السفر في قاموسه يعني الانفتاح على ثقافات أخرى، والتعرف على عادات الشعوب والمطارات يمثل له جرس الاكتشاف الذي يدق معلناً الانطلاق إلى مغامرة جديدة. هذه رؤية تضرب جذورها من زمن الطفولة المفعمة بحب المعرفة.
ثم تأتي الدراسة في كلية العلوم والسياسة وحصوله على ماجستير في العلاقات الدولية لتبلور هذه الرؤية في رحلات سياحية يصادق العامة ليستفيد من معلوماتهم عن بلدانهم، ويقضي النهار سائراً على قدميه متنقلا بين الشوارع مستمتعاً بالتفاصيل الصغيرة. المطاعم الفخمة لا تستهويه، وكذلك الفنادق الكبرى، أما الملاحظة المهمة فهي اعتماده على عينيه، وذاكرته لتسجيل اللقطات والمناظر لتستقر في وجدانه مكونة انطباعا حقيقياً لما يراه، وهو بذلك ينفي اعتماده على الكاميرا إلا في مرات قليلة، هكذا يوجز خالد عبدالحميد طقش تجاربه في السفر.
ها نحن إلى البدايات نعود، يوم أن كان طفلاً في مدارس خانيونس، يشارك بانتظام في الرحلات المدرسية المنطلقة للتعرف على أرض الوطن من شماله إلى جنوبه، وكلما انتهت رحلة، كان يترقب موعداً جديداً مع اكتشافات أخرى إلى أن خرج بطموحاته، وتأملاته ليكتشف ما وراء الحدود، خصوصا الوطن الأكبر ممثلا في البلدان العربية، يقول خالد: مشكلتي الحقيقية مع السياحة هي مشكلة كل إنسان باحث عن الجديد، وأنا بطبعي عاشق للطبيعة بتضاريسها المختلفة، وأشعر بمتعة حقيقية أمام اللوحات الخضراء على خلفية أصوات الطيور، وأذكر أننا أيام الطفولة كنا نذهب كل يوم أربعاء لنتبادل العصافير والطيور في سوق خاص لكن بقي في داخلي شعور خفي ورغبة في اكتشاف العالم الذي نسمع ونقرأ عنه.
وانتظرت طويلا إلى أن جاءت الفرصة بعد أن انهيت دراستي الثانوية، وكان لزاما علي أن أسافر إلى الخارج لإكمال الدراسة وكانت وجهتي إلى الاتحاد السوفييتي في عام 1979، في ذلك الوقت كان عمري 18 عاماً، شابا في مقتبل العمر مغموراً بإحساسي المنطلق إلى دول عظمى طالما سمع عنها، تلك الرحلة التي استمرت لخمس سنوات، وان كانت بهدف الدراسة إلا أنها كانت المحطة الأولى التي فتحت أمامي أبواب التواصل مع بلدان العالم.
الروس شعب كريم
ولأنني أحببت المكان الذي قضيت فيه أجمل سنوات شبابي، فقد عدت إلى روسيا في عام 1991 وعام 2001 يسوقني إليها الحنين للأيام الخوالي، والحق أن الشعب الروسي متعاطف ومحب للعرب، وهم متعاونون لأبعد حد، غير أن السياحة عندهم في ذلك الوقت كانت ضعيفة للغاية بحكم الظروف التي كانت سائدة أنذاك،
وما عدا ذلك فإن «الاتحاد السوفييتي» بلد يمتلك طبيعة خلابة، وما لفت انتباهي الوهلة الأولى التي وطأت قدماي أرضه، أن النساء يعملن في مهن لم أتوقع أن أراهن ممارسات لها، ولم أر مثيلا لذلك حتى الآن، فقد كن يعملن في البناء وسائقات لعربات الأجرة والقطارات وفي نظافة الشوارع أيضا.
وبعد أن قضيت هناك خمس سنوات تعلمت فيها اللغة الروسية، أصبحت ملما بكثير من التفاصيل اليومية والحياتية لهذا الشعب الذي احترمه كثيرا، وبالطبع زرت متحف لينين، ووقتها عرفت معنى التحنيط واكتشفت حقيقية وعظمة الفراعنة الذين برعوا في فن التحنيط، والروس شعب كريم في بيوتهم،
وإذا كان العرب يتصفون بالكرم عبر التاريخ، فإن الروس لا يقلون كرماً إن لم يكن أكثر، هذا الشيء لم يتغير كثيرا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ولاحظت ذلك في زياراتي المتتالية فكل شيء تغير إلا هؤلاء البسطاء الذين ظلوا محافظين على كرمهم وابتسامتهم الجميلة رغم الظروف الاقتصادية السيئة المحيطة بهم، وتعتبر روسيا محطة جميلة أسافر إليها لأتذكر اللحظات الممتعة والسنين التي قضيتها فيها.
خمس سنوات قضاها خالد عبدالحميد في الاتحاد السوفييتي سابقا تخللتها رحلات سياحية بحتة لعدد من الدول العربية، يقول: في عام 1983 سافرت إلى القاهرة مدفوعا بأحاسيس الزائر لبلد عربي مؤثر في الشارع العربي بدرجة كبيرة، وكانت هذه الزيارة في شهر رمضان الذي قضيته في الأحياء الشعبية وخصوصا في الحسين، والحق أن هذه الزيارة وفي هذا التوقيت بالذات جعلتني على تماس حقيقي مع الشعب المصري المعروف بابتسامته ونكاته الساخرة، وبساطته الشديدة في التعامل مع الآخرين.
لكن الذي أحزنني هو هذا الفارق الكبير في مستويات المعيشة بين طبقات الشعب المصري، فأنت في لحظة واحدة وفي نفس المكان يمكنك أن تشاهد أفخر العربات تمر أمامك، وعلى الرصيف ترى متسولا أو بائعا متجولاً يسعى وراء رزقه بصعوبة بالغة، وقد زرت القاهرة مرة أخرى في عام 1986، وفي هذه المرة خرجت إلى مناطق ومدن أخرى وزرت العريش، وشبه جزيرة سيناء بشكل عام، وتبقى للقاهرة مكانة خاصة في قلبي، أقضي فيها النهار متجولاً في شوارعها، وفي الليل أذهب إلى المسرح أو السينما، وأحياناً للمنتديات الثقافية.
وفي دمشق أحس بعظمة التاريخ أمام الجامع الأموي، وفي بيروت أحسست بمزيج بين الشرق والغرب وهذه حقيقة، وبيروت في نظري تفاحة أتأملها وأستمتع بجمالها، فهي مدينة لا تنام وقبلة للسائحين من مختلف بلدان العالم، وشعبها ذواق يمتلك كل فنون السياحة والتعامل مع الضيوف واستقبالهم بحفاوة شديدة،
كذلك شهرتها بمطاعمها ووجباتها الشرقية والغربية اللذيذة، وزيارتي للبنان شملت جنوبه وشماله، فزرت صيدا وبعلبك واستمتعت بالآثار هناك، وأظن أن لبنان يمتلك مقومات جمالية ومناخية وتراثية تؤهله لأن يكون أفضل مما عليه، لولا الحروب المتتالية عليه والتي تنال من طبيعته الجميلة وبنيته التحتية التي تمثل عصب خدماته السياحية.
الألمان شعب عصبي
زرت ألمانيا قبل الاتحاد، وأقمت في ألمانيا الشرقية ولكن على الحدود لتكون عملية التنقل إلى ألمانيا الغربية سهلة، ومكثت هناك شهرين رأيت فيهما مفارقات كثيرة، وكان أول شيء لفت انتباهي هو هذا التوتر والعصبية التي تبدو جلية على قسمات الألمان ووجوههم، فهم على هذا المنوال طوال أيام الأسبوع، لكن في العطلة ترى شعباً آخر مقبلا على الحياة ببشاشة ومرح،
والشيء الآخر الذي لاحظته هو الاعتداد باللغة الألمانية عندهم، فأنت تسأل باللغة الانجليزية ولا أحد يجيبك إلا قلة قليلة، أما الخدمات السياحية فهي ممتازة جداً، ولديهم مؤسسات خدمية وبنى تحتية تسهل على السائح مهامه، كنت أتنقل بين الألمانيتين عبر جدار برلين، ذاك الجدار الذي كان رمزاً للحرب الباردة التي تقسم البلدان بجدار أسمنتي،
والغريب أنني التقطت مجموعة صور كثيرة عند الجدار لكن الصور لم تظهر، فقد كان التصوير ممنوعاً، وكان الجدار مزوداً بتقنية لا تظهر الصور الملتقطة، ولحسن الحظ أن صورة واحدة ظهرت على بعد أمتار من الجدار لكنها لم تكن واضحة المعالم بالنسبة للمكان ككل، وتظل الأسعار الرخيصة للسلع هي السمة الواضحة في ألمانيا الشرقية، لدرجة أن الألمان الغربيين يذهبون إلى هناك للتسوق.
الجزائريون موصوفون بالشهامة
زرت الجزائر خمس مرات بين 1986 و2004، وفي هذه الأيام في طريقي إليها، ترى ما السر في ذلك؟ أول زيارة للجزائر خرجت بقناعة أن هذا الشعب لم يكتشف بعد، وأيضاً جغرافياً الجزائر ليست معلومة للكثيرين، وهي جغرافيا من أبرع ما يكون، فيها السهول والأودية الخضراء، وفيها التضاريس الجبلية العملاقة، ولديها أيضاً شواطئ جميلة ممتدة على البحر المتوسط،
والأكثر جمالاً أن تجد هذه التضاريس متداخلة مع بعضها البعض في بعض المناطق والمدن، وبذلك أنت بحاجة إلى فترة طويلة قد تمتد سنوات حتى تستطيع الإلمام بهذه الأجواء والاستمتاع بها، أما شعب الجزائر فهو موصوف بالشهامة والأخلاق وحسن المعشر، في زيارتي الأولى مكثت هناك لمدة شهر وأقمت في فندق الجزائر، وهو تحفة معمارية فنية على الطراز الأوروبي، وتنقلت بين شاطئ البحر،
وشاهدت جبال «شريعة» التي تكاد أن تلامس الغيوم إذا وقفت على سفحها، وزرت أيضاً منطقة جبال القبائل وهي جميلة إلى حد لا تستطيع وصفها، وفيها سلسلة جبال تشكل عند سفحها ما يطلقون عليه «المرأة الفرعونية»، الحق أن الطبيعة في الجزائر تمثل لوحة بكر من صنع الخالق ولم تمتد إليها يد بشر بالعبث، لكنها تحتاج لقدر أكبر من الاهتمام، خصوصاً الاهتمام الإعلامي والتسويقي،
أما ليل الجزائر فهو ساحر ومغر لأن تسير على قدميك لساعات طويلة، وأذكر أنني فقدت عشر كيلوغرامات في زيارتي الأولى من فرط ما قطعته من مسافات سائراً مستمتعاً بما حولي، أما زيارتي الثانية فقد كانت في عام 1996، وأثناء هذه الزيارة أكملت نصف ديني وتزوجت من هناك، وهذا يفسر زياراتي المتكررة بعد ذلك، لكن تبقى للجزائر مكانتها في قلبي بغض النظر كوني تزوجت من جزائرية، فهو بلد يستحق كل احترام وتقدير.
أفضل سائقي الحافلات في نيبال
نيبال ثقافة العالم زرتها أربع مرات ولم أشبع منها، وفيها تشعر أنك فوق السطح عند جبال الهملايا بثلوجها التي تكسوها، وشعبها طيب للغاية لديه طقس لا يوجد عند أي شعب آخر، فهم قادرون على إقناعك بالانخراط في طقوسهم الجميلة لتستمتع بزيارتك أكثر، فالسائح هناك يرتدي الملابس النيبالية ويضع على رأسه طاقيتهم المزركشة،
ومن مفارقات زيارتي لنيبال أن ذهبت في رحلة مع فوج سياحي إلى جبال الهملايا، وبرنامج الرحلة يقتضي أن نمكث هناك خمسة أيام، ووصلنا بالحافلة بعد رحلة قاسية بين الأودية السحيقة والمخاطر، واكتشفت من اليوم الأول أننا في مكان منقطع عن العالم تماماً، فلا كهرباء ولا ماء، هي حياة بدائية تماماً، عليك إحضار الماء من الآبار،
أما وسائل الإضاءة فهي تقليدية جداً، والحق أنني لم أتحمل هذه الأجواء، وقررت العودة بمفردي مشياً على الأقدام، كانت المدينة تبدو قريبة من على سفح الجبل، لكن الواقع كان مختلفاً، فقد احتاج الطريق مني12 ساعة مشياً في ممر وعر تحيطه الغابات الكثيفة، كنت خائفاً من أن يهاجمني حيوان مفترس، وكنت خائفاً أيضاً من منظر الوديان العميقة على جانبي الطريق، ساعتها فقط عرفت أن هذا البلد لديه ساقو حافلات هم الأفضل على مستوى العالم.
زيارة باريس أمنية
ويجمل خالد عبد الحميد خلاصة زياراته للهند وبنغلاديش وباكستان بقوله: زرت الهند خمس مرات، ولفت انتباهي اكتظاظ شوارعها وازدحامها بالسيارات والبشر والحيوانات، ووجود السحرة بشكل يومي على النواحي وفي الساحات وهم يقدمون فنون السحر والألعاب الخطرة كنوع من أنواع التكسب، وهذا المشهد لا تراه إلا في الهند، كما زرت مزارع الشاي في دار جلينج، وفي الهند تشعر بأنك في سلة فواكه وخضروات، فهي تتمتع بمزارع وحدائق جميلة،
وأينما نظرت ترى الخضرة ممتدة أمامك إلى ما لا نهاية، والهنود متعاونون مع الغرباء ويقدمون المساعدة، لكن تبقى النظافة هي المشكلة، فالشوارع مستباحة وغير جيدة، كذلك المطاعم إلا الفخمة منها، أما باكستان فهي شبيهة إلى حد كبير بالنمط العربي، من حيث التعامل والأسواق، لكنها غير مهيئة بالمرة للسياحة،
فهي تفتقد للخدمات المرفقية والسياحية، وتبقى في النهاية زيارتي لبنغلاديش التي تتشابه مع الطابع الهندي ولكن يغلب عليها المظهر الإسلامي، وهي مشهورة بغاباتها وأنهارها، وذهبت في رحلة إلى غابات السندربان لنرى النمر البنغالي فيها، وهو من فصيلة نادرة.
عزالدين الأسواني



