حياة غنية ببساطة، وحافلة بالمعنى الذي تقوم عليه الأيام ، وهي تدور وتدور، فتمر بتضاريس الحياة ودروبها، التي تفرعت وتشابكت، مشكلة سيرتنا وحكايتنا ، ونحن نتلمس أنفسنا مرة ونتوه عنها مرة أخرى. فلا ندري، هل يمكن استردادها عبر أحاديث الذكريات أو يمكن الوقوف عليها في نفس عميق يعود بنا إلى هواء حارتنا القديمة والناس الذين مروا، ومازالوا في الذاكرة بروائحهم ، ووميض عيونهم المغلقة على صورة ضائعة، وحكمة مبددة.

عمر نحياه دون أن نشعر به وقد أفلت من خلايانا، وزمن عبرنا على غفلة منا. وقد نعثر في الحياة على أشخاص شغلوها دون أن تشغلهم، وعاشوا بها دون أن تنال منهم، فمازالوا يتمتعون بحلاوتها، وهم يقبلون عليها في مطلع كل فجر.

وخليفة بن قصمول رجل عارك الحياة دون أن يشعر بعبئها، أو يناله التعب. رجل منذور إلى يومه وعمله، عاش ببساطة ومازال يردد حكايات وأشعار ذويه في البر والبحر التقيناه في بيت النابودة العريق، فحكى لنا بعضاً مما لديه وهو يضحك تارة ويغني تارة أخرى.

غيص كاطع وحمسة

ولدت في فريج الخان وكان أبوي بحار وغيص كاطع والغاصة نوعان غيص وغيص كاطع واول الغيص الكاطع غير والنوخذة يعطوهم أزود عن باقي الغيص وكان عندهم قوة ونفسهم طويل، ومرة كان رحمة الوالد في مركب صيد مع الربع ولمحوا حمسة (سلحفاة)، مدت راسها من المي علشان تتنفس، وصاح البحارة ياسيف في حمسة طلعت من البحر، وبسرعة غاص وتلاقى وياها وزخها (مسلقاية) على الظهر، وراح بن قصمول يمسكها ويجرها إلى أن تناولها اصحابه، وحملوها في الباخرة وتعشوا بيها.

نهاراً على البر وليلاً في البحر

الناس الأول قلبهم مرتاح، عملت 45 سنة في النهار مع الشركات، وفي الليل في البحر. عملت سنة ونصف في مطار الشارقة القديم ، واشتغلت في ميناء خالد 7سنوات ورجعت للعمل في المطار قبل انسحاب بريطانيا ب12 سنة، وحين خرج الإنجليز لم يأخذوا معهم شيئاً تركوا أثاثهم وفرشهم وأدواتهم ومضوا بهدوء وكان الإنجليز كلهم في المحطة محاطين بسياج وهناك حرس وقوات عسكرية وكلاب بوليسية ولهم ثلاثة أبواب محروسة بالشرطة وكنت تدخل لهم بورقة وتخرج بورقة.

ويتابع .. نحن لم نؤذهم أكلنا معهم وشربنا معهم، المهم عملت بعدها في شركة «إيل فل» في الشارقة وكانوا يتصلون بينا عند الحاجة. وكانوا إذا عملت عشر دقائق بعد الساعة 12 يحسبون لك 4 دراهم ثمن وجبة الغداء. ثم خلصت وبقيت سنة دون عمل وبعدها اشتغلت حارس في وزارة الصحة في الحكومة وتميت اشتغل عن 3 أنفار وزرعت في العيادة كل أنواع الزرع . ثم طلعت تقاعد بعد شغل27 سنة لم آخذ خلالها إجازة مرضية أو سنوية ولم آخذ حبة بنادول واحدة..

في أول حق الصيد أنواع كثيرة من الأدوات خاصة بكل نوع من أنواع السمك «العومة والقرفة والكنعد والحداق» وإذا كان الوقت ليلا وماشي قمر تصبح الأسماك ملتمعة مثل النار تحت الماء ونسميها (وري)

شجار وسط البحر

ثم راح يحدثنا عن حكايته مع شقيقه الذي كان يكبره بسنتين وكانا قد خرجا للصيد سوية قبل مطلع الفجر على قارب يبلغ طوله حوالي أربعة أمتار وتوغلوا عميقاً في الشندغة بمسافة تبعد من 15 ـ 20 كم، وحدث أن تشابكت خيطان الصيد وتداخلت، فغضب الأخ الأكبر وأخرج عصا وراح يؤنب خليفة وهدده بالضرب إن لم ينتبه مرة أخرى على خيطه، ثم رد عليه وحدثت مشادة بينهما ولم يكن من خليفة إلا أن ألقى نفسه في البحر وراح يسبح باتجاه الشاطئ وصاح عليه «انشا الله ياكلك سمك القرش».

وبعد قليل راح شقيقه يبحث عنه ولم يعثر عليه فتوجه إلى البيت وقد استغرقه الوصول عدة ساعات. وحين سأله والداه عن أخيه روى لهم الحكاية، فأصابهم الخوف والهلع، وبعد حوالي ساعتين وصل خليفة إلى أهله سالماً بعد أن سبح حوالي خمس أو ست ساعات وعلى نفس واحد. ثم روى لأهله أصل الخلاف مع أخيه فانتقم له أبواه انتقاماً شافياً من أخيه.

طائرة الهليكوبتر والنوم أثناء السباحة

ومن حكاية إلى أخرى حتى وصل بنا إلى حكايته مع طائرة الهليكوبتر وغفوته أثناء السباحة: في ذاك الوقت يانا سمك وايد وظلينا حوالي أسبوع ليل نهار نصيد وعشر دقايق مانمنا وقلنا لحالنا لازمن نظل نصيد ويمكن بعد سنة ما نحصل على هالسمك ، وكنا نصيد في الليل «قرفة» وفي النهار «عومة» ساردين، وبعد أسبوع صار البحر شمالي وزعلان وهاج الموج فردينا أهلنا يوم الخميس ضاوي الجمعة. ولما وصلت البيت الأولاد ودهم يصيرون البحر وقلتلهم الحين تعبان خلوني أرتاح وانام ساعتين وبعدين اوديكم البحر ومارضوا وامهم شدت وياهم بعد.

صرنا البحر وهناك في الطرف الثاني من الخور شافني (جاسم) أخوي بالرضاعة وناداني على الريوق وخليت الأولاد على السيفة (الشاطئ) وصرت جاسم تريقت خبز ودبس ورجعت، وأنا راجع اسبح على ظهري والبحر هادي ولاحار ولابارد خذتني النومة وانا اسبح وطفت والماي ياخذني وعيالي فكروني ميت.

وذاك الوقت كان تجي دوريات هيلكوبتر على البحر وفزوا عيالي وهم يشاورون علي ودارت فوقاي الطيارة مرة ومرتين وفكروني ميت ونزلوا حبل فيه عسكري وفزيت اشوف البحر طار علي وهو اتحرك من المروحة، وحين شفت العسكري نزلت في البحر على طول، وطلعت بعيد شلت حجر وفريتهم وقربوا مني قالوا انت حي واللا ميت.