سبعة وجوه شابة اجتمعت على هواية واحدة، القاسم المشترك فيها الموهبة بالفطرة والولع منذ الصغر بسماع الأغاني التراثية والألحان الفلكلورية والمفردات الوطنية التي لعبت دوراً كبيراً في تشكيل ذائقتهم الموسيقية. المتطفلون على الساحة الغنائية هذه الأيام كثر،

وهمهم الوحيد الدخول إلى عالم الشهرة وتحقيق مكاسب مادية ولو كان ذلك على حساب الفن ومشاعر الجهور، أما هؤلاء الفتية السبعة فتكمن في ممارستهم للغناء والعزف انطلاقاً من الهواية الممزوجة بالموهبة لديهم ولا شيء آخر، فلدى كل واحد منهم وظيفته في تخصصات مختلفة لا شأن لها بدراسة الموسيقى، فبينهم المهندس والإعلامي والمدرس ومصمم للإعلانات. ومع أنهم مارسوا الغناء والعزف في طفولتهم وفي سنوات الدراسة، إلا أن أحداً منهم لم يفكر في دراسة الموسيقى ويتخذها حرفة، انطلاقاً من قناعة مشتركة بأن الفن لا يمكن أن يكون مصدراً للرزق وسط هذا الكم من التفاهات التي ينأون بأنفسهم حتى من سماعها. سبعة من الوجوه الشابة اجتمعت على تقديم الأغاني الوطنية والتراثية بمجهودات ذاتية بعيدا عن أي دعم مؤسساتي، ووراء كل واحد منهم حكاية أدت به في نهاية المطاف للالتحاق بمجموعة «إنسان» للغناء الوطني».

مدرس يصبح مغنياً بالصدفة: محمد خير موسى مدرس للغة العربية، تربى على سماع الأغاني الوطنية والتراثية، ويحتفظ بذاكرة قوية للألحان الطربية العربية، غير أن ممارسته للغناء جاءت صدفة. يقول: نعم كنت مولعاً بسماع الغناء الأصيل وأطرب له، وكغيري من الناس كنت أردد بعض المقاطع في جلساتنا الشبابية مع الأصدقاء، لكن لم يخطر ببالي أبداً أن أقف على مسرح أمام الجمهور وأغني. وفي المرحلة الجامعية كوّنا مجموعة ـ نحن الأصدقاء ـ منها فريق يخوض المنافسات المختلفة سواء على المستوى الرياضي أو الثقافي، وهي المجموعة نفسها التي كانت تضم أعضاء يشكلون فرقة موسيقية تحت اسم «جفرة»، وحدث في إحدى المرات أن امتنع المغني في الفرقة عن المشاركة في حفلة قبل بدئها بساعات، فتوسّم الأصدقاء في صوتي ومقدرتي على التجارب مع الألحان أن أكون بديلاً،

وبالفعل نجحت في التجربة التي فرضت علينا جميعا ومن يومها وجدت نفسي ممارسا للغناء بعد ان كنت متذوقا فقط اما عن تكوين المجموعة فقد بدأت بفكرة مع الصديق وائل حسين وهو عازف عود ماهر وله مشاركته الكثيرة مع الفرق المختلفة. ومن ثم توالت المشاركات من بقية الأعضاء ونحن كمجموعة نطرح الأفكار أمامنا على الطاولة لنناقشها بكل حرية ولا يوجد رأي واحد يفرض على البقية، نحن اجتمعنا على أمر إنساني في المقام الأول ولذلك أطلقنا اسم «إنسان» على المجموعة لنغني للإنسان اينما كان، صحيح اننا نقدم الأغاني الوطنية العربية وهذا يتوقف على نوع المناسبة.

عندما سألت محمد خير عن وظيفته في البداية أجابني مدرساً، فقلت مدرس موسيقى بالتأكيد، قال بل مدرس للغة العربية اندهشت قليلا وسألته لماذا لم تتجه لدراسة الموسيقى ما دمت اكتشفت موهبتك وأنت لم تزل في مرحلة الدراسة. يقول محمد: دراسة الموسيقى لم تكن واردة في أي وقت من الأوقات لعدة اعتبارات أولها ان الفن لا يفتح بيوتا ويعيلها الا اذا كان فنا هابطا وانا ابعد ما يكون عن تقديم هذه النوعية من الغناء،

صحيح ان هناك من امتهنوا الفن من العمالقة ولكن هؤلاء كانت لهم ظروفهم وزمانهم، وهم أيضا لم يسلموا من تجارب قاسية مروا بها والشيء الآخر اننا كهواة نعتمد على وظائفنا لإعالة اسرنا وفي الوقت نفسه نقدم الفن الذي نريد ونختار كلمات الأغاني بحرية تامة وبهذه المناسبة نحن نغني قصائد وطنية نختارها من بين اشعار محمود درويش وعبدالرحمن الابنودي ونناقش مع بعضنا البعض اية كلمات أو أغان تعجب احد الأعضاء ويطرح امر تقديمها.

ومهندس يعزف العود بتشجيع الوالد

صاحب حنجرة قوية تهز فراغات المسارح وعازف عود بارع وهو في الوقت نفسه مهندس مدني يتعامل مع الخرائط والأدوات الهندسية وائل حسين غنى وعزف على آلة الاورغ وهو دون سن العاشرة وانتقل إلى العزف على الة العود في عمر الرابعة عشرة يقول: انا وحيد أسرتي تربيت على سماع احمد قعبور ومارسيل خليفة وتأثرت بهما الى درجة كبيرة، خصوصا أغاني مارسيل هذه الذاكرة السمعية أهلتني للغناء في النشاطات المدرسية في مرحلة مبكرة من طفولتي،

كان والدي يشجعني على الغناء والعزف وعندما انتبه الى شغفي بسماع مارسيل خليفة وتأثري به نصحني بتعلم العزف على العود لأنه الآلة المناسبة لأداء هذا اللون من الغناء وبالفعل اشترى لي آلة العود ورحت أتعلم عليها بنفسي ساعدني في ذلك معرفتي بالمقامات الموسيقية أثناء عزفي على الاورغ وكذلك متابعة مدرس موسيقى كنت أتردد على بيته واستفيد من خبرته،

ومع آلة العود كان أول ظهور لي في بيروت عام 1996 عندما غنيت للأحداث في إصلاحية «روني»، وبعد ذلك توالت مشاركاتي في حفلات الجامعة الأميركية ببيروت، وفي تركيا التحقت بفرقة لمجموعة من العازفين على الوتريات وقدمنا حفلات عدة تضمنت أغاني وطنية وبعضاً من الفولكلور الشعبي، وأثناء وجودي في الإمارات التقيت بالصديق محمد خير، وتشاورنا في إمكانية تشكيل فرقة موسيقية تقدم الأغاني الوطنية، فقد كانت همومنا وميولنا واحدة، واستمر العمل على الفكرة لمدة خمسة أشهر إلى أن استطعنا تشكيل المجموعة.

وائل تعلم الموسيقى ومارس الغناء في طفولته، وحظي بأسرة تبارك خطواته الفنية منذ البداية وتشجعه في كل خطوة يقوم بها، ترى لماذا لم يتجه إلى التخصص ودراسة الموسيقى؟ يقول وائل: يجب أن نتفق أولاً على أن الموسيقى الجادة والملتزمة لا تجدي الآن، وهي محاربة من قوى خفية همها الأول جمع المال، وأنا لست على استعداد لأن أتجه مع هذا التيار،

أما الأمر الثاني فهو أنني وحيد أسرتي وكان لا بد أن أتخصص في جانب له شأنه في الحياة العامة الاجتماعية، واخترت الهندسة المدنية، وتفوقت في دراستي إلى أن تخرجت، وها أنا الآن أعمل وأمارس هواياتي كما أحب أنا، وليس كما سيفرضه علي الآخرون إن كنت قد احترفت الغناء وجعلته مصدراً لرزقي، في الطفولة كانت أحلامي كثيرة، من بينها الموسيقى، لكن حلمي الأكبر وهو حلم كل إنسان أن أبني أسرة وأكون قادراً على إعالتها.

وإعلامية اكتشفتها معلمة العربي

صحافية ومخرجة أفلام، ومغنية تمتلك صوتاً عذباً أقل ما يُقال عنه إنه قادر على اكتساح كل الأصوات النسائية والرجالية التي أتحفتنا بها قنوات الفيديو كليب، سامية عايش، غنّت وهي طفلة صغيرة على مسارح الأنشطة المدرسية بعد أن اكتشفت موهبتها معلمة اللغة العربية، تقول سامية: كنت في الصف الأول الابتدائي عندما غنيت أول مرة على المسرح،

وقدمت وقتها أغنية عن الأم، وكانت مدرِّسة اللغة العربية تشجعني وتدفعني للغناء بعد أن لاحظت نغمة في صوتي أثناء الحديث، وأنا بطبعي نشأت محبة للغناء، وكنت أخاف من كل شيء سوى الوقوف على المسرح، وفي طفولتي كنت أستمع لأغاني فيروز ومارسيل خليفة وماجدة الرومي وتأثرت كثيراً بفيروز،

وفي مرحلة لاحقة بدأت دائرة الاستماع تتسع فشملت سميح شقير وريم بنا ومروان عبادو، إضافة إلى الأغاني التراثية والفلكلور الشعبي الفلسطيني، أيضاً أنا محبة، بل وعاشقة للموسيقى الكلاسيكية التي غزت وجداني وشكلت ذائقتي الموسيقية، وأثناء دراستي في الجامعة الأميركية بالشارقة شاركت كمغنية في فرقة النادي الثقافي الفلسطيني،

وقدمت مجموعة من الأغاني الفلكلورية الفلسطينية، أما انضمامي لمجموعة إنسان فقد جاء بالصدفة، حيث التقيت بالأخ محمد خير في إحدى الحفلات، وكانت إحدى الفرق تقدم أغنية وطنية فقمت وصعدت على المسرح وشاركت في تقديم الأغنية، بعدها عرض علي محمد خير الانضمام إلى مجموعة «إنسان».

وأسأل سامية نفس السؤال، لماذا لم تدرسي الموسيقى إذن؟، تقول: إذا درست الموسيقى فأنت بدون شك ستتخذها مهنة، والموسيقى ليست مهنة ولا يجب أن تكون كذلك، أنا مجرد هاوية وسأظل كذلك مهما استحسن الجمهور صوتي، مع ملاحظة أنني لا أغني إلا الكلمات الوطنية والألحان التراثية،

وأظن أن هذا اللون من الغناء لا وجود له الآن إلا عند قلة لا يأخذون عليه أجراً، وحفلاتهم محصورة في مناسبات موسمية تنظمها جهات قليلة جداً، أما الألوان الأخرى السائدة فهي بعيدة تماماً عما تربيت عليه من موسيقى وثقافة، نحن نقدم ما نراه وما يراه مستمعونا فناً وطنياً ملتزماً بقضايا وطنية وقومية، وهذا بحد ذاته رسالة يفخر كل إنسان بتقديمها.

.. ومهندس على الأورغ

عازف عود ثان في مجموعة «إنسان» ينطبق عليه ما قلناه عن وائل حسين، فهو أيضاً مهندس مدني وعزف على آلة الأورغ ثم تحول إلى العود ولكن في ظروف مختلفة، عبدالله شاهين، انخرط منذ البداية كعازف على الأورغ مع إحدى الفرق في قريته «سلفيت»، يقول عبدالله: أنا من قرية صغيرة لا توجد فيها إمكانات تساعد الشباب على ممارسة هوايتهم، وعلى الرغم من ذلك استطعنا كمجموعة أن نشكل فرقة موسيقية تقدم الأغاني الوطنية،

وكنت عضواً فيها أعزف على آلة الأورغ، وبعد فترة انتبهنا إلى حاجتنا لعازف عود لنقدم بعض الأغنيات التي لا تتماشى مع الآلات الأخرى، فتحولت في عام 1997 إلى تولم العزف على العود ونجحت من التمكن في فترة وجيزة، وفي مرحلة الجامعة انضممت إلى فرقة «سنابل» كعازف على العود أيضاً،

ولا أخفي إعجابي بهذه الآلة التي جعلتني أرتبط أكثر بأغاني مارسيل خليفة وسميع شقير ونصير شمة، واكتشف أيضاً متعة العزف على العود، فهو آلة تستطيع التحكم فيها وقيادتها وفرض سيطرتك عليها، على العكس من آلة الأورغ فهي كاذبة وتجبرك على الانصياع لها وتفرض قيادتها عليك، أما عن ظروف انضمامي لمجموعة «إنسان» فأنا صديق لوائل وزميله في العمل، وكانت لنا جلساتنا الموسيقية المتعددة،

وعندما عرض علي الفكرة رحبت على الفور،، لأكون عازفاً ومغنياً في بعض الأحيان، وإذ تسألني عن التوفيق بين العمل الهندسي وممارسة العزف على العود فالأمر بسيط بالنسبة لي، فانا أقوم بواجباتي المهنية على أكمل وجه، وان كنت أفكر في الموسيقى أكثر، ويعود ذلك إلى اهتمامي بتأليف الألحان ولدي الحاني الخاصة لأكثر من أغنية.

ومصمم إعلانات على الغيتار

مبهر بذهنيته الحاضرة ولغته المتدفقه ويبدو أكبر من سنه بكثير، خريج فنون ومصمم إعلانات، لكنه أيضاً يغني بصوته الدافئ ويأخذ إلى مدارات شجبة، فادي الشامي، بدأ بسماع الموسيقى الغربية في مرحلة سابقة، لكنه تبدل تسعين درجة وانغمس في سماع الموسيقى الشرقية والأغاني التراثية والوطنية، يقول: الفارق كبير بين الموسيقى الغربية والموسيقى الشرقية،

فقد وجدت نفسي مع الأغاني والموسيقى العربية التي تخاطب الوجدان وتشعر معها بانك محلق في أجواء من المتعة الخفيفة المتناغمة مع ضرورات العصر ومدى انصهاره في طقوس الحياة ومشاعر الدفء المنبعثة مع أوتار العزف وعندما بدأت تجربة الغناء شجعني عمي كثيراً فهو لديه اهتمامات موسيقية، وتطور الوضع بعد ذلك فوقفت على المسرح أكثر من مرة أغني حتى تخرجت من الجامعة،

وكنت قد أسست أثناء دراستي الجامعية نادي الطلبة الفلسطيني بجامعة هاواي ببيروت، وهو ناد ثقافي اجتماعي فني، إلى أن التحقت بعد ذلك بفرقة «جفرة» كمغن وأحصل بالتالي على فرصة التعبير عن هموم الوطن من خلال الغناء، لكنني لم أتوقف عند حد الغناء بل تدربت على العزف على آلة الأورغ والغيتار، لأتواصل بشكل كامل مع عالم الموسيقى، ونحن في مجموعة «إنسان» لدينا طموحات وأهداف كبيرة لخدمة قضيتنا بطريقتنا الخاصة.

... وطالبان احدهما ضابط إيقاع

جلال حسونة مازال طالبا في المرحلة الثانوية، لكنه مصر على أن يكون له شأن في خدمة قضاياه الوطنية والقومية، يقول: اعزف على آلة الأروغ منذ ان كان عمري سبع سنوات، لكنني بدأت الاهتمام بالعزف بشكل جديد وانا في الثالثة عشرة من عمري، شاركت في عدة أنشطة مدرسية ومازالت مشاركاتي مستمرة حتى الآن، لكن العمل مع مجموعة «إنسان» لها طعم آخر، فنحن نقدم الأغاني التي تعجبنا وتمس وجداننا..

واشعر بمتعة كبيرة عندما أجد نفسي عازفاً مع فرقة كل أعضائها أصحاب خبرة وسبقوني في المجال، والحق انا استفيد من الأصدقاء في الفرقة خصوصاً وأننا كمجموعة وجهات نظرنا متقاربة، وأفضل شيء في مجموعتنا ان رأينا جماعي حول أية قضية تواجهنا، ولا مكان للرأي الفردي على الإطلاق.

اما طالب الثانوية العامة عامر خالد فحكايته حكاية، فهو عازف إيقاع ومن عائلة لها باع طويل مع الغناء الوطني، فوالده وأعمامه مؤسسون لفرقة العاشقين، ووالده أيضاً مدير فرقة زهرة المدائن، وعمه محمد هابش ملحن وله تاريخه مع الموسيقى والفن، ومع ذلك يستبعد عامر أن يتجه لدراسة الموسيقى تحت أي ظرف،

بل إنه اختار إدارة الأعمال كوجهة تالية بعد الانتهاء من الثانوية العامة، يقول عامر: على الرغم من أن والدي وأعمامي يتعاطون مع الموسيقى بشكل دائم إلا أنهم يعملون في اتجاهات أخرى غير الموسيقى، فهي لم تكن يوماً مصدراً لرزقهم بقدر ما هي موهبة يوظفونها في الغناء الوطني، وبالنسبة لي لم أكن أتوقع في يوم من الأيام أن أنخرط في هذا المجال،

مع العلم أنني كنت أذهب مع والدي وأحضر البروفات التي يقودها، وعندما انتبه والدي إلى قدرتي على عزف الإيقاع نصحني بالانضمام إليهم، وشيئاً فشيئاً تعلقت بالموسيقى وتعلمت العزف على القانون، ولكن ظل العزف على الإيقاع هو اهتمامي الأول، ولا بأس من أن يمارس المرء هواية معينة وينميها، لكن ليس شرطاً أن يتخذها مهنة، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالموسيقى، فهي على رأي أصدقائي الذين سبقونني بالحديث،

لا تمثل ركيزة لمصدر رزق يمكن الاعتماد عليه، ثم ان الوضع الاجتماعي يحتم عليك أن تكون شخصية لك وضعك اللائق من خلال عمل آخر تقوم به، وهذا ليس تقليلاً من شأن الموسيقى كمهنة، بل على العكس هو احترام لها، وللفن بشكل عام، فكلما كنت فناناً غير مقيد بالأمور المادية كلما أعطيت فناً راقياً ومحترماً يصفق له الناس.

عز الدين الأسواني