عرفت الحواضر والمدن الإسلامية، دور الكتب التي تفتح أبوابها لجمهور العلماء والباحثين، لأهميتها ودورها في إيجاد أرضية معرفية وثقافية، تساهم في رفع سوية الوعي العام وتكرس قيم المعرفة وحب التعلم، خصوصاً وأن مكانة العلماء وفقهاء الدين والشعراء، كانت هي المكانة الأولى عبر تاريخنا الطويل، وتلك القيم رسخت مفاهيم خاصة على امتداد حقبات طويلة جعلت من نسخ الكتب وتداولها وحفظها وانتشار دور الكتب والورّاقين، ظاهرة أساسية وحاجة ضرورية لأي تجمع إنساني وفي أغلب الحواضر التي شيدها العرب،
ولمعرفة بعض التفاصيل المتعلقة، بوجود المكتبات القديمة في إمارة عجمان، سواء مكتبات أفراد، أو مكتبات عامة، كان لـ «مرايا البيان» هذا الحوار مع الباحث والشاعر علي المطروشي، الذي كان قد بذل جهداً كبيراً في متابعة أصول المكتبات ومؤسسيها وأصحابها ممن ساهموا بنشر الثقافة الإسلامية في عجمان وعموم الإمارات.
وهو يرى أن الأمية كانت منتشرة بنسبة كبيرة في الدولة، مما قلص انتشار الكتب، في حين كانت الكتب تجلب من الخارج، من الدول التي كان البعض يذهب للعمل فيها، فكان بعض الأشخاص يطلبون تزويدهم بأنواع مختلفة من الكتب من البحرين، قطر، الكويت، السعودية والبصرة ومن بلاد الشام وبومباي، وحتى من زنجبار التي كانت خاضعة للحكم العماني وكانت بها مطابع عربية.
والعديد اقتنوا الكتب الدينية والتاريخية والطبية مثل كتب ابن سينا، ومجربات الديربي، وكتاب الرحمة في طلب الحكمة، تذكرة داوود الأنطاكي، بالإضافة إلى كتب السيرة والأدب الشعبي مثل (أبوزيد الهلالي، الزير سالم). وكان الأدباء يدونون القصائد الشعرية في دفاتر خاصة فتكونت لديهم مجاميع شعرية والعديد منهم كانوا يحفظون هذه الكتب.
ويتابع أن مع النهضة الاقتصادية في الإمارات وانتهاء فترة الغوص حدث احتكاك ثقافي واسع، وأصبحت الشريحة المتعلمة تتسع وتكبر نتيجة ظهور التعليم النظامي، ووفود العديد من الأقطار العربية ممن توفرت لديهم الثقافة وكل هذا ساهم في إثراء الحركة الثقافية وتعميقها وظهور مقوماتها وحيثياتها ومن أهم المكتبات:
مكتبة الشيخ عبدالكريم بن علي البكري
وهو أحد المطاوعة النجديين الذين وفدوا إلى الإمارات الشمالية منذ مطلع القرن التاسع عشر، ولد في بلدة البكرية في القصيم بحدود 1873م وتلقى علوم الدين في الرياض ومن ثم سافر إلى الهند ومكث فيها عدة سنين تبحر خلالها في علم الحديث،
وبعد انتهاء دراسته جلب معه عدداً من الكتب الشرعية المطبوعة في الهند والتي كوّنت نواة مكتبته والتي احتوت على مجموعة زاخرة من كتب الفقه والحديث والتفسير ومنها الصحاح الستة وموطأ الإمام مالك وكتاب الأم للإمام الشافعي وتفسير ابن كثير وابن جرير والطبري وغيرها من أمهات الكتب،
وكانت الكتب مصفوفة في رفوف الغرفة التي يقيم فيها بمدرسة (الفتح) في عجمان والتي كان مديراً لها، وفي أوائل عقد الأربعينات انتقل الشيخ عبدالكريم إلى الشارقة وأودع كتبه عند جاره المرحوم خلفان بن سيف سالم المطروشي، ثم استرد ابن أخيه تلك الكتب المودعة.
مكتبة الشيخ عبدالله بن محمد الشيبة
وهو أحد طلبة العلم الذين أتيح لهم مواصلة التعليم، فقد كان في أول بعثة تعليمية إلى قطر أرسلت لمتابعة التعليم عن طريق المدرسة التيمية المحمودية، وقد تلقى تعليمه في المدرسة الأثرية بقطر على يد الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع التميمي.
وبعد عودته انضم إلى صفوف علماء الإمارة، وتسلم فيها القضاء بعد انتقال الشيخ البكري إلى الشارقة، وقد جلب معه بعض الكتب من قطر وفي حوالي 1935 ذهب لأداء فريضة الحج برفقة الشيخ راشد بن حميد النعيمي حاكم عجمان رحمه الله فذهب لتهنئة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود لنجاته من محاولة اغتيال تعرّض لها في الحرم المكي، وقد طلب الشيبة تزويده ببعض الكتب الشرعية، فأرسل له الملك صناديق مملوءة بالكتب.
وبعد وفاته عام 1988 قرر أبناؤه تحويل منزله إلى مكتبة عامة وأضيفت إليها أعداد كبيرة من الكتب، حيث تضم المكتبة مجموعة قيمة من نوادر الكتب.
مكتبة الشيخ حميد بن صالح الغانم السويدي
والشيخ السويدي من مواليد إمارة عجمان، تعلم بها القرآن الكريم وأصول القراءة والكتابة ثم انتقل إلى بلدة الحيرة في إمارة الشارقة، والتحق بالمدرسة التيمية المحمودية وبعدها عاد إلى عجمان لتسليم عدة مناصب دينية، وقد تمكن من تكوين مكتبة تضم كتب العلوم الشرعية واللغوية والأدبية والتاريخية، كما آلت إليه كتب خاله علي بن حميد بن علي الشامسي إلى جانب شرائه الكتب العديدة من البحرين والكويت وعدن.
مكتبة الشيخ علي بن ماجد العمراني
ولد في بلدة الحيرة في الشارقة عام 1918 وسافر في شبابه إلى عدد من الأقطار لطلب العلم كنجد واليمن وعُمان، كما زار العراق وبلاد الشام وكانت له مكتبة كبيرة متنوعة المواد كالعلوم الشرعية واللغة والأدب والشعر والاجتماع والفلك والطب، كما ضمت نوادر الكتب التي كان قد جلبها معه في أسفاره الكثيرة، وقد بلغت حوالي ألفي كتاب، تفرقت بعد وفاته على بعض معارفه من رجال الأدب والعلم وأودع قسم منها في إمارة الشارقة، وكان هنالك العديد ممن ضمت بيوتهم مجموعات من الكتب من أمثال الشيخ حمد بن غانم الشامسي، الشيخ عبدالله بن حميد بن ثاني سيف بن ماجد بن سالم المطروشي، راشد بن خصيف بن مصبح، ناصر بن محمد بن ناصر الشامسي، الشيخ حمد بن محارب المطيري، وإبراهيم بن الشيخ نصار الشمري.
أول مكتبة عامة في عجمان
في مطلع الستينات ظهرت مكتبة ابن تيمية الإسلامية بجهود بعض الأفراد المهتمين بنشر الوعي والثقافة الإسلامية من أمثال الشيخ علي بن حميد بن سعيد المعمري والشيخ حمد بن يوسف بن عاصي الشامسي وراشد بن عبدالله الشامسي وخلف بن سلطان بن غدير، ماجد بن غانم بن زايد النعيمي، يوسف علي غانم بن زايد النعيمي، حيث استأجروا شقة في بناية يوسف بن ناصر النعيمي قرب مسجد الكيتوب في الضريح الشرقي، وقاموا بتزويدها بالكتب التي كانت بحوزة كل منهم، وكانت المكتبة تفتح أبوابها بعد صلاة العصر وحتى أذان المغرب يفتحها أحد المؤسسين يومياً، ولكن لم تستطع هذه المكتبة الاستمرار أكثر من عام واحد لقلة روادها، وضعف الإمكانات المطلوبة وعدم توفر موظف مختص، لذلك فقد تقرر إغلاقها، وعاد بعض محتوياتها إلى أصحابها في حين نقلت أعداد منها إلى مسجد علي بن خلفان الشاقوش.
مكتبات الأندية
في عام 1963 تأسس نادي النصر في عجمان وهو ناد رياضي ثقافي يدين بتأسيسه إلى حمد محمد بوشهاب، سالم عبيد سيف، إبراهيم محمد صالح، والفنان عيد جوهر الفرج، ومنذ إنشائه تم تأسيس مكتبته الخاصة، فتم تزويدها بالكتب المتنوعة وعدد من الدوريات المصرية واللبنانية مثل: المصور، الحوادث، آخر ساعة وبعض الصحف المحلية، مثل الاتحاد، الشروق، أخبار دبي، وكان للنادي أنشطة مصاحبة تقوم بها المكتبة مثل إصدار مجلة حائط بعنوان «الرسالة» يشترك أعضاء النادي في كتابة موادها، وكانت المكتبة مفهرسة ومصنفة.
مكتبة نادي الشعلة: تأسس النادي بعد انشقاقه عن نادي النصر عام 1968، فقام مؤسسو النادي بمخاطبة الجهات الرسمية في كل من قطر والسعودية لتزويد المكتبة بأنواع مختلفة من الكتب، وكان للمكتبة أنشطة مصاحبة أيضاً كمجلة الحائط الأسبوعية، والاشتراك بالدوريات والصحف، وبعد دمج أندية عجمان في نادي عجمان الرياضي الثقافي عام 1974 ضمت محتويات مكتبات الأندية إلى المكتبة الأم.
وبعد قيام الاتحاد وحدوث النهضة الكبيرة التي عمت الإمارات والتي انعكست على الحياة الثقافية بشكل كبير، ظهرت العديد من المكتبات بأنواعها المختلفة وساهمت بنشر الوعي، وتعميق الهم الثقافي والمعرفي.
إسماعيل الرفاعي


