استكمالاً لحوارنا السابق مع الباحث الدكتور عبدالله علي الطابور، نعود معه لنفتح بوابة التاريخ على مصراعيها وهو يتحدث عن العديد من المحاور المهمة والجزئيات الدقيقة التي من شأنها أن تغني البحث التراثي،
بعد أن أوقف حياته على هذا المشروع، باحثاً ومتابعاً ومتقصياً، دون أن يزيده التعب سوى همة عالية، وأن تتضح لديه خارطة وأسس بحثه العلمي والأدبي المشحوذ بطاقة كبيرة وحب شديد، وها نحن نتابع عن منجزه المهم وبحثه الكبير في جلفار الذي توج بكتاب نال جائزة العويس لتميزه وفرادته، حين عرض لهذه الحاضرة التاريخية المهمة، من مختلف جوانبها ومحاورها رابطاً إياها بجغرافيا العالم والسياسات المحيطة به آنذاك، وهو يحمل في خلده ذكرى الملاح الكبير ابن ماجد سليل جلفار الشهير ورمز الحضارة وحب المعرفة والكشف الذي اتسمت به سيرته الحافلة، وصولاً إلى فخار جلفار الشهير الذي صدرته شمل إلى مختلف أنحاء العالم وتميزت به لعدة قرون.
فخار جلفار: يرى الدكتور الطابور، أن صناعة الفخار تعود إلى أكثر من 3000 سنة وأن أفران جلفار تعود إلى عهود بعيدة، حيث عثرت بعثات التنقيب عن الآثار على أفران قديمة في وادي جميل بمنطقة شمل، وتلك الأفران كانت الأمكنة المخصصة لصناعة الفخار، قبل ظهور الأواني المعدنية أو النحاسية. ويعتبر أن منطقة شمل الواقعة شرق مدينة رأس الخيمة هي المكان الرئيسي لصناعة الفخار في الإمارات عبر التاريخ، حيث عثر على آلاف من القطع الفخارية التي يتراوح عمرها ما بين ستة آلاف إلى سبعة آلاف سنة، ويضيف أنه عثر على مجموعة من الأواني الفخارية في منطقة شمل وهي قطع غير مزججة كانت تستخدم لأغراض منزلية، كما عثر على أشكال نموذجية من الأواني والقدور والخروس، يرجع تاريخها إلى القرن الرابع عشر، ويقول: إن صناعة تلك الأواني في أفران وادي جميل استمرت لعدة قرون.
وإن العديد من المناطق مارست صناعة الفخار، ويعتبر الطابور أن أهمها كانت منطقة برامة الواقعة بين الرمس وشعم، وان سكان الساحل الشرقي الفجيرة ودبا وخورفكان ومسافي، قد مارسوا أيضاً هذه الصناعة، بالإضافة إلى أن مدرسة العين قد أنتجت الفخار منذ قرون بالقرب من جبل حفيت. - طين ملون: يعتبر الدكتور الطابور أن جود ثلاثة أنواع من الطين في وادي جميل، من أهم مقومات صناعة الفخار في جلفار، وقد تسنى للطابور لقاء العديد من كبار صناع الفخار وسجل معهم عن كيفية صناعة الفخار وجلب الطين وآلية عمل الورش، التي اعتمدت في صناعتها على الطين الأحمر الموجود على جبال وادي جميل
وهو من أكثر الأنواع استخداماً لتوفره بكثرة ولتميزه بالصلابة والجودة، بالإضافة إلى الطين الأخضر نادر الوجود فهو يوجد ممتزجاً مع التراب والصخور الجبلية إلى جانب الطين الأصفر المائل للبياض الذي يتميز بقدرته على إكساب الأواني الفخارية صلابة ومقاومة للكسر، ويتابع الطابور بأن المرحوم راشد الحمير الذي يعتبر من أكبر وأشهر
وأفضل صانعي الفخار في وادي جميل قد أخبره: بأن عملية البحث عن أنواع الطين كانت تتطلب معرفة دقيقة بأماكن تواجد الطين الجيد، حيث إن عملية البحث كانت تبدأ مع الفجر وتستمر حتى غروب الشمس، حيث يقوم الرجال بجمع الطين الذي يكون على هيئة قطع من الصخور في بطون بعض المنحدرات وعلى القمم الجبلية، فتستخدم (العتلة) لحفر الأرض الصلبة واستخراج الطين، ثم يحمل الطين بواسطة (الجفير) على ظهور الدواب وبعد ذلك تتم عملية تنقيتها من الحصى وتحضيرها للصناعة.
ويقول بأنه التقى أيضاً بالعديد من الحرفيين أمثال حسن بن سليمان بن كيزي وهو أمير شمل، بالإضافة إلى سعيد بن الدحي، ومحمد بن سعيد الدحي، وسعيد بن راشد العيطوب وراشد بن سعيد المعركة. ويؤكد بأن أفران الفخار بجلفار تعتبر من أشهر الأفران التي عرفها مجتمع الإمارات التقليدي، وأن أفران وادي جبيل والبرامة، هي من أشهر المواقع التي تعود إلى عدة قرون، حيث عرف بوادي جميل حوالي خمسة عشر قرناً.
ويؤكد أن راشد الحمير ذكر بأن الأفران ذات أحجام مختلفة كبيرة وصغيرة فبعضها يتسع لحوالي أربعمئة قطعة، وبعضها يتسع لمئة ومئتين قطعة والأفران تبنى من صخور الجبل ويتراوح عمقها ما بين 5 ـ 6 أقدام. ويشير الطابور إلى أن هذه الصناعة كانت تمارس في الصيف والربيع والخريف وتقل في فصل الشتاء.
وإلى طريقة تنقية الطين بعد أن يدمر بواسطة أداة حديدية حتى يصبح ناعماً، ثم ينخلة بواسطة المنخلة، ثم تفرز أنواع الطين ويوضع كل نوع في مكان داخل أرض المصنع وقد يلجأ الصانع إلى خلط الطين الأحمر والأخضر والأصفر بمقادير معينة ويستخدم الماء العذب في عمق الطيق ثم تتم عملية دهس الطين بواسطة الأقدام ثم تضع الأواني وتستغرق مدة الصناعة ثماني ساعات.
ومن أنواع الأواني الفخارية يوجد الحب أو الصلاحي الذي يستخدم لتبريد الماء، والبج الذي يستخدم كبراد لماء الشرب والمدخن، الخرس، المسوكة، البرمة، والتنور الذي يستعمل لطهي الطعام والكوار الذي يستخدم في تحضير القهوة والشاي بالإضافة إلى العديد من أنواع الفخاريات الأخرى.
المعلومات الغنية والتفصيلية عن صناعة الفخار وأنواعه التي جمعها الباحث، تشكل قيمة وثائقية ومعرفية كبيرة استطاع أن يجمعها بعد الجهود المكثفة التي بذلها لمعرفة أسرار هذه الصناعة وطرائقها عبر لقاء كبار الصناع والانصات بدقة لكل تفصيل وحرف يتفوهون به والتي بدأها منذ عام 1986 عن طريق تشكيل فريق عمل تابع لمركز التراث للخليج العربي والتي يعتبر الطابور من أهم المراكز التي لو قدر لها الاستمرار لأنتجت العديد من الأبحاث المهمة.
وبالعودة إلى كتاب جلفار الذي فاز بجائزة التميز ـ جائزة العويس، يقول الطابور: كتاب جلفار منجز مهم بالنسبة لي، فقد تبين من خلال البحث والرؤية وطرح العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهامات حتى تمكنت من صياغته وكتابته على نحو لم يتوقعه أحد أن يكون بهذا الحجم وهذه الغزارة،
فقد أخبرني العديدون بأني لن أتمكن من كتابة إلا بضع صفحات من هذا المشروع، وتوصلت في نهاية المطاف إلى كتابة 580 صفحة تتحدث عن تاريخ جلفار وعن الملامح السياسية والثقافية والاقتصادية لجلفار، ويقول والحمد لله لقد كرمنا وحصلنا على جائزة أفضل كتاب أعد عن تاريخ الإمارات.
ويتابع بأنه في صدد الإعداد لكتاب عن تاريخ الملاحة والأسفار في الإمارات فهو يعتبر الملاحة العمود الفقري للإمارات من قبل، حيث ظهرت الموانئ المشهورة من خلال التجارة القديمة، وعن كيفية حصوله على المعلومات الدقيقة يقول: بأنه التقى العديد من النواخذة والبحارة وسجل عن حياتهم اليومية وملامح من تجربتهم، وعن كيفية إدارة السفن وانتقالها من مكان إلى آخر، ومستلزمات حياتهم آنذاك وطبائعها وخصائصها. ويخلص إلى أن الحياة البحرية مهمة جداً أو أنه قد نشر بعض تفاصيل هذا المشروع عن طريق حلقات في جريدة الخليج.
الرحيل المر ودقات الليل
وعن إصداراته الأدبية، حدثنا الطابور عن روايتين من سلسلة الأدب التراثي قام بإصدارها وهي رواية الرحيل المر ورواية دقات الليل والتي حاول فيهما توظيف الموروث الشعبي في خدمة آلاف وهو في صدد إصدار رواية «سهيل» التي تتحدث عن أول شهيد تقدمه الإمارات في بداية تأسيسها،
حيث سقط على جزيرة طنب الكبرى، ويتابع بأنه الآن وقد تلقى دعماً كبيراً لم يشأ أن يفصح عنه، فهو في إطار وضع اللمسات النهائية على كتاب يتحدث عن شخصية رائدة ومهمة جداً في أبوظبي، وهي شخصية كانت مقربة جداً من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد رحمه الله، وهذا الكتاب يقع في جزأين والذي يتعرض فيه إلى سمو تلك الشخصية، وسيرة الشيخ زايد وملامح عامة عن أبوظبي.
مؤسسات التراث إلى أين؟ وفي إطار الحديث عن المؤسسات المعنية بالحفاظ على التراث وإحيائه وتطويره، يرى الطابور أن هناك بعض المؤسسات التي يمكن أن يعوّل عليها كمؤسسة أبوظبي للثقافة والتراث التي نتمنى لها التوفيق وأن تدعم بشكل كبير وتواصل طريقها، ويقول في الخليج العربي هناك مؤسسة أو دارة الملك عبدالعزيز من المؤسسات التراثية المهمة التي اتبعت أسلوباً منهجياً وعلمياً في جمع الموروث وأرشفته،
وذلك من خلال إعداد الكوادر وتأهيلها ثم إطلاقها إلى الأهالي والقرى لجمع المعلومات وتقصي الحكايات وتسجيلها، ويقول هذه المرحلة هي المرحلة الأولى، بعدئذ يأتي دور الباحث والمتخصص الذي يعزز وينقي المادة ويؤرشفها، ويتابع أن نتيجة تلك الجهود أصبحت الدارة تحتوي على آلاف الأشرطة وعدد كبير من المادة الشفاهية.
وعن جهده وبحثه يقول: الحقيقة لقد قمنا بما لم تقم به المؤسسات من أبحاث ودراسات ومتابعة ضمن جهود فردية وإيمان كبير بأهمية الدور الذي نقوم به، ويتابع بأنه التقى أحد المستشرقين الذين قالوا بأن الإشكالية في فهمنا لتاريخنا هو تصورنا بأن ما يأتي من الخارج من وثائق وكتب تعتبر هي المرجعية في حين يجب أن نكون مرجعية أنفسنا، ومن هنا أستطيع القول بأنني استطعت أن أصيغ وأصل إلى بعض الوثائق والمرجعيات المحلية التي تشكل مصدراً مهماً لفهم تاريخنا المحلي والتأسيسي عليه لتعميق تلك القرارات وتوسيعها.
ويتابع بأن هناك أناساً متخصصين في التاريخ المروي الذي لم يسجل والتاريخ ليس عبارة عن محفوظة، فالمحفوظات جزء من التاريخ والأهم هي أن نتلقفه بشكل حي من أجدادنا وآبائنا وكبار السن الذين يحيطون بنا والذين مازالوا يتمتعون بذاكرة حية عن تفاصيل أيامهم والحياة التي عاشوها بكامل تفاصيلها. وبالتالي إن ما نسمعه ونسجله نضعه فيما بعد للتحليل والدرس ونقدمه كوثيقة حية يستطيع أي قارئ أن يستفيد منها،
ويرى بأن الإشكاليات التي تقف أمام تطوير البحث التراثي هو إحالة التراث في الكثير من الأحيان إلى تظاهرات سياحية أكثر من الإحساس بعمقها وأهميتها، بالإضافة إلى عدم وجود مرجعيات حقيقية أو مؤسسات تعمل ضمن آلية علمية تحقق وتأصّل لتاريخنا وموروثنا. حتى أن الجمعيات ذات النفع العام كجمعية الفنون الشعبية تراجع دورها وقد كان دورها بالأصل يقوم فقط على إحياء حفلات الأعراس دون إعداد الكوادر وتأهيلها وتعليمها للفنون الشعبية والتراث الفني المحلي
إسماعيل الرفاعي



