ملامحه من تربة سمراء يعشقها ومن خضرة الأشجار حوله وتمايلها مع النسمات ومن جدول ماء ينساب بين الحقول، ملامحه لوحة شكلتها الطيور وهي آتية من بعيد في رحلاتها الموسمية، في عينيه غابات ومحميات طبيعية، يحادثك فتشعر أمامه بأنك مقصر تجاه نفسك ومحيطك عندما يتعلق الأمر بشؤون البيئة، فهو ذاكرة متنقلة لكل ما هو متعلق بالطبيعة والخضرة والجمال، ومناهض بشدة لمفسدات البيئة أينما كانت.

تعلق بالطبيعة منذ صغره، واستمع لنصائح والده، وعندما كبر وشاهد ما تتعرض له البيئة التي تربى فيها وترعرع من متغيرات خطيرة، اتجه لدراسة القانون الدولي البيئي إلى أن حصل على الدكتوراه في هذا المجال، وأصبحت حياته العملية مكرسة لخدمة المجتمعات في المجال البيئي، فأشرف على العديد من الأنشطة في الدولة وترأس جمعية أصدقاء البيئة وعمل متطوعاً فيها، ثم أشرف على أول برنامج تأهيلي بيئي لطلبة المدارس، وأشرف على تنظيم العديد من المؤتمرات البيئية والفعاليات التوعوية لطلبة المدارس، إلى أن جاء عام 1999 ليبدأ عمله في هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة. ويترأس قسم التوعية والتثقيف البيئي، إضافة لتسلمه مهام الأمين التنفيذي للجنة التوعية والتثقيف البيئي، وفي نفس الوقت يقوم بعمل تطوعي برئاسته لجمعية البحرين للبيئة. مع الدكتور شبر إبراهيم الوداعي تذهب في سياحة بيئية هي ملمح من أهم ملامح شخصيته وأخذت الكثير من وقته وجهده ودراسته.

ونحن نتقصى تجربة الدكتور شبر إبراهيم وبدايات تعلقه بالعمل البيئي واهتمامه الشديد بالجوانب التوعوية، وحديثه الدائم عن مخاطر الفساد البيئي الذي يتسبب فيه الإنسان، يتضح لنا أن الأمر لم يقتصر على مجرد دراسة أكاديمية تفوق فيها شبر إبراهيم، لكن الحقيقة تكمن في تعلقه بالطبيعة منذ صغره، وتفاعله مع الأرض كفلاح صغير، أحب خضرتها ورائحتها، كما تعلق بالبحر وتعامل مع أسماكه كصياد محترف. وعن تلك المرحلة يقول الدكتور شبر إبراهيم: كنت صغيراً في فترة الستينات أمارس العمل مع والدي في البحرين، ووالدي فلاح وبحار يزرع الأرض ويفلحها، ويمارس صيد الأسماك، كان بيتنا وأرضنا على الساحل، ومن خلال عملي مع والدي في فلاحة الأرض كان يجعلني أشم التربة ويقول لي «في تربة الأرض رائحة الحياة»، وعندما بدأت المنطقة في استخراج البترول وتصديره حدث بعض التلوث في البيئة البحرية.

وكان والدي يقف حزيناً متأسفاً على التدمير الذي يقضي على لقمة عيش الصيادين وأرزاقهم، وكانت أهم نصيحة من والدي هي أن أتعلم وأدافع عن الطبيعة الجميلة التي وهبنا إياها الله، وهذه النصائح تركت أثراً كبيراً في نفسي، وقد رأيت منه أشياء واقعية تؤكد صدق حرصه على البيئة، فقد كان والدي يضع القراقير، وكان يحرص على أن تكون الفتحة بحجم مناسب حتى لا تصطاد الأسماك الصغيرة حفاظاً على الثروة السمكية.

دكتوراه القانون الدولي

هكذا كانت البدايات عند الدكتور شبر إبراهيم متفتحة على عوالم طبيعية وبيئية كونت لديه رؤية خاصة تجاه ما يراه انتهاكاً وخرقاً فاضحاً يفعله الإنسان كل يوم، جاءت دراسته الجامعية في كلية الحقوق لتمثل انعطافاً فعلياً وعملياً عندما كان يحضر رسالة الماجستير، وعن هذه التحولات يقول شبر: كانت حرب الخليج الأولى على أشدها عندما انصبت دراستي الجامعية في كلية الحقوق، وكنت أكتب رسالة الماجستير في عام 1986 وموضوعها حول القواعد القانونية المنظمة لحماية البيئة البحرية. وأخذت الخليج العربي مثالاً تدور حوله الرسالة، ويشاء القدر أن تحدث في ذلك التوقيت كارثة انفجار تشرنوبيل، فراح الأصدقاء يضحكون من موضوع رسالتي وكأنها كانت فألاً سيئاً بعدها اتجهت لدراسة القانون الدولي بجامعة كييف في روسيا، وهناك استقبلني رئيس قسم القانون الأكليوجي بترحاب شديد ونصحني بالكتابة عن الخليج.

وكتبت بحثاً مطولاً عن المشاكل البيئية في الخليج، وعندما قرأوا البحث شجعوني على دراسة القانون البيئي، إلى أن جاء عام 1990، وفي هذه السنة قدمت رسالة الدكتوراه حول المشاكل القانونية لحماية مياه حوض الخليج العربي، في تلك الأثناء حدث دخول القوات العراقية إلى الكويت، وكانت المنطقة على وشك أن تشهد حرباً أخرى قد تؤثر على البيئة البحرية في الخليج، وهنا سألني الأساتذة المشرفون على رسالة الدكتوراه بعد أن لاحظوا أنني وضعت يدي على مواطن الخلل في واقع القانون: ترى هل سأغير رأيي إذا ما قامت الحرب وحدثت متغيرات بيئية في المنطقة؟ وكان جوابي بالإيجاب.

وبالفعل قامت الحرب وتكشفت لدي معطيات أخرى جعلتني أنسف كل ما كتبته في رسالة الدكتوراه، وبدأت المناقشة بأسلوب أكثر عمقاً مستنداً إلى حقائق واقعية أفرزتها حرب الخليج الثانية، وتناولت في رسالتي الموضوع من زوايا عديدة سواء على المستوى التاريخي أو السياسي أو الاقتصادي أوالاجتماعي للمنطقة كذلك المواد القانونية البيئية المحلية والإقليمية والدولية، وفي النهاية خرجت بنتائج مختلفة، ودافعت عن موضوع رسالتي بالحجة القوية حتى حصلت على رسالة الدكتوراه عام 1992.

بدايات طفولية شكلت وعي الدكتور شبر إبراهيم بالواقع البيئي في المنطقة، ثم تأتي الدراسة الأكاديمية ليضع يديه على مواطن الخلل في تنفيذ القانون البيئي سواء في منطقة الخليج أو على المستوى الإقليمي والدولي، وهكذا وجد نفسه على المحك الواقعي أمام معطيات بيئية تستوجب العمل الفعلي لحماية البيئة، يقول: بعد أن أنهيت دراستي اتجهت إلى الكويت في عام 1994، وهناك عكفت على قراءة الكثير من الكتب الثقافية والأدبية وكتب في مجال البيئة أيضاً فترة لا بأس بها قضيتها في القراءة فقط أثناء تواجدي في الكويت، وفي تلك الأثناء كتبت أيضاً كتاباً بعنوان «القانون البيئي والسياسة» وهذا الكتاب لم يزل مسودة حتى الآن وفي طريقه للنشر.

متطوع من أجل البيئة

بعد هذه الرحلة الطويلة من الدراسة والبحث في مجال البيئة وحمايتها، جاء الدكتور شبر إبراهيم إلى الإمارات في عام 1996، ليبدأ صفحة جديدة من العمل التطوعي لخدمة البيئة والمحافظة عليها، يقول: عندما جئت إلى الإمارات تعرفت على الشيخ عبدالعزيز بن علي بن راشد النعيمي الذي كان يرأس جمعية أصدقاء البيئة، ومن خلال هذا التعارف عملت متطوعاً في الجمعية إلى أن أصبحت مديرها التنفيذي، وبعد فترة انتقلت إلى مكتب الجمعية في أبوظبي.

وبدأت العمل مع الدكتور عبدالله الحبشي. ودعونا في البداية خططاً للعمل في مجال التوعية، وكان أول برنامج نفذناه تحت عنوان «دورة تأهيل الكادر البيئي لطلبة المدارس» وكان تنفيذه في أبوظبي، وكان تحت رئاسة عبدالعزيز عبدالله المدفع الذي التقيته في سويحان أثناء عملنا في الدورة، وتعرفت عليه ونشأت بيننا صداقة قوية، كما شاركت في ندوات ومؤتمرات بيئية كثيرة، إلى أن جاء عام 1999 حيث نظمت الملتقى البيئي الرابع لجمعية أصدقاء البيئة.

واخترنا أن يكون تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وبالتعاون مع عبدالعزيز عبدالله المدفع رئيس هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة، وبعد الموافقة احتضنت مدينة الشارقة فعاليات الملتقى، بعدها اتصل بي الصديق عبدالعزيز وعرض علي أن أعمل معه في هيئة البيئة في الشارقة، وكان أول شيء قمت به مع الهيئة تنظيم دورة الشارقة الأولى للتأهيل البيئي لطلبة المدارس ومن يومها وهذه الدورة تقام سنوياً، وأصبح لبرنامجها ثقل كبير يستقطب التعاون الخليجي.

ومن مميزات هذه الدورة أيضاً أنها مفتوحة أمام جميع الطلبة من مختلف الجنسيات وقد تخرج منها حتى الآن أكثر من خمسمئة طالب وطالبة، وهدف هذه الدورة تربوي في المقام الأول ويعتمد على تثقيف وتوعية الشباب بالبيئة وكيفية المحافظة عليها، ونحن أثناء وضع برنامج هذه الدورة نحرص على أن تكون مفيدة سواء على المستوى النظري بإقامة الندوات أو على المستوى العملي بتنظيم رحلات إلى المحميات الطبيعية والجزر وغيرها من المعالم البيئية في الدولة، ففي الدورة الأولى عام 1999 نظمنا زيارة ميدانية إلى وادي يشى، وفي الدورة الثانية زرنا جزيرة السمالية بأبوظبي، وفي عام 2001 زرنا مدينة زايد، وتوالت الزيارات الميدانية في بقية الدورات.

وأنشطة أخرى كثيرة وزيارات لمتاحف مناطق تحرض عقول الشباب على التفكير في واقعهم البيئي، لكن عمل وأنشطة هيئة البيئة والمحميات الطبيعية بالشارقة لا يقتصر على النشاط السنوي، وإنما هناك زيارات وندوات وفعاليات تقيمها الهيئة بالتعاون مع المدارس وأنشطتها، كذلك مع بعض الدوائر والمؤسسات والشركات، وآخر هذه الأنشطة ندوة نظمناها بالتعاون مع النادي العربي الثقافي منذ أيام قليلة تحت عنوان «الحق البيئي».

ونحن سائرون في هذا الاتجاه لإعطاء جرعات توعوية للناس حتى يتفهموا الواقع البيئي الذي يعيشون فيه، وكيف يمكنهم المحافظة عليه.

تعهدات وتنصل

من هنا تبدأ استفساراتنا عن الواقع البيئي الحقيقي الذي يعيشه الإنسان في كل دول العالم، ومدى خطورة الانتهاكات اليومية التي تقترف بحق الطبيعة وبالتالي بحق الإنسان، يقول الدكتور شبر على المستوى المحلي لا يجب أن نكون متشائمين، فهناك توجه عام للاهتمام بنظام البيئة من خلال مؤسسات وهيئات تقوم بأدوار فعالة في مجال الحفاظ على البيئة، والمسؤولون عن القضايا البيئية لا يألون جهداً في تنفيذ ما هو موجود من قواعد وقوانين بأسلوب منهجي ومدروس، لكن إذا أردت الحقيقة فهناك خلل في عملية تنفيذ وتطبيق القوانين، وهذا الخلل ناتج عن ضعف شديد على المستوى الدولي.

وهذا كله يأتي نتيجة لعدم الوعي بما سيتركه هذا الخلل والضعف من مخاطر على الجنس البشري بشكل عام، ولا أخفيك سراً أن المصالح الخاصة سواء للأفراد أو الدول تلعب دورها في عدم تطبيق القوانين الدولية البيئية، وأدلل على ذلك بالرجوع إلى عام 1972 عندما جاء المجتمع الدولي والتأم ليضع ثوابت مبدئية في قضايا التوجه العالمي لانقاذ البشرية من خطر تدمير البيئة، لكن هذا العالم نفسه جاء في عام 1992 بمتغيرات دولية وانتهاء بالحرب الباردة إلى مؤتمر ريو دي جانيرو في البرازيل، ليضع مبادئ طموحة لتغيير الواقع المأساوي الذي حدث نتيجة الدمار في النظام البيئي.

هذا المؤتمر وضع أجندة القرن العشرين من حيث القضاء على الفقر ومشاكل التعليم والقضاء على الأمراض وكيفية حماية كوكب الأرض، لكن عندما أدركت الدول والشركات الكبرى متعددة الجنسيات أن هناك تعارضاً مع مصالحها الاقتصادية إذا ما طبقت القوانين الدولية البيئية، لذا تنصلت من التزاماتها وخربت بكل الأعراف عرض الحائط، وأول تراجع حدث كان في اجتماع «كيوتو» وكانت الولايات المتحدة الأميركية هي الدولة السباقة في التنصل من التزاماتها حيث جاءت بمبررات للصناعات التي تفرز الغازات المؤثرة على طبق الأوزون، بأنها لا تستطيع إغلاق المصانع فتحدث عندها بطالة.

هكذا بدأ التراجع ووصل إلى ذروته في مؤتمر جوهانسبرغ للبيئة والتوعية في جنوب إفريقيا عام 2002، في هذا المؤتمر اتضح جلياً أن هناك متغيرات في المفاهيم، وبدلاً من الحديث عن مشاكل وقضايا البيئة، فقد بدأ الحديث عن الإرهاب والمصالح التجارية وما إلى ذلك من أمور لا يقبلها العقل، وكانت نتائج هذا المؤتمر بمثابة شعرة معاوية، فقد تمخضت عن قرارات توافقية في ظاهرها فقط، لتأخذ منحى شكلياً حتى لا يقول المتابعون إن المؤتمر لم يخرج بشيء وهذا الأمر دفع الإعلامي نجيب صعب وهو متخصص في المجال البيئي أيضاً ويعمل مديراً لمجلة البيئة التي تصدر عن لبنان أن يكتب موضوعاً عن هذا المؤتمر تحت عنوان «قمة الخيبة».

خطر الأسلحة

ويخلص الدكتور شبر ابراهيم إلى جوهر القضية البيئية بقوله: عندما تتخلى الدول الكبرى بشركاتها ومصانعها الضخمة عن التزامتها تجاه النظام البيئي الدولي فإن الكوارث آتية لا محالة، ونحن عندما نتحدث عن أشياء بسيطة نراها تؤثر في البيئة من حولنا، فعلينا أن نقول بأن القضية أكبر من ذلك بكثير، لكن هذا لا يعني أن نغفل أموراً مهمة يجب أن توضع نصب الأعين عندما نخطط للمدن والمناطق السكنية، فمن بديهيات التخطيط الصحيح أن تفصل المناطق السكنية عن المناطق الصناعية بمسافة مناسبة، كما يجب مراعاة أن لا تكون المباني مرتفعة فهذا يؤثر على الإنسان بصورة أو بأخرى، وترك مساحات لزراعة الأشجار وإقامة الحدائق أمر في غاية الأهمية بالنسبة لراحة الإنسان نفسياً.

وهذه أمور بسيطة يمكن لأية دولة أن تضعها في الحسبان أو أن تتداركها، لكن يبقى الأهم وهو التفاتة الدول الكبرى لما هي مقدمة عليه من صراعات وحروب تستخدم فيها أسلحة محظورة دولياً، هذه الأسلحة تدمر البيئة البحرية والبرية وتقطع على الإنسان مصادر رزقه، وأمامنا مثال في العراق الذي أراه سيتأثر لأعوام كثيرة قادمة بعد أن استخدمت على أرضه كل أنواع الأسلحة الفتاكة التي أتت على الشجر والبشر فيه، أيضاً أمامنا نموذج لمخلفات انفجار تشورنوبل في مدى تأثر البيئة الزراعية وتأثر الإنسان أيضاً من وراء ذلك الحدث الخطير، وهناك أمثلة كثيرة معروفة للجميع.

وليست خافية على أحد، ومعروف أيضاً من يقف وراءها ويتسبب في دمار الطبيعة من حولنا، المهم أن يصحو ضمير العالم، وعلى كل فرد عادي أو مسؤول تقع مسؤولية الحفاظ على البيئة، ونحن من جهتنا نسعى لتحقيق العدالة البيئية، فمن حق كل إنسان أن ينعم بالحياة النظيفة، وأن يتمتع بمصادر رزقه التي وهبه إياها الله، دون أن يتدخل أحد من البشر في زعزعة استقراره بالعبث بمقدراته.

عز الدين الأسواني