عشق فن الخط منذ طفولته البعيدة، وتشرب هذا الفن حتى تماهت حياته مع سيرة الحرف، منذ أن كان يجلس القرفصاء في السادسة من عمره، مراقبا والده الذي كان يكتب النسخ بحبر الزعفران، والذي لاحظ انشداد ولده إلى هذا الفن، منخطفاً ومتأملاً تلك الحروف وهي تتشكل بطريقة أخاذة، فحاول مراراً تقليد ما يراه، واستخدام أدوات الخط دون دراية، حتى علمه والده استخدام (السلاية) بالطريقة الصحيحة، وعلمه أن الحرف العربي هو ثقافة وتاريخ وحاجة أساسية من حاجات اللغة وأنه مقدس لارتباطه بالقرآن الكريم، وكان والده صاحب علم شرعي في المذاهب الأربعة وحتى في الفلك.
وتعلم أيضاً أن للحرف العربي شفافية وجمال. هكذا قرأ علي ندا الدوري الخط وظلاله، وتلمّس باكراً الدرب الذي ينتظره، والمصير الذي سيمضي به حتى آخر قطرة حبر تتقاطر من ريشة الخط وقصب الروح، وباكراً تنبه إليه أساتذته في المرحلة التأسيسية، وأولاه اهتماماً خاصا لما أبداه من مهارة في الرسم والخط، وشغف للمعرفة والاطلاع.
ترعرع في فضاء مشبع بالجمال في قضاء الدّور الذي يقع على ضفة دجلة مابين سامراء وتكريت، والذي سمي بالدور لكثرة دور العلم فيه، هناك تلقى تعليمه وتبلورت ميوله ليصبح فيما بعد من الخطاطين المُجيدين الذي برزوا بإسهاماتهم الخطية المتميزة، وتأسيسهم العديد من المعاهد التخصصية في فن الخط والرسم، إلى جانب الدور التعليمي البارز الذي قدمه من كتابة كراريس الخط، إلى المشاركة في المشهد الفني والإبداعي في العالم العربي والإسلامي.
المدرسة الأولى هيئة المساحة هي مدرستي الأولى التي تعلمت فيها الخط وتأصلت خبرتي، هكذا يصف الدوري تجربته في هيئة المساحة العامة، ويعتبر أن التحاقه للعمل في تلك الهيئة ولما يبلغ السادسة عشرة بعد والتي اضطر للالتحاق بها أن يزيد عامين على عمره الحقيقي، كان الخطوة الحاسمة في حياته التي انصقلت فيها تجربته وتبلورت شخصيته، فهناك التقى بالخطاط الكبير هاشم البغدادي الذي كانت كراريسه لتعليم الخط موزعة في أصقاع الوطن العربي يحتضنها الصغار والكبار، وقد كان مهاب الجانب ومعطاء لا يبخل على أحد بأسرار فن الخط الذي تربع على عرشه.
هناك وجد الدوري نفسه بين عمالقة العلم والخط من أمثال وليد الأعظمي الذي كان مؤرخا وشاعرا وأديبا وكان يعتبر شاعر العراق وهو عضو المجمع العليم إلى جانب كونه خطاطا بارعا، ومهدي الجبوري وزهير يونس الموصلي وحبيب الخفاجي وعبد الكريم رفعت وعصام الصعب.
ويرى الدوري أن وجوده بصحبة أولئك العمالقة دفعه إلى مواصلة التدريب وتكثيف ساعات الكتابة، فالهيئة كانت بمثابة منتدى فكري وملتقى للخطاطين الذين يفدون من كل المحافظات، وكانت تشتمل على مسابقات في الخط وفي التحكيم، وهذا ما يحفز المرء ويدفعه للتعرف على المزيد من أنواع الخط وعلى مختلف الأساليب والطرق والتقنيات المتعلقة بفن الخط.
أما عن المدرسة التي اعتمدها الدوري والذي لايزال محافظا عليها فهي المدرسة البغدادية التي ابتدأت مع الخطاط محمد بن علي بن مقلة بن زير العباسي، والذي لقب بالمهندس لأنه هندس الحرف وسمي الخط في عهده بالخط المنسوب.
ورغم تأثير المدرسة التركية في الخط إلا أن الدوري لم يتخل عن مدرسته البغدادية التي تتلمذ فيها على خطاطين كبار، وسكنت خلاياه حتى باتت جزءا من مكوناته الروحية والجمالية.
خطاط «البيان» الأول
بتاريخ 19/1/1979 قدم الدوري إلى الإمارات ليعمل خطاطاً ورساما للخرائط الهندسية في مكتب استشاري هندسي، واستمر في العمل حوالي أربعة أشهر حين علم أن جريدة اسمها (البيان) ستصدر قريباً وهي بحاجة إلى خطاط، وبالفعل يلتحق للعمل فيها دون اختبار فقد وافق على تعيينه جلال الرفاعي المدير الفني في «البيان» آنذاك بمجرد رؤيته لأوراق التقديم.
وكان مبنى الجريدة قرب بداية جسر آل مكتوم في ديرة، يقول: في تلك الأيام بذلنا جهدا كبيراً في الجريدة، فقد كنت أتواجد حتى ساعات الفجر، لكتابة العناوين وكنا لا نتجاوز 15 شخصاً حتى انتقلنا إلى الموقع الحالي للجريدة وقتها بدأت بالتوسع وجلب الخبرات والتقنيات اللازمة التي حققت التطور السريع.
وبعد مضي عام واحد يترك الدوري العمل في الجريدة ليلتحق بوزارة التربية والتعليم ولتبدأ مسيرته في إغناء مناهج التعليم بكراريسه الخطية حيث كتب أربعة مساقات في الخط، مساقان للرقعة، ومساقان للنسخ.
ففي بداية عمله في وزارة التربية والتعليم كان خطاطا في إدارة الوسائل، ثم عين في مركز الخزف بثانوية العروبة لينتقل بعدها إلى إدارة المناهج ليكون خطاطا وأمين مكتبة في فترة تزامنت مع الإعداد لتأليف المناهج، فساهم بخطوطه في العديد من الكتب بالإضافة إلى كتابة كراسة الخط والإملاء بخطي النسخ والرقعة.
أول معهد لتعليم الخط في الإمارات
إن شغفه بالخط ورغبته الكبيرة في تعليم هذا الفن إلى أكبر شريحة ممكنة، جعلته يفكر بتأسيس معهد للخط، يستطيع من خلاله أن يضع خبرته وتجربته بين أيدي الطلبة والدارسين، ويتيح له تحقيق مشروع حياته في تأصيل قواعد هذا الفن الأصيل الذي ارتبط بهوية وتاريخ الفن الإسلامي، فكان تأسيس معهد الخط العربي والفن الإسلامي والذي كان موقعه في إمارة الشارقة، وكان بمشاركة الفنان ياسر الدويك. وهو أول معهد يعنى بشؤون الخط العربي وكان يدرس الخط العربي، تاريخ الخط، التقنيات، والفن التشكيلي، وعلوم الحاسوب.
وقد شهد إقبالاً كبيراً ودرّس فيه الخطاط صلاح شيرزاد وتاج السر حسن في مادة الخط وعلاء القيسي وقبله ياسر دويك في مادة الرسم والتقنيات.
ومن الدارسين محمد خلفان ومحمد سعيد الأفغاني، وقد أجيز المعهد من قبل وزارة التربية. وذاع صيته وكان النواة التي انطلق منها تعلم الخط وتطوره وتبلور الاهتمام فيه. ويتابع الدوري ضمن سرده عن سيرة الخط وتأصيله قائلاً: من اللطائف في حاضنة التاريخ في عام 1995 أثناء افتتاح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، المعرض السنوي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، أن سألني سموه عن أخبار المعهد وعن سير الأمور، فأجبته، أن الأمور جيدة والحمد لله، ولكن حتى يتطور المعهد ويؤدي دوره على الوجه الأتم، فهو بحاجة إلى مباركة كريمة من سموك، وقد أبدى سموه الاستعداد الكامل للمساعدة، وأردف بأن مثل هذه الأمور تحتاج إلى جلسة فيما بيننا، وأضاف سموه: أريد أن أتتلمذ على يديك.
وكانت بادرة كبيرة من سموه وتواضعاً جماً وروحا عالية في تقدير الفنون الإسلامية الأصيلة والإعلاء من شأنها وهذا ما أثبتته الأيام حين منحني سموه الثقة الكبيرة في الإشراف على دورات تعليم الخط في بيت السركال أولاً، ومن ثم في موقع المركز العربي للفنون، ومع ازدياد عدد الطلاب وازدياد الإقبال على الدورات أمر سموه أن ينتقل معهد الخط العربي والزخرفة إلى ساحة الآداب في المريجة، والتي أمر بتحويل اسمها إلى ساحة الخط.
وبدأ المعهد يتوسع ويتطور وتزداد أقسامه، وأصبح دوره في نشر تعليم الخط واستقطاب الخطاطين والمبدعين والطلبة المهتمين واضحاً وملموساً، وتطور الحراك الفني واتسعت رقعة المعارض الخطية والمشاركات الفنية في الدولة، ويضيف الدوري بأن، المعهد اتبع القواعد الأكاديمية والأسس المنهجية الصحيحة لتعليم الطلبة والموهوبين.
ثم أخذت البنية الهيكلية لمرافق الخط تتطور وتتنامى، فقد أمر صاحب السمو الحاكم أمد الله عمره، بإحداث متحف الخط العربي والزخرفة الذي يحتوي على العديد من اللوحات الخطية لكبار الخطاطين المعروفين، وإحداث بيوت الخطاطين، وبيت الخزف.
كل ذلك والمعارض الخطية التخصصية في تنام، فقد أصبح معرض المرئي والمسموع أحد الثوابت الأساسية في أنشطة دائرة الثقافة والإعلام المعنية بفنون الخط، ثم أعقبه ملتقى الشارقة الدولي لفن الخط العربي الذي نجح باستقطاب كبار الخطاطين من العالم العربي الإسلامي، ومثّل تظاهرة إبداعية غنية على المستوى الدولي.
ولعلي ندا الدوري العديد من الإسهامات الأخرى في حقل الخط إلى جانب مشاركاته في جميع معارض الخط في الدولة، ومشاركاته باللجان العليا والتحضيرية للملتقيات والندوات، فقد صور حوالي 90 حلقة تلفزيونية تعليمية،بثتها فضائية الشارقة، تضمنت دروس الخط في الرقعة والديواني الجلي والنسخ وعرضا لتاريخ الخط وأعلامه بالإضافة إلى المعلومات التقنية عن الحبر وكيفية صناعته وطلاء ورق الخط وأنواع القصبات وكيفية بريها.
إسماعيل الرفاعي



