بذاكرة حاضرة، وشغف شديد بكل ما يتعلق بتاريخ الإمارات ورجالاته، ومبدعيه.. راح الدكتور عبد الله علي الطابور يحدثنا عن تاريخ المنطقة، وهو ينتقل بانسيابية من مرحلة إلى أخرى، ومن قامة إلى أخرى، مأخوذا بمشروعه الذي ابتدأه منذ أكثر من ربع قرن، والذي مازال يشعر اتجاهه بنفس الحماس الذي ابتدأه منذ ذلك الوقت،
بل ان المسؤولية أصبحت أكبر، والمنهجية العلمية، باتت خياراً لابد منه، حين بدأت صفحات من تاريخ المنطقة تتكشف واحدة تلو أخرى، منقوشة بحروف من الضوء استطاع الطابور أن يمسح عنها غبار السنين.. وعن علاقته مع جذوره وبداية المشروع الثقافي الذي تنامت أغصانه حتى أثمرت حوالي 30 كتاباً والعديد من المقالات كان لمرايا البيان هذا الحوار: - أول الفروع: بداية المشروع الثقافي كانت في الثانوية العامة، وتعمق عن طريق توجيه مجموعة من المدرسين العرب المهتمين بتاريخ المنطقة، والذين كونوا مجموعات من الطلبة تقوم بعملية الجمع من الأهالي والعارفين، ومنذ ذلك الوقت استهويت عملية اللقاءات مع كبار السن، فرحت أسجل مع مجموعة من الرواة ،
والحقيقة أن هناك رواة لديهم معلومات ثابتة ومتصلة وغنية وغزيرة، فسجلت جانبا من التاريخ الشفاهي أو المروي في رأس الخيمة وفي مختلف الإمارات الأخرى، وركزت على الرواة في المدن الرئيسية، باعتبار المدن معرضة للكثير من الطمس والتغيير والتغريب، عكس الأماكن القصية التي مازالت محافظة على عاداتها وطبائعها وموروثها. وأخذت عنهم العديد من الحكايات والألغاز والأشعار والأمثال شعبية. واستطعت أن أنجز كتابين عن الألغاز الشعبية. كتاب صدر عن حكومة دبي عن دائرة السياحة والتسويق التجاري اسميته «أشهر الألغاز الشعبية في الإمارات» وكتاب صدر عن مركز زايد للتراث والتاريخ وهو يتصف بالعلمية والمنهج التحليلي. ثم يتابع الطابور موضحاً تطور اهتماماته قائلاً: في وقت مبكر ركزت على الشخصيات الرائدة، والتقيت مع نخبة من الرعيل الأول، بعضهم بشكل مباشر، وبعضهم سجلنا عنهم من خلال ما يوجد عند أهاليهم من مخطوطات وأوراق ووثائق ونتاج أدبي وثقافي.
وقد أصدرت خمسة أجزاء من كتاب «رجال في تاريخ الإمارات». وكنت أتفاعل مع الصحافة وأنشر فيها منذ أكثر من عشرين سنة، وسجلت الجانب المهم عن الرعيل الأول من جيل النهضويين والمثقفين من أبناء الإمارات من أمثال الشيخ سيف بن محمد المدفع والشاعر النهضوي المعروف مبارك بن سيف الناخي، ويرى الدكتور طابور أن الشاعر الناخي، كان ظاهرة أدبية، عاش حياته مناضلا بالكلمة والرؤية، وله دور في حركة النهضة الثقافية من خلال قصائده وكتاباته التي تعتبر أحد روافد نهضة الإمارات الأولى. وإبراهيم بن محمد المدفع رائد الحركة الثقافية على مستوى الإمارات ورائد الصحافة وقد كتبت بإسهاب عنه، فقد أسس صحيفة عمان عام 1927وهي أول صحيفة وكانت تكتب بخط اليد والتي اشترك في تحريرها المؤرخ عبد الله صالح المطوع، واحمد بن حديد، وحمد بن عبد الرحمن المدفع.
وفي عام 1933 أسس صحيفة «صوت العصافير» مع مجموعة من مثقفي دبي، ثم أسس صحيفة سياسية، وهي صحيفة «العمود». ويتابع الطابور في تجلي وعمق عن سيرة الأشخاص الأفذاذ الذين تقصى سيرهم وكتب عنهم، ومنهم الشيخ سلطان بن سالم القاسمي الذي أصدر كتاباً عرض فيه عن نشأته وثقافته ومقاومته الوطنية ضد الإنكليز واهتمامه بالتعليم وتأسيسه المدارس الأولى ومساجلاته الشعرية وقصائده،
ويقول الدكتور طابور بأن المثقفين والرواد الذين عاصروا الشيخ سلطان بن سالم ذكروا بأنه كان من الرجال المثقفين الذين تميزوا بإرادة قوية وشجاعة كبيرة، وقد تولى الحكم في رأس الخيمة في الفترة بين 1919-1948 ، ومنذ توليه الحكم اتخذ موقفا صارما ضد الإنجليز، إذ وقف ضدهم وعارض مشاريعهم، وقد استطاع بقراءاته واطلاعه على ما يحدث في البلاد العربية من ثورات وحركات تحررية، تبني الكثير من الآراء والأفكار القومية، ومع تنامي حركة التصدي والرفض في الساحة العربية قطع على نفسه عهدا بالمضي قدما لتحقيق أهدافه ضد الأعداء.
ومن بعض مواقفه المشهودة، رفضه في عام 1926 تسليم عبد الرحمن بن محمد أمير الحيرة إلى قائد الأسطول الإنجليزي الذي جاء إلى رأس الخيمة ليأخذه إلى المنفى. وإلى جانب ذلك اهتم بتطوير التعليم التقليدي، وساهم بإنشاء مدارس ظهرت أيضاً في الشارقة ودبي وعرفت بالمدارس التطورية.
فقد أسس في مطلع الثلاثينات أول مدرسة تطورية في رأس الخيمة وأحضر فضيلة العلامة السيد هاشم بن السيد بن رضا الهاشمي من دبي ليقوم بالتدريس والإشراف عليها، وكان مقر المدرسة في منزل الحاكم، حيث يتجمع الطلاب في الصيف في الليوان وفي الشتاء في المجلس، وبلغ عدد الطلاب في المدرسة حوالي سبعين طالباً. ثم أسس مدرسة الفتح في منتصف الأربعينيات وهي من المدارس شبه النظامية، التي ظهرت في الإمارات وكان مديرها الشيخ مشعان بن منصور الزبيري.
وكان شاعر الفصحى في الإمارات وهو يكتب القصيدة العمودية وله مساجلات شعرية مع صهره ونسيبه عبد الرحمن بن محمد الشامسي وله علاقة مع سالم بن علي العويس صاحب مجلس الحيرة، وهو من أوائل المثقفين الذين استطاعوا أن يساهموا في تأسيس الحراك الثقافي من مطلع القرن الماضي الذين أسسوا بداية المجالس الثقافية، والمنتدى الإسلامي، الذي كان يهدف لمقاومة الاستعمار، وكان يتفاعل مع القضايا القومية والوطنية والإسلامية على المستوى العربي.
يتابع الطابور حديثه عن إصداراته : صدر لي أيضاً كتاب (المحمود.. صفحات مضيئة في تاريخ الإمارات العربية). حاولت فيه توثيق الدور المهم الذي لعبه الشيخ علي بن محمد المحمود في تأسيس أول مدرسة عرفت بالتيمية المحمودية، وهي أول الأعمال التنويرية، بالإضافة إلى دوره المعروف باحتضان الطلاب وتشجيعهم، وتقديم المساعدة لهم لمواصلة التحصيل وإسهاماته في تاريخ التعليم والنهضة في الإمارات والذي تخطى النطاق المحلي ليشمل قطر أيضا.
من خلال علاقة مباشرة مع الأهالي، فقد قمت بعمل تقوم به المؤسسات، دون توفر الإمكانات، أنا والأخ عبد الله عبد الرحمن ، قدمنا للإمارات هذا المنجز البحثي، وكنت قد أصدرت كتاب التعليم التقليدي في الإمارات قبل 18 سنة. ثم ظهرت جائزة الشيخ خليفة بن زايد تكرم الكتاتيب. وهذه لفتة كريمة من الدولة في تكريم حملة المشاعل الأوائل.
خصوصاً أن الانجليز في فترة احتلالهم للمنطقة تميزت بأنها فترة حروب وصراعات، وقد منعوا أوائل المعلمين والتجار من فتح مدارس فقد كان الإنجليز ينفون النهضويين والإصلاحيين من أمثال الشاعر المعروف أحمد بن سلطان بن سليم وهو من مواليد دبي 1904 تعلم في صباه على يد علماء زمانه والتحق بالمدرسة الأحمدية ودرس على يد الشيخ عبد الله المزين وهناك تعلم الخط واللغة العربية وعلوم الدين ودرس في الأدب على يد محمد عباس البغدادي،
وقد كان لجلساته مع الشاعر مبارك بن حمد العقيلي وحضور مجلسه في سوق المناظر أثر كبير في حياته الأدبية وتذوقه للأدب والشعر، ودرس على يد الشيخ أحمد بن علي بن دعفوس علوم الفقه والأدب والدين، ثم تأثر بالظروف السياسية في المنطقة عام 1938 وأصبحت له مواقف مناهضة للوجود الإنجليزي،
وأدى به وقوفه إلى جانب صديقه الشيخ مانع بن راشد أن قام الإنجليز ووكيلهم في تلك الفترة عبد الرزاق الرزوقي بنفيه إلى الهند، واستقر هناك لعشر سنوات عمل خلالها مذيعا في إذاعة دلهي، وفي عام 1948 عاد بن سليم إلى دبي فتولى عدة مناصب منها رئيسا للجنة التراث والتاريخ وكان مستشاراً ورفيقاً للشيخ راشد في كافة مشاريعه وتطلعاته.
رسائل الرعيل الأول
جمعت حوالي 3000-4000 رسالة من الرعيل الأول وأصدرتها في كتاب عن دائرة الثقافة والإعلام بعنوان (رسائل الرعيل الأول.. من رواد اليقظة في الإمارات)، حاولت أن أبين فيه ارتباط رجالات الإمارات المثقفين برواد الفكر والمصلحين العرب والمسلمين، وهذا ما أوضحته رسائلهم وما احتوته كتاباتهم من هموم مشتركة عبروا عنها في خطاباتهم وتوجهاتهم السياسية والوطنية والقومية والثقافية،
إلى جانب كون الإمارات على صلة بالعالم الخارجي عن طريق رحلات السفن والأسفار الطويلة إلى الدول العربية والإفريقية والهند، فقد كان للسفن دور تجاري وثقافي عكس اعتقاد بعض من قدم إلى الإمارات في السبعينات بأن الإمارات ما هي إلا بداوات متخلفة وقبائل رعوية متنافرة ومتصارعة فيما بينها،
ويضيف الطابور بأن بلادنا كانت وعبر القرون الماضية المحطة الرئيسية للتجارة وملتقى للاستعمار الأوربي والأطماع الدولية والتي ظهر فيها رواد كبار من أمثال الملاح الشهير أحمد بن ماجد الذي ظهر في نهاية القرن الرابع عشر في جلفار، والشاعر النبطي ابن ظاهر، وبالرغم من الطوق الحديدي الذي فرضه الاستعمار الانجليزي على المنطقة طيلة قرن ونصف،
فإن إرادة التجار والمصلحين والأعيان ورواد اليقظة لم تعرف الخضوع ، فقامت كل فئة بدورها في مواجهة الاستعمار وتكريس اللبنات الأولى لنشوء نهضة فكرية وثقافية تمثلت بظهور المدارس والمكتبات والصحافة.
الدور الإصلاحي للتجار
وتحدث عن رموز الإصلاح من التجار أمثال الشيخ علي بن محمد المحمود، أو محمد بن أحمد بن دلموك الذي يعد رائد التعليم في دبي ومؤسس «المدرسة الأحمدية» والتي اعتبرت من أنشط مدارس الإصلاح في الإمارات وأكثرها تنظيما واعتماداً على المناهج الحديثة.
بالإضافة إلى التاجر خلف بن عبد الله العتيبة تاجر الذي اشتهر بفتحه لأول مدرسة في أبوظبي عام 1930 قام عليها التعليم شبه الحديث، وفتح بيوته ومجالسه لاستقبال العلماء وطلبة العلم، والقضاة والضيوف، وأسس المساجد التي بلغت خمسة مساجد في أبوظبي والإحساء والعين ودبي.
والتاجر سالم بن مصبح آل حمودة السويدي الذي أسس المدرسة السالمية في دبي، والتاجر محمد بن عبيد البدور الذي أسس مدرسة السعادة. وعلي بن عبد الله العويس من الشارقة الذي فتح المدرسة التيمية بالحيرة والشيخ مانع بن راشد آل مكتوم وهو أول من نادى بمجانية التعليم.
محمد بن سعيد بن غباش، وهو من الجيل الثاني من رواد النهضة الثانية ، كانت بداياته التعليمية في المعيريض حيث درس في أحد الكتّاب، ثم تلقى علومه الأولى على يد مجموعة من العلماء الذين زاروا الإمارات، ومن أساتذته العلامة الشيخ أحمد بن حمد الرجباني تلقى على يديه علوم الفقه والنحو والفرائض، ثم ألحقه والده بالمدرسة التيمية المحمودية،
ودرس فيها أربع سنوات، ثم أكمل دراسته في المدرسة الأثرية بقطر على يد العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع. وبعد أن أنهى دراسته في قطر عاد إلى رأس الخيمة وتلقى علوم الفقه على يد الشيخ محمد بن عبد الله أبو الهدى . بعدها درس في الأزهر أربع سنوات على يد نخبة من علماء الأزهر أمثال الشيخ حمد بن سبيع الذهبي، والشيخ عبد العزيز الطبلاوي .
وبعد تخرجه عام 1929 عاد إلى رأس الخيمة ومارس القضاء لعشر سنوات. وكان له بعض الرسائل والمؤلفات منها مخطوطة الأنساب التي أسماها «ما جمعته في الأربعين عاماً» وهي دراسات في تاريخ الأسر والعائلات في الإمارات، وألف في القضاء وعلوم الدين.
جلفار مدينة الذهب
ولدي كتاب جلفار الذي شكل هاجساً بالنسبة لي مذ كنت ألتقي كبار السن الذين كانوا يؤكدون لي بأن مدينة جلفار كانت موجودة، وأن منازلها وآثارها مدفونة على ساحل البحر، وكان البعض يسمي جلفار بمدينة الذهب والمحار، فقد كان الناس يذهبون إليها للبحث عن صحون الذهب المدفونة تحت التراب في (المطاف) الموقع الأصلي للمدينة،
وكانت تسمى مدينة الطين أو مدينة البحر لاشتهار مينائها التجاري. ففي السابق وعبر تاريخ البلاد الطويل كانت جلفار العصب الرئيس للقبائل الواقعة في إمارة الساحل، حتى أن الوثائق الهولندية قالت عنها: إنها دولة مستقلة وميناء تجاري وموقع استراتيجي في المنطقة.
كما تناولت في هذا الكتاب الحضارات القديمة في الخليج العربي وحضارة جلفار القديمة موقعها وأصل تسميتها بالإضافة إلى جلفار في العصور الإسلامية التي أشرت فيه إلى تاريخها منذ الصدر الأول للإسلام حيث شهدت تلكم المدينة تجمع جيوش المسلمين بقيادة عثمان بن أبي العاص لفتح العاصمة الساسانية الاصطخر. وتطرقت إلى سيرة أحمد بن ماجد والملاحة في جلفار بالإضافة إلى العديد من الفصول الأخرى.
وقد أكد الدكتور طابور أن تاريخ جلفار يمتد إلى قرون طويلة منذ صدر الإسلام وحتى منتصف القرن الثامن عشر عندما أسس القواسم عاصمتهم في رأس الخيمة، وكلمة جلفار تطلق على المنطقة المطلة على ساحل الابحر جنوب رأس الخيمة، وللكلمة اتساع كبير فهي تطلق على أرض واسعة وممتدة من رأس مسندم وحتى نهاية ساحل الخليج الجنوبي،
ويقول ان اسم جلفار حسب مايروي كبار السن هو اسم لشخص أو زعيم قام ببناء مدينة جلفار منذ عصور قديمة. وسكانها الأصليون هم بنو زراف والكوشيون والنعيم والشحوح والحبوس، ولم تعرف جلفار حكاماً إلا القواسم الذين استطاعوا توحيد القبائل تحت راية واحدة، بناء مدينة تجارية مشهورة قامت على الملاحة والتجارة والنقل البحري منذ زمن طويل.
إسماعيل الرفاعي



