على محياها تنام طفلة الجنوب اللبناني، ما زالت هناك على الرغم من مرور السنين الطويلة، تفتش في الذاكرة عن لعبتها وأرجوحتها بين أشجار التوت، تفتش عن رائحة الياسمين التي عطرت دماءها، وعن تراب صاغ عشقها لجماليات الطبيعة والحياة، من أرز لبنان استمدت صلابتها، ومن هواء النبطية امتلأت رئتاها صدقاً مع النفس ومع الآخرين، لها مع الحرب الأخيرة تجربة قاسية تركت مسحة من الحزن لا تفارق جبينها.

كانت الطفولة وشقاوة الصغار، والقفز على ظهور الخيل والجري في ملاعب الكرة الطائرة كانت تلميذة محبوبة من الجميع، ورياضية نشطة سباقة، وها هي إعلامية متمرسة في العمل الصحافي، خاضت غمار المهنة مع الصحافة المكتوبة ورصدت العديد من السبق الصحافي، قبل أن تستقر في تلفزيون دبي معدة للبرامج، وكان آخرها برنامج وجوه عربية. ختام بيطار تفتح أول صفحة من كتاب سيرتها الذاتية تفضل عن الطفولة.

شقاوة الأطفال

كانت الستينات بأجوائها الحميمية تخيم على منطقة النبطية في الجنوب اللبناني، صغار يركضون بين الخمائل تتعالى أصواتهم معبرة عن مرح الحياة، كانت بينهم.. طفلة حالمة تتراقص جدائل شعرها مع كل قفزة تقوم بها، وعن هذه المرحلة تقول ختام: تفتحت عيناي على سحر الطبيعة في منطقة حباها الله بالخضرة والبساتين،

وشهدت ساحة بيتنا أول أيام طفولتي التي قضيتها معلقة على المراجيح التي كان يصنعها اخوتي الكبار ويربطونها في أغصان أشجار التوت في ساحة البيت، كنت الأصغر بين أشقائي الصبيان، لكنني لم أشعر في يوم من الأيام بغربة كوني بنتاً، بل كانوا يأخذونني معهم لألعب.

ولم يخرجوا يوماً من دوني، والحق أننا كنا عائلة كبيرة نسكن في بيت واحد، أربعة أشقاء أكبرهم كان متزوجاً ومنجباً أربعة صبيان، وهكذا وجدت نفسي بينهم، أمارس ألعابهم وأتفوق عليهم أحياناً، بل كنت قائدتهم مع أولاد الحارة عندما تلعب لعبة الحرب، كنا نصنع البنادق من أغصان الأشجار ونوزع أنفسنا في مجموعات وأقود إحداها، وما أذكره من تلك الفترة التي كنت محبوبة من الجميع في الحارة، يداعبني الكبار، ويحلو لهم أن يشاكسونني بمحبة كبيرة، كذلك كان اخوتي في البيت، عكس والدي الذي لم يهتم كوني البنت الوحيدة في الأسرة، كان والدي إنساناً جباراً يعمل في تجارة المواشي والعلف، غير أن الجبروت عنده لا يعني قسوة في طباعه، وإنما هو الحزم والصرامة اللتان كانتا تميزانه، فهو لم يضرب أحداً منا طوال حياته، بل ان السباب والشتائم كانت ممنوعة في بيتنا، سواء منه أو بين بعضنا البعض، وهذا انعكس على سلوكنا مع الآخرين.

أما والدتنا فقد كانت مسالمة همها الأول خوفها علينا، وحتى الآن لا أجد تفسيراً لذلك الخوف الدائم والزائد عن الحد، أما مشاكلنا الصبيانية مع أولاد الحارة فقد كان لوالدي رأي فيها، فان كنا مضروبين فهو يسخر من المضروب ويأتيه بكلمات قاسية، وإذا كنا ضاربين فهو ينظر إلينا ولا يعلق أبداً، وأذكر في إحدى المرات تشاجر أخي مع أحد أولاد الجيران، وكان أخي أصغر منه ولم يستطع التغلب عليه، فرميته بحجر شج رأسه حتى سالت دماؤه.

وما كان مني إلا أن سحبته إلى إحدى العيادات الطبية وتركته على بابها، في ذلك اليوم لم أعد إلى البيت حتى غروب الشمس، ومكثت مختبئة في الحقل حتى حان موعد عودة أبي من عمله، وكانت والدتي منزعجة بطريقة هيستيرية لغيابي، المهم أنني شرحت لوالدي ما حدث وكنا غير مخطئين، لم يعلق والدي أبداً على الحادثة واكتفى بأن طيب خاطر الجيران وتكفل بعلاج ابنهم.

وعلى هذا النحو كان هناك من يصفني بالطفلة الشقية، لكنني لا أرى ذلك، فقد كنت مسالمة وهادئة ومحبة للناس، ولا يعني أن أوصف بالشقية إذا ما دافعت عن نفسي وعن اخوتي، بل أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول انني كنت أدافع عن المهزوم في المشاكل، والبكاء هو عنوان المهزوم عند الأطفال، وهكذا كنت أقف إلى جانب الباكي حتى ولو كان مخطئاً، أما الألعاب التي كنا نمارسها في تلك الفترة فقد كانت مستوحاة من البيئة المحيطة بنا، وكان للمراجيح حضور بارز من بين الألعاب، وكنا أيضاً نلعب لعبة الحرب كما أسلفت، إضافة إلى ألعاب أخرى.

التدريب على إتقان التوازن

هكذا انقضت السنوات الأولى من طفولة ختام بيطار، لتبدأ مرحلة مغايرة فور التصاقها بمقاعد الدراسة، تقول: في مدرسة النبطية الابتدائية قضيت أجمل سنوات عمري، كنت محبوبة من جميع المعلمات، وكنت ذكية مجتهدة في دروسي، لم أسمع كلمة توبيخ من أحد سواء في المدرسة أو البيت، كذلك كنت مشاركة في أنشطة المدرسة الفنية والرياضية، غير أن الرياضة هي التي استحوذت على اهتمامي بصورة أكبر.

كنت أمارس رياضة الجمباز، ولفرط حبي لهذه الرياضة، كنت أسير على الجدران وأنا في طريقي إلى المدرسة في الصباح، كان نوعاً من إتقان الحفاظ على التوازن وهو أمر ضروري في رياضة الجمباز، وإضافة إلى ذلك فقد كانت حصة التربية الوطنية شاملة لأنواع متعددة للأنشطة المهمة، فقد كنا نتعلم الموسيقى والغناء وفن الاتيكيت والتعامل مع الناس، علاوة على حب الوطن، وكنت مشاركة دائمة في الحفل الذي يقام نهاية العام الدراسي،

وفي احتفالات عيد الاستقلال، بعد ذلك جاءت المرحلة الاعدادية في نفس مدرسة النبطية، كنت مستمرة في تفوقي الدراسي خصوصاً في مادتي الرياضيات والتاريخ، ولم يكن يلتف أحد لهذا التفوق في نطاق البيت سوى أخي الأكبر فواز، فقد كان يكافئ الناجح باصطحابه إلى السينما، وفي الاتجاه الآخر لم يكن يعاقب الراسب في بعض المواد اللهم إلا كلمات السخرية التي تناله.

غير ان المرحلة الاعدادية حملت معها متغيرات كثيرة أثرت في شخصيتي، فقد كنت فتاة حالمة تنظر إلى الحياة بقدر كبير من التفاؤل والرومانسية، لكنني فوجئت بدخول التوجهات الحزبية السياسية إلى فصولنا الدراسية عبر المعلمين بانتماءاتهم المختلفة، وكوني طالبة مجتهدة ومتفوقة على جميع الأصعدة، فقد كنت محط أنظار المدرسين الراغبين في استقطابي للانضمام إلى أحزابهم، كان الجنوب في تلك الفترة تغمره الاشكال الطبقية الاجتماعية التي تبلورت في اتجاهات سياسية.

ورغم ان الأهل كانوا يعارضون العمل السياسي، إلا إنني كنت أذهب مع المدرسين واحضر ندواتهم وأشارك في المظاهرات التي ينظمونها، وأذكر انني شاركت في ثلاث مظاهرات ولم يتجاوز عمري الرابعة عشرة في ذلك الوقت، وكانت مظاهراتنا ضد الدولة في مناسبات وطنية داخلية، وأخرى قومية من أجل فلسطين، لكن إحدى المظاهرات كانت بسبب اللغة الفرنسية.

فقد صدر قانون يستوجب رسوب الطالب إذا حصل على درجة أقل من المعدل ليعيد السنة من جديد في الثانوية العامة، خرجنا في مظاهرة تناهض هذا الإجراء، وفي تلك المظاهرة سقط اثنان من الطلبة، وأصبت أنا في رأسي عندما ضربني أحد رجال الأمن بكعب البندقية، والمفارقة التي أدهشتني في تلك الحادثة ان والدي أبدى سعادته وفرحته بمشاركتي الجريئة، في حين اعترض اخوتي بشدة على هذا الأمر.

على صعيد آخر مثلت المرحلة الاعدادية تفوقاً ملموساً لختام في مجال المشاركة الرياضية، فقد مارست العديد منها اضافة لممارستها للجمباز، وبعض هذه الرياضات كانت خطيرة لولا جرأتها، تقول: عندما كبرت اتجهت لركوب الخيل، وكان والدي يقتني الخيول ويخصص لها مكاناً منعزلاً، وكثيراً ما سقطت من فوق ظهور الخيل إلا إنني لم امتنع عن ركوبها.

وكان في الحارة أيضا بنات يركبن الخيل، والحق أنها رياضة جميلة، والتعامل مع الحيوانات وخصوصا الخيول يشعر المرء بسعادة كبيرة، وعموماً من يمارس رياضة الجمباز يسهل عليه ركوب الخيل، لأن في الحالتين هو بحاجة لأن يتقن فن الحفاظ على توازنه، وقد تألقت أيضا في ممارسة كرة الطائرة ضمن فريق المدرسة، واستطعنا أن نصل إلى الدور النهائي في مسابقات الأنشطة الرياضية المدرسية على مستوى الدولة، لكننا خسرنا المباراة بعد أن قدمنا عرضاً نال استحسان الجمهور المؤازر لنا.

السلاح الفلسطيني أفسد رومانسيتها

وتنتقل ختام بيطار إلى مرحلة الثانوية، وهي فترة عصيبة لم تأت أحداثها على هوى فتاة حالمة همها الاستمتاع بجماليات الحياة، تقول: في منتصف السبعينيات تغيرت الأحوال بسبب التوترات التي طرأت على لبنان لم يعد هناك أمان لا في البيت ولا في المدرسة، ومع دخول السلاح الفلسطيني أحسست بأن المتغيرات أفسدت رومانسيتي وأحلامي الوردية.

خصوصا أنني لم أنتم بعد لأي حزب سياسي رغم مشاركاتي سابقا في المظاهرات، وأنا بطبعي أكره صوت السلاح، وأكره السلاح نفسه، لأنني لا أؤمن بأن العنف يؤدي للحلول، في تلك الفترة بدأت ظلال الحرب الأهلية تخيم على سماء لبنان إلى أن بدأت بالفعل، وأصبح الإنسان والحيوان والشجر أهدافا لعبث مجاني ليس من ورائه أية فائدة، كان الموت المجاني جنونا، واستسهاله بعيداً عن الدفاع عن الوطن اعتبره ضربا من العشوئية غير المسؤولة.

وفي هذه الأجواء تحاملت على نفسي مضطرة إلى أن انهيت دراستي الثانوية، لم تعد النبطية كما كانت، وأصبح الجنوب ملوثا برصاص الغدر الذي يخرج في أي زمان ومكان مستهدفا حياة الآمنين، لم تعد أشجار التوت ولا أغصان الياسمين على حالها، ولم تعد شمس لبنان أيضا حانية علينا كما كانت، انتهت دراستي الثانوية، ومعها ماتت الياسمينة التي كانت تظلل طفولتي.

من النبطية إلى نيس

هكذا أطلت ذكريات الجنوب في حديث ختام بيطار، وبالطبع لم تنته الذكريات، غير أننا سنكمل المسيرة التعليمية لنذهب معها إلى فرنسا التي اختارتها لتكون محطتها لدراسة الطب، تقول: دراسة الطب كانت اختياري وبمحض إرادتي، ذهبت إلى فرنسا بعد أن قدم لي أخي هناك، واستعان بأصدقائه لأكون معهم في الغربة.

وبالفعل سافرت بمفردي وقضيت ساعات طويلة في السفر، كانت هي المرة الأولى التي أفارق فيها في الجنوب والوطن، وصلت إلى فرنسا في وقت متأخر من الليل، وعندما هبطت في مطار «نيس» اتصلت بأصدقاء أخي، كانت امرأة عجوز أعرف أنها تنام مبكراً، قالت إنها ستترك المفتاح أسفل الباب، ثم عاودت الطيران إلى مطار «موبيلي».

وهبطنا فجراً وعندما وصلت إلى البيت ودخلت غرفتي شعرت بغربة شديدة، ورغم الطقس البارد جدا والثلوج المنهمرة، خرجت لأجلس على أحد المقاهي علني أكسر حدة الوجوم التي انتابتني، ورويدا رويدا استطعت أن أخرج من هذه الحالة وانتظم في الدراسة، لكن ذكريات النبطية لم تفارقني أبدا، وحدث أن تركت الدراسة بعد عامين قضيتهما في فرنسا، فقد صنفوني في ذلك الوقت لأن أدرس الصيدلة التي لا أرغبها،

وعدت إلى لبنان لأدرس القانون في جامعة بيروت، وتخرجت من كلية الحقوق في عام 1981 في تلك الأثناء كانت الأوضاع في لبنان لا تطاق، وكان أخي يعمل في الإمارات في مجال المقاولات، فأرسل لي فورا لا لتحق به، وكان صعبا على نفسي أن أظل بدون عمل، فبحثت حتى توفقت بالالتحاق بجريدة «الخليج» في نفس العام، ولأبدأ من يومها تجربتي الصحافية في الإمارات.

.. وإلى الإمارات

وتضيف ختام: من خلال عملي في الصحافة استطعت أن أقرأ وأرصد هموم المواطن الإماراتي، وكتبت تحقيقات صحافية كثيرة معظمها من المناطق النائية، والحق أنني وخلال احتكاكي بالشارع الإماراتي خرجت بانطباعات جميلة عن هذا الشعب الطيب، وتوطدت علاقتي بالمثقفات الإماراتيات فكونت صداقات جميلة مع الشاعرة ظبية خميس والزميلة الإعلامية منى مطر والزميلة هالة معتوق التي كانت تعمل في الأزمنة العربية.

واستمر عملي في جريدة الخليج حتى عام 1989، التحقت بعد ذلك للعمل في تلفزيون الشارقة معدة برامج، واستمريت هناك حتى عام 1993، انتقلت بعدها للعمل في التوجيه المعنوي بشرطة دبي، وكنت أقوم بعمل أفلام وبرامج تلفزيونية وإذاعية في مجال التوجيه المعنوي، واستقر بي المطاف في النهاية على تلفزيون دبي منذ عام 1997 وحتى الآن، وأعددت خلال هذه الفترة عدة برامج آخرها برنامج «وجوه عربية».

وأنا أعتبر نفسي محظوظة بالعمل في الإمارات وخصوصاً أنني عاصرت فترة الثمانينات الجميلة، وقد أفادني الاحتكاك بصحافيين ومثقفين في تلك الفترة، وانعكس ذلك على تجربتي المهنية والحياتية أيضاً، ورغم مرارة الغربة التي قد يشعر بها المغترب عن وطنه، إلا أن الإمارات الآمنة تعيد للإنسان بعضا من توازنه، وهذه حقيقة يشعر بها كل مقيم على أرضها، أما بالنسبة للرياضة في حياتي فأنا مازلت أمارسها حتى الآن في المشي، وكنت حتى وقت قريب أمارس رياضة الكرة الطائرة مع عائلات لبنانية، كذلك كنت أمارس الرياضة على دراجة هوائية قبل فترة وجيزة.

بقيت حكاية الحرب الأخيرة على لبنان، والتي تركت آثارها المحزنة على قسمات وجه ختام فتقول: كنت ذاهبة إلى لبنان في إجازتي السنوية وفي اليوم الأول من وصول النبطية اندلعت الحرب، عشرة أيام قضيتها هناك، لم نكن نستطيع التنقل ولو لبضعة أمتار، الحرب قاسية والجميع يعرف ذلك، لكنني بصفة خاصة أكرهها، وأكره السلاح وصوته، فلم يكن أمامي بدا عن أن أخرج بصحبة والدتي، عدت الإمارات وتابعت بقية أيام الحرب وأنا شاردة، ناران يكتوى المرء بهما، المكوث مكتوف اليدين وسط نيران الحرب، والشعور بالأسى والخيانة لأنه ترك أناسا يحبهم وفر إلى شاطئ يظن أنه آمن، غير أن الأمن تحيا به النفوس في سلام وفي أي زمان ومكان.

إنسانة حساسة

تقول منى مطر: أعرف ختام منذ سنوات طويلة، أيام كنت أدرس في الكويت، وتوطدت علاقتي بها بعد عودتي إلى الإمارات، وختام إنسانة مرهفة وحساسة للغاية، حالها حال المثقفين المتفردين الذين ينظرون إلى الأحداث بعين مغايرة، وهي صحافية ممتازة عاصرت الزمن الجميل في العمل الصحافي الإماراتي، وأنا لم أجد في حياتي صدقاً مع النفس ومع الآخرين كما وجدته في شخصيتها وانطلاقاً من هذا الصدق، فإن ختام لم تقدم طوال حياتها المهنية أية ولاءات لشخص أو لجهة، وإنما كانت تقوم بواجبها وعملها بالطريقة التي تراها مناسبة، وهي مجتهدة لأبعد الحدود، لا تعرف المستحيل ولم يتطرق إلى نفسها اليأس إذا ما أرادت أن تفعل شيئاً صعباً، ونحن على تواصل مستمر حتى الآن ونلجأ إلى بعضنا لنأخذ النصيحة والمشورة في الأمور الشائكة التي قد تمر بها أحداثنا، غير أن الفترة الأخيرة وظروف الحرب قد أثرت على نفسية ختان، وهذا أمر طبيعي لأنها وإضافة لكونها محبة لوطنها، فهي أيضاً إنسانة حساسة تزعجها الحرب ولو كانت بعيدة عن بلدها.

عز الدين الأسواني