على الرغم من طفولته الحافلة بالمشاكسة والشقاوة والجرأة الزائدة إلا ان التجربة الإنسانية والحياتية صنعت منه شخصية متزنة تستطيع ان تصفها من الوهلة الأولى بأنها هادئة تحسب حساب كل شيء، هواياته متعددة وانجازاته كذلك ولا يزال ينظر نحو أهداف ونجاحات أخرى يضيفها إلى رصيده في مجال الفن،

وهو يتحدث عما تحقق بتواضع شديد، خصوصاً فيما يتعلق بمجال الرياضة التي تألق فيها وحقق المراكز الأولى في سباقات العدو لمئة ومئتين متر سواء مع النادي الأهلي ومثل الدولة في العاب القوى، كما مارس على فترات متقطعة كرة السلة وكرة القدم في الدورات الرمضانية كأسرع ظهير أيسر، غير ان الفن كان حاضراً وشغل حيزاً من أنشطته اليومية عازفاً على آلات الإيقاع باختلاف أنواعها، ثم ممثلاً مبدعاً له العديد عن الاعمال المسرحية والدرامية التلفزيونية. هكذا هو شخصية آسرة بجديته وانجازاته المتنوعة عبر مسيرته الحياتية ذلك هو الفنان والرياضي عادل إبراهيم. في دولة الكويت كان المولد والطفولة الأولى، صيحات الصغار في الأزقة وعلى شاطئ البحر مازالت تتردد في اذني وهو يستدعي المشاهد القديمة من الذاكرة،

يقول: ولدت في الكويت في بداية الستينات حيث كان والدي يعمل هناك مصطحبا معه الأسرة حالة في ذلك حال عائلات إماراتية عديدة كانت متواجدة في الكويت وكنا نسكن على شاطئ البحر في بيوت من الطابوق بسيطة في تصميمها، وكانت المنطقة تضم عائلات من جنسيات عربية مختلفة ولكن كان التواصل بين الأسر الإماراتية له طابعه الخاص، حيث كانوا يتجمعون كل ليلة في بيت من بيوتها يتبادلون الاخبار ويقضون الوقت في الأحاديث والسمر، بينما نحن الصغار نلعب في الساحات وعلى الشاطئ، وكانت كرة القدم هي اللعبة التي نجتمع عليها ونمارسها أكثر من غيرها إلى جانب العاب مثل التيلة والزبوت، أما أصدقاء تلك الفترة فقد كانوا من مختلف الجنسيات فلم أشعر بالغربة، خصوصاً وانني الأصغر بين أخواتي الذين كانوا يخرجون ويلعبون معي، وأنا أحتفظ بصداقات حتى الآن مع بعض ممن عرفتهم في طفولتي.

الطفل الجريء : وعن العلاقات الاجتماعية والأوضاع المعيشية في تلك الفترة يقول عادل إبراهيم: كانت الحياة بسيطة جدا، والناس متعاطفون ومتعاونون مع بعضهم البعض لأبعد حد، فقد كان هناك نوع من التكامل الاجتماعي التلقائي فقد كانت العادة والأخلاق تسيران أحوال الناس، يتبادلون المأكولات ويقفون مع بعضهم في الأحزان والمسرات، وكان للعيب أيضا تواجداً بيننا نحن الصغار عندما نتعامل مع الكبار أو مع بعضنا البعض، فلا أحد منا يستطيع أن يتحدث مع الكبار بشكل غير لائق، كما أن الخطأ نعاقب عليه في الحال من أي جار قريب، وكانت الأحوال المعيشية صعبة بعض الشيء، ووالدي كان يعمل في هيئة البريد ولهذا كانت أمورنا ميسورة مقارنة بأناس آخرين، ولكن في النهاية لا أحد ينظر إلى الآخر،

بل يكتفي بما أعطاه الله ويحمده على كل شيء، في تلك الفترة كنت صغيراً ومشاكساً من الطراز الأول ومشاكستي لا تعني أنني كنت أتعدى على الآخرين، بل كانت دفاعا عن اخواني عندما يتشاجرون، مع أنني كنت أصغر منهم، وحدث ذات مرة أن تشاجر أخي مع أحد الأولاد في منطقة أخرى،

وبعد أن انفضت المشاجرة ذهبت وحدي إلى هناك وناديت على الشخص صاحب المشكلة مع آخر وضربته بحجر أسال دماءه، ومنذ هذه الواقعة عرف عني الجرأة وعدم الخوف، لكن هذه الجرأة كانت تضعني في مواقف محرجة مع والدي، فقد كان صديقا لنا أكثر من صداقتنا لاندادنا، ولكنه في الوقت نفسه كان حازما لا يرضى بالأخطاء، ويعاقبنا عليها، وفي قاموسه لا يوجد شيء اسمه دلال كما يحدث الآن.

نقلة أولى في حياة عادل إبراهيم جاءت مع دخوله المدرسة وانفتاحه على عوالم جديدة، يقول: في مدرسة المعتصم الابتدائية شعرت لأول مرة بأن الحياة ليست لعبا فقط، وإنما هناك أشياء أخرى يجب على الإنسان ان يعرفها، وكنت أذهب إلى المدرسة وأقبل على الدروس بنهم شديد، لقد أحببت المدرسة وأحببت اللغة العربية ومادة التاريخ، وأذكر مقولة لمدرس اللغة العربية كان يرددها باستمرار،

كان يقول بأن قوة الإنسان في عقله وليس في جسده، على من أنه كان قوي البنيان وممارساً للرياضة، وهذه الحكمة استفدت منها كثيراً وأحببت قائلها وأحببت أيضا مادة اللغة العربية من أجله، أما مدرس التربية الإسلامية وكان اسمه فهمي الخضرا فله حكاية مثيرة معي، فهو إلى جانب عمله في التدريس كان لاعب كرة سلة في نادي القادسية الكويتي وفي المنتخب الكويتي،

وحدث أن اختارني ضمن منتخب المدرسة لنلعب، ونشارك في دوري المدارس الذي كانت مبارياته تقام على ملاعب الشويخ، وهذا الاختيار المبكر جعلني أحب المدرسة والرياضة بدرجة كبيرة، وإذا تحدثت عن الرياضة بشكل خاص في تلك الفترة، فسيكون الفضل في رفع لياقتي البدنية لممارستي السباحة بشكل دائم،

وكانت لسباقات السرعة بيننا نحن الصغار داخل وخارج المدرسة دور كبير في دخولي إلى عالم رياضة ألعاب القوى، وأذكر أن والدي كان يرسلنا لنحضر الخبز يوميا من مخبز بعيد بعض الشيء عن بيتنا، وتقديري لبعد المخبز كان بمقدار خوف والدي علينا من التأخير، وكنت أجري بأقسى سرعتي ذهابا وعودة من البيت إلى المخبز والعكس، كل هذه التجارب الأولية والخبرات التي اكتسبتها في المشاركات المدرسية أفادتني كثيرا بعد ذلك في مسيرتي الرياضية،

هكذا كانت سنوات طفولتي التي قضيتها في الكويت، حتى أنهيت الصف الخامس في مدرسة المعتصم الابتدائية، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتي بعودة الوالد والأسرة إلى دولة الإمارات، وليستقر بنا المقام في منطقة المنامة في دبي، كان ذلك في عام 1974 ولتبدأ أيضا عملية البحث عن أصدقاء جدد والتأقلم مع أجواء جديدة ومختلفة عن سابقتها، غير الوقت الذي يطل كثيراً لأجد نفسي منخرطاً ومتأقلماً مع المستجدات.

الفنان الرياضي

محطة جديدة في حياة ومسيرة عادل إبراهيم بدأها في دبي مع أصدقاء جدد من منطقة المناعة وفي مدرسة طارق بن زياد، يقول: جذورنا الممتدة في الإمارات ومعرفة أهل المنطقة بوالدي قبل سفره إلى الكويت سهلت عملية التعارف مع أبناء منطقة المناعة، واستطعت أن أكون علاقات مع معظم الشباب، هذه العلاقات ساعدتني على التأقلم سريعاً مع الظروف الجديدة،

ففي مدرسة طارق بن زياد انضممت إلى فريق المدرسة لكرة القدم وفريق ألعاب القوى، وهذا النشاط الرياضي المكثف كان له الأثر المباشر في تكوين صداقات مع أناس أعتز بأنني عرفتهم وصادقتهم، لكن عملية الاندماج الكامل جاءت مع انضمامي لفريق كرة القدم بالنادي الأهلي للشباب،

وكان مدربي آنذاك الكابتن عنتر مرزوق وانضمامي للنادي الأهلي كان في عام 1976، وكنت ألعب في مركز الظهير الأيسر، وحدث أن شاهدني خليل إبراهيم مدرب ألعاب القوى بالنادي، ولفت نظره سرعتي الكبيرة في الملعب، وطلب أن يضمني لفريق ألعاب القوى، وبالفعل انضممت للفريق ومثلته في بطولات كثيرة،

واستطعت أن أفوز بسباقات المئة والمئتين عدو، وسباق 1004 تتابع، ودائماً ما كنت أفوز بالمراكز الأولى على مستوى مشاركاتي مع النادي، وشاركت أيضاً مع منتخب الإمارات في بطولة الصداقة الثانية بالكويت، وحصلنا على المركز الثاني في سباق 1004 تتابع وحققنا رقماً جديداً لأنفسنا،

بعد ذلك لعبنا مع منتخب رومانيا ودياً عندما كنا في معسكر تدريبي هناك، وفي سباق التتابع كنا متأخرين في عملية التسليم والتسلم حتى جاء دوري قبيل النهاية، واستطعت بسرعتي الفائقة أن أعوض الفارق لنفوز على منتخب رومانيا، وبعد هذا السباق أطلق المدرب على لقب القوس الروماني،

ولم تقتصر ممارسته للرياضة في النادي الأهلي ومع المنتخب فقط، ولكنني انضممت لفريق شرطة دبي لألعاب القوى بعد أن التحقت بالعمل فيها، واستطعت أن أحقق المراكز الأولى في كل مشاركاتي مع الفريق على مستوى المنافسات في الدورات الشرطية بالدولة.

فنان مؤسس

وينتقل عادل إبراهيم إلى جانب آخر من حياته وهو الفن الذي بدأ معه في سن مبكرة، فهو عازف على آلات الإيقاع باختلاف أنواعها، وممثل مسرحي له مشاركاته العديدة في الأعمال، يقول: كان والدي «نهام» في رحلات الغوص، وكان يمتلك صوتاً جميلاً يسحر السامعين، وله أيضاً معرفة واسعة بالفنون الشعبية، فوجدت نفسي دون أن أدري ملتصقاً بحلقات وجلسات الطبار.

وأمارس معهم الفنون الشعبية مثل «العيالة» و«الآهلة» والمولد والأذكار، ويشاء القدر أن تكون في المنامة فرقة جمعية دبي للفنون الشعبية فانضممت لها في عام 1975 وأصبحت من المؤسسين تحت رئاسة المرحوم خادم سرور، وبعدها قررنا إنشاء مسرح جمعية دبي،

وجاءتنا الموافقة سريعاً من المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وتم بناء المقر الحالي ليكون بديلاً للمقر القديم في المنامة، وأذكر أن المرحوم خادم سرور أكد علينا بأن نكون ملتزمين وأن نقدم أعمالاً وأنشطة تخدم الفن، وكانت هذه تعليمات نقلها لنا كشرط للموافقة، ومنذ ذلك الوقت دارت عجلة العمل المسرحي في مسرح جمعية دبي، واستطعنا أن نقدم الكثير من الأعمال التي لاقت استحساناً وإقبالاً من الجمهور.

وكان أول عمل شاركت فيه بعنوان «ولد فقر طاح في نعمة» وهذا العمل قدمناه في عام 1976. وهذا أستوقف عادل إبراهيم لأسأله عن قدرته على المواءمة بين العمل في شرطة دبي التي التحق بها في منتصف السبعينات، وبين الأنشطة الرياضية المكثفة والعمل الفني في آن واحد،

يقول: صحيح ان هذه الأنشطة جاءت في وقت متزامن، لكن لا تنسى أنني في ذلك الوقت كنت في ريعان الشباب، ولدي طاقات كامنة تبحث عن وسيلة للتنفيس، وإذا تحدثنا عن العمل في الشرطة، فهناك أناس محترمون يقدرون المشاركات الرياضية والفنية، وكانوا يقدمون المساعدة وإجازات التفرغ إذا تطلب الأمر، أما المفاضلة بين الفن والرياضة فقد كانت الأولوية للفن،

خصوصاً وأن مشاركاتي الرياضية توقفت في عام 1986، لكن ممارستي للفن لم تتوقف حتى الآن، وهنا يجدر أن أذكر ماقدمته لي الرياضة في عملي على المسرح، فقد ساعدتني على الحركة وقوة التنقل والمحافظة على لياقتي البدنية والجسدية، ومهم جداً أن يكون للممثل المسرحي برنامج رياضي حتى ولو كان خفيفاً، وبالنسبة لي فقد كنت ممارساً لكرة القدم حتى وقت قريب مع فرق تستعين بي في الدورات الرمضانية، أما الآن فأمارس رياضة الجري يومياً.

خفة الدم عند الأولاد

عادل إبراهيم، الفنان الهادئ الذي نحاوره ليس هو الطفل الذي أتسم بالشقاوة والجرأة، ترى ما الذي حدث؟ يقول ضاحكاً: الشقاوة أمر عادي في مرحلة الطفولة، والإنسان عندما يكبر وتتراكم خبراته يتخلى عن أشياء كثيرة ويصحح مساراته، وأظن أن المسرح والعمل في الشرطة وضعاني في حيز الالتزام، والمسرح على وجه الخصوص يتطلب من الفنان الكثير من الالتزام بالمواعيد واحترام الزملاء، وعملي في المسرح علمني أشياء كثيرة ما كنت لأتعلمها خارجه، إضافة إلى أنني أعمل في شرطة دبي منذ تسعة وعشرين عاما.

أما الزواج فهو مؤسسة تمنح الإنسان توازناً أكثر، وأنا تزوجت في عام 1986، وكان زواجي تقليدياً من ابنة عمي التي اعرفها وتعرفني، وهي متفهمة جداً لعملي في مجال الفن، وتنتقد أعمالي هي وأولادي هند وعبدالعزيز وسارة وشيماء وميرة، وبالمناسبة أخذ أولادي عني خفة الدم خصوصاً عبد العزيز، وهم كومديانات في الأسرة لا يكفون عن الضحك والمرح وإطلاق القفشات، غير أنني أبعدهم تماما عن مجال الفن لقناعاتي بأن الفن مازال يحتاج إلى الدعم والاهتمام والإعلام، لكن مع الدعم الذي يقدمه مجلس دبي الثقافي الآن.

وكذلك مساهمات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ودعمه للمسرح ماديا ومعنويا ونحن نشكره على ذلك، أقول على هذا الدعم يمكن للأمور أن تتغير للأفضل، لكن سأظل عند رؤية أولادي وانتقادهم لأعمالي خصوصاً عندما لم يتقبلوني في دور الشرير في حلقات مسلسل «عفواً أبي».

بقي أن نقول بأن الفنان عادل إبراهيم محب للسفر مع عائلته، وعلى الرغم من أنه عازف على الإيقاع إلا أنه فشل في العزف على أية آلة موسيقية فقط لكونه أعسر، أما الطهي فهو ممتاز في إعداد المشاوي بأنواعها ويدخل المطبخ دون تحرج من زوجته، بل يأتي إخوته وإخوانه في الإجازات خصيصاً ليأكلون من طهي يديه، وأخيراً مازالت أمامه أهداف كثيرة يسعى لتحقيقها في مجال الفن مع أنه راض تماماً عما قدمه، أما الحكمة التي تعلمها من والده فهي قوله «علينا أن نتعلم كيف نكون سعداء ونحن فقراء».

كوميديان صامت

الفنان عبيد علي الذي يقول: عادل إبراهيم من الشباب المتميزين وهو نجم من نجوم الفن الإماراتي، محب للعمل ويتفانى للوصول إلى الأفضل، كما أنه واحد من أوائل المؤسسين لمسرح جمعية دبي وله مشاركاته الكثيرة سواء في المسرح أو في التلفزيون، وهو طيب للغاية ويتمتع بأخلاق حميدة ونادراً ما تراه في حالة عصبية أو أنه غاضب من أحد،

وكما قلت فهو فنان بمعنى الكلمة ملتزم بمواعيده، غير أنني عاتب عليه بعض الشيء لأنه ابتعد عن الساحة في الفترة الأخيرة، وأصبح مثلاً في أعماله التي يقدمها، ولذلك أناشده بأن يعود سريعاً ليمتنعا ويمتع جمهوره، فهو كوميديان من طراز فريد وتواجده يثري الساحة الفنية والحركة المسرحية.

أما الفنان محمد سعيد فيقول: عادل إبراهيم من الأصدقاء الذين اعتز بالعمل معهم، فهو فنان متميز جمعتنا سوياً أعمال مسرحية كثيرة، وأظن أن شهادتي له في هذا المجال ستكون مجروحة، لكن على المستوى الشخصي والإنساني فأستطيع أن أقول بأنه دمث الأخلاق، صامت في معظم الأحيان، مستمع جيد ومتحدث يحسب حساب كل كلمة يقولها،

ولهذا قليلاً ما يغضب أحداً لأنه في الأصل حريص على ألا يسيء لأحد، وهذا يعني أنه لا يحب المرح، فهو صاحب قفشات ومقالب ولكن في حدود اللياقة والمقبول، وفي شخصيته نشعر باتزان وهدوء والتزام غير مسبوق، فمواعيده مضبوطة سواء أثناء البروفات أو حتى خارج نطاق المسرح، وأتمنى له التوفيق ومزيداً من النجاح في أعماله المقبلة.

عزالدين الأسواني