس وأمارس الكرة والتمثيل وأعمل أيضاً، وعندما وصلت إلى سن الخامسة عشرة حدث أن توقفت عن ممارسة الكرة لأسباب ذكرتها من قبل، وبعد فترة وجيزة التحقت بمسرح جمعية الشارقة للفنون، ولعبت الصدفة دوراً كبيراً في هذا الأمر، فقد كان سائق الحافلة المدرسية التي تقلنا هو محمد فراشة،

وهو في الوقت كان مدير فرقة مسرح الشارقة للفنون، ولاحظ محمد فراشة أنني كثير الحركة في الحافلة، وصاحب تعليقات ساخرة فنصحني بالانضمام إلى مسرح جمعية الشارقة وقد حدث، وجدت ضالتي في المسرح بعد أن توقفت عن مزاولة كرة القدم وأصبح عندي وقت فراغ كبير، وفي عام 1979 قدمت أول عمل مسرحي مع مسرح خالد كما كان يطلق عليه في ذلك الوقت، وكان العمل بعنوان «مهر العروس».

ويستدرك أبو عابد بدايات عمله في المسرح بقوله: كانت الوالدة ترفض بشدة انخراطي في العمل المسرحي، وقد عانيت كثيراً من رفضها المتكرر، كانت تخاف علي من أن أنزلق إلى هاوية الانحراف، حيث كان المفهوم السائد آنذاك، أن الوسط الفني مليء بالانحرافات والأمور السيئة، لكنني واصلت مشواري بكل إصرار، حتى بعد أن التحقت بالجامعة، لم أتوقف عن مزاولة التمثيل،

فقد بدأت دائرة الوعي الثقافي تتسع على الرغم من التحاقي بكلية التربية وعلم النفس التي لم أخترها، كنت أحب الإعلام وراغب في دراسته، لكن اختيار الجامعة جاء على غير رغبتي، أثناء دراستي الجامعية لم أتوقف عن العمل في أوقات الفراغ، فقد عملت مدرساً في معهد زياد الثقافي لأضمن دخلاً لنفسي، كان ذلك في عام 1981 حيث استطعت أن أدخر مبلغاً واشتريت أول سيارة في حياتي سيارة داتسون من الوكالة قيمتها سبعة عشر ألف درهم،

فقد كانت الأسعار منخفضة في ذلك الوقت، الطريف أنني كنت أقود السيارة من دون رخصة، وكثيراً ما كنت أهرب من الشرطة لأختبئ في قصر الشيخ فيصل، ومن سوء الحظ أنه كان هناك عريف في الشرطة يطاردني على الدوام، كان اسمه سالم، هذا العريف حرر لي كماً كبيراً من المخالفات المرورية.

العمل الإذاعي

ويضيف أبو عابد: أثناء دراستي الجامعية شاركت في مسلسل إذاعي، وأحببت الإذاعة كثيراً، ومن تلك اللحظة راحت تراودني فكرة العمل كمذيع، وبالفعل التحقت بدورة تدريبية في إذاعة أم القيوين، وعملت فيها بعد ذلك كمذيع تحت التدريب، لأقدم بعد ذلك عدة برامج إذاعية في إذاعة أبوظبي، وقدمت من خلالها برنامج طائر الصباح، وعملت أيضاً في إذاعة إف أم وقدمت برنامج منوعات خفيف ولقاءات مع الفنانين، وقدمت أيضاً برامج تراثية في تلفزيون الشارقة، وهذه التجربة جعلتني أقدم فقرات الاحتفالات الوطنية والتراثية والمسابقات الجماهيرية.

هجر الجامعة إلى نادي الشعب

نقلة نوعية في حياة أبو عابد حدثت في منتصف الثمانينات لكنها نقلة لا تخلو أيضاً من اخفاق في مجال الدراسة، يقول: في عام 1984 لم أستطع إكمال الدراسة بعد ثلاث سنوات اجتهدت فيها، بقيت لي سنة واحدة على التخرج، لكنني تركت الجامعة بعد أن عرضت علي إدارة نادي الشعب لأكون إدارياً لفريق الشباب لكرة القدم، وهكذا التحقت بمجلس الإدارة لأكون عضواً في المجلس بعد ذلك ومدير العلاقات العامة بالنادي،

وفي تلك الأثناء رشحني النادي لدورة تحكيمية على مستوى الدولة، ونجحت فيها لأصبح حكماً في كرة القدم، لكنني لم أحكم سوى أربع مباريات فقط، اثنان منها حكماً للساحة، ومباراتان حاملاً للراية، لكنني لم أستمر في التحكيم لأنني كنت شارد الذهن وأفكر دائماً بالمسرح والبروفات، ومن مفارقات التحكيم، أنني كنت فاقد التركيز في إحدى المباريات وكنت أفكر في دوري المسرحي، وكنت حامل راية في هذه المباراة ولم أستطع أن أجزم برمية تماس لصالح أي من الفريقين، وبدلاً من أشير يميناً أو يساراً جعلت الراية للأمام في وضع حيادي مما آثار الضحك عند حكم الساحة واللاعبين.

منذ تلك اللحظة ترك أبو عابد التحكيم ليبدأ مسيرة أخرى مع وزارة الداخلية، يقول: في عام 1987 انضممت للعمل في وزارة الداخلية برتبة ملازم في شرطة الشارقة، ومنذ ذلك الوقت مازلت أمارس مهامي الوظيفية بنجاح، لكن حدث أن قابلت العريف سالم الذي كان يخالفني باستمرار، كان قد وصل إلى رتبة وكيل، والمفارقة أنه يقف ليعطيني التحية بينما أذكره بالأيام الخوالي وملاحقته لي في الشوارع،

ولم يمض عام واحد على عملي في شرطة الشارقة إلا ودخلت القفص الذهبي، وقد لعبت الصدفة دوراً كبيراً في ارتباطي بزوجتي، كنت في تلك الفترة أفكر في الزواج، لكنني متخوف من الفشل لو أن الزوجة وقفت في طريقي الفني، والحمد لله الذي وفقني في زوجة متفهمة لحياة الفنان، فهي تحرص على أن تجمع كل ما يكتب عني، وتسجل البرامج التي أقوم بتقديمها أو التي أكون فيها ضيفاً. وها نحن بعد رحلة زواج ناجحة ننعم برؤية أولادنا يلعبون من حولنا، راشد الابن الأكبر، وهو يسير على الطريق نفسه بين الدراسة والتمثيل،

وأيضاً هو لاعب كرة قدم بنادي الذيد، إضافة إلى دراسته للإخراج، أما مريم فهي هاوية للرسم والكمبيوتر فقط، وتبقى منتهى آخر العنقود والتي تحظى بقدر كبير من محبتي، فهي ذكية وأتوقع لها أن تكون ممثلة ناجحة، فقد شاركت معي في معظم الأعمال التي قدمتها لمسرح الطفل.

الصغيرة منتهى هي الأقرب إلى قلب والدها، لكن الإذاعة أيضاً تحتل مكاناً في هذا القلب، يقول أبو عابد، بالفعل يظل العمل الإذاعي هو الأقرب إلى نفسي، رغم أنني أحببت الأطفال ومسرحهم، وأعطيت مسرح الطفل جل اهتمامي منذ عام 1990، والحمد لله أنا راض تماماً عما قدمته، ولو عاد بي الزمن لاخترت نفس الطريق، إلا أنني سأكون أكثر حرصاً في تعاملي مع الناس، مؤلم أن تقدم أشخاصاً للساحة الفنية فيعودوا للانقلاب عليك.

نجم عند الكبار والصغار

الفنان علي خميس يقول أكثر شيء يشدني في شخصية الصديق عبدالله أنه إنسان مرح يتمتع بحس طفولي غير عادي وعلى الرغم من أنه عسكري إلا أنك لا تلمس هذا الجانب وأنت تراه يقدم البرامج والفعاليات الجماهيرية بهذا النجاح والتجاوب الكبير مع الناس، كذلك إبداعاته في مجال مسرح الطفل، فهو صاحب انتاج غزير في هذا المجال ويحظى بشعبية كبيرة وقبول عند الأطفال،

كما أنه حقق جماهيرية كبيرة من خلال عمله في المسرح وفي التلفزيون، وقدمنا سوياً «أبو شلاخ» و«أبو عابد» لتلفزيون الشارقة، وكانت تجربة ناجحة حققت صدى طيباً عند المتلقي وأبو عابد فنان ملتزم ومجتهد، ومن المستحيل أن يرفض المشاركة في أي عمل يعرض عليه، وهو لا تعنيه التصنيفات أبداً، تراه في دبي، وفي العين، وفي رأس الخيمة، وفي مسقط،

وفي أي مكان يطلب فيه ليقدم أعمالاً فنية، وهو إنسان حبوب وعطوف جداً يساعد الأصدقاء والغرباء على حد سواء وقدم الكثير من الفنانين وساعدهم إلى أن ثبتوا أقدامهم على الساحة، والحق أنني لم أره غاضباً في حياتي فهو صاحب نكتة، ومشهور بطريقته في الترحيب بالأصدقاء خصوصاً بعد الغيبة الطويلة، أتمنى لأبو عابد دوام التوفيق وأحب أن يكون متواجداً باستمرار في مهرجان الطفل.

أما الفنان عبدالله الجفالي فيقول: عبدالله أبو عابد فنان مشهود له بالكفاءة والإخلاص وهو ملتزم بمواعيد البروفات وأكثر ما يزعجه أن يتأخر أحد عن المواعيد وأنا لمست هذا الشيء من خلال تجربتي فقد عملت معه في عدة أعمال، ووجدته حريصاً على أن يخرج العمل في أبهى صورة،

وعلى المستوى الإنساني يظل أبو عابد الفنان الذي لا يتأخر عن مساعدة الشباب وتقديم النصيحة لهم، كذلك الحال بالنسبة للمساعدات التي يقدمها لأشخاص خارج الوسط الفني، فهو يخجل أن يرد أحداً هو قادر على مساعدته، ومن كل قلبي أتمنى له التوفيق والنجاح في كل ما يقدمه للفن وللفنانين..

عز الدين الأسواني