نشأت الدكتورة فاطمة الصايغ في بيت علم ودين، والدها هو حسن الصايغ مؤسس المدرسة الأهلية أول مدرسة نظامية في دبي، ووالدتها وجدتاها من حافظات القرآن الكريم، وجاءت هي في منتصف عشرة من الاخوة والاخوات بالتساوي، احبوا جميعا العلم وسعوا لينهلوا منه بشغف، فكان اخوها الكبير ميرزا متفوقا طوال سنوات دراسته ويعد اول شاب من دبي يسافر إلى مصر لدراسة الطب في حين كان التقليد المتبع في ذلك الوقت هو مساعدة الابناء في هذا السن لابائهم في تجارتهم واعمالهم الا انه فضل العلم والحصول على بكالوريوس الطب ومن ثم يعود إلى ارض الوطن ويصبح من اوائل الاطباء المواطنين، وهكذا اتبعه جميع اخوانه واخواته فيما بعد.
وعلى خور دبي عاشت العائلة الكبيرة الممتدة التي علمها حب البحر التأمل وعدم الخوف والرغبة الدائمة في اقتحام المجهول، لذلك استطاعت فاطمة ان تسافر لتدرس في أميركا وبريطانيا دون ان تهاب الغربة التي تسلحت لها جيدا بكثير من القيم والقدرات التي استمدتها من بيئتها الأصلية ونشأتها الاجتماعية، وجاء سفرها إلى أميركا اولا بصحبه 27 معيداً ومعيدة من جامعة الإمارات في بداية الثمانينات، الا ان معظم هؤلاء ورغم تفوقهم العلمي حدث لبعضهم صدمة حضارية فتركوا الدراسة وعادوا إلى ارض الوطن دون اتمام مهمتهم، لكنها ابت ان تعود دون اتمام غايتها التي تغربت من اجلها وهي ان تعود متسلحة بالعلم الذي كان مجالا جديدا على بنت الإمارات. ولم تكن فاطمة بنتا هادئة في طفولتها بل كانت شقية تفعل كل ماتريده حتى انها لعبت كرة قدم مع اولاد الفريج، ورغم ذلك تفوقت في دراستها واحبت قراءة الكتب والمجلات التي كانت توصي أخاها الاكبر ميرزا لاحضارها عند عودته من مصر، فأحبت مجلات ميكي وسمير وقرأت روايات نجيب محفوظ وطه حسين والمنفلوطي وغيرهم.
فتاة من دبي ... ولم تكتف فاطمة حسن الصايغ بالحصول على درجة الليسانس في التاريخ الحديث من جامعة الكويت، وأصرت على مواصلة المشوار فحصلت على رسالة الماجستير في التاريخ من الولايات المتحدة الأميركية، ثم نالت الدكتوراه من المملكة المتحدة. تمتلك الدكتورة فاطمة الصايغ، أستاذ التاريخ في جامعه الإمارات، وعضو مجلس دبي الثقافي خبرات أكاديمية عديدة فقد عينت في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الإمارات أستاذا مساعدا في ديسمبر عام 1989م ورقيت أستاذا مشاركا في أكتوبر 1996م، ورئيسا لقسم التاريخ والآثار من 1998م وحتى 2000م وحاليا هي أستاذ في برنامج التاريخ والآثار. وتمتلك العديد من الخبرات التدريسية في تاريخ دولة الإمارات وتاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر ومجتمع دولة الإمارات وتاريخ الولايات المتحدة الأميركية، ونصوص تاريخية، دراسات وثائقية، وتاريخ أوروبا الحديث باللغة الانجليزية، ومنهج البحث التاريخي ومشروع بحث وتاريخ الحضارة الإسلامية وموضوعات خاصة.
جوائز وبحوث... ولدى الدكتورة فاطمة الصايغ اهتمامات بحثية كثيرة في تاريخ ومجتمع دولة الإمارات وتاريخ دول الخليج العربي والمرأة في الإمارات والخليج العربي والإرساليات التنصيرية في دول الخليج العربي والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي لدول الخليج. وحازت الدكتورة فاطمة الصايغ على جائزة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم للتفوق العلمي في نوفمبر 1991، وجائزة سلطان العويس لأفضل كتاب عن الدولة لعام 1997م (الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة). ولابنة دبي الدكتورة فاطمة الصايغ العديد من الابحاث العلمية التي تجاوزت الاربعة وعشرين بحثا، وبلغت عدد المؤتمرات التي شاركت فيها حوالي 28 مؤتمرا في مختلف بلدان العالم، بجانب مشاركتها في حوالي ستين ندوة ومحاضرة اقيمت على ارض الدولة، بجانب ذلك تعد الدكتورة فاطمة الصايغ من اهم النساء العربيات والخليجيات خاصة اللواتي شاركن في إلقاء محاضرات في الجامعات الاجنبية وبلغ مجموع تلك المحاضرات اكثر من عشرين محاضرة في الجامعات الأميركية، والجامعات البريطانية وجمهورية اوزبكستان الاسلامية واسكتلندا.
والدكتورة فاطمة الصايغ عضوة فعالة في لجان التحكيم لعدة جامعات عربية، ومراكز بحثية وتعد كذلك عضوا مؤسسا في الهيئات العالمية والجمعيات المهنية والبحثية والمجلات العلمية، كما تقدم استشاراتها إلى عده هيئات وشركات عالمية ومحلية.
وفي رصيد الدكتورة فاطمة الصايغ مشاركات فعالة على مستوى جامعة الإمارات وكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية وقسم التاريخ والآثار، حيث شاركت في خدمة المجتمع، وتنوع المساقات التي قامت بتدريسها وفي مجال تطوير طرق التدريس.
ولها دور بارز في اعداد المادة العلمية للمساقات، وشاركت في العديد من ورش العمل والدورات والمساهمة في الانشطة الطلابية.
نجاة مكي: صداقة من زمن الطفولة
وتعود بذاكرتها للطفولة الفنانة التشكيلية الدكتورة نجاة مكي قائلة: ربطت بين عائلتينا صداقة وطيدة منذ زمن بعيد حيث جمعت الجيرة بيننا حيث سكنا في بر دبي في منطقة قريبة من البستكية وهي منطقه حيوية جدا بسبب قربها من السوق القديم.
ويوميا اذهب إلى بيتهم والعب مع البنات وربطتني صداقة خاصة بمحفوظة الأخت الكبرى لفاطمة، إذ جمعتنا ميول فنية واحدة في الرسم وغيرها، وكثيرا ما لعبنا نحن الثلاث بالعرائس التي حرصنا على تصميم وخياطة فساتينها وذلك من عينات الأقمشة التي يلقي بها التجار في السوق، فنأخذها ونصنع منها أحلى الثياب لعرائسنا.
وكنا نلف على بيوت الفريج للاحتفال بالقرقيعان ونمسك بالسلال في يدنا ونملؤها بالمكسرات والحلويات، ونجري بشقاوة وراء النساء نحاول رفع البراقع والشيل التي تغطي وجوههن لنتعرف على شخصياتهن، ونحرص يوم الجمعة على جمع بعض النقود من مصروفنا لنشتري طعاما خاصا تقوم الأمهات بطهيه خصيصا وكأننا كبار لنا أشياؤنا الخاصة.
وأتذكر ان فاطمة دائما كانت أكثر اجتهادا في المدرسة، وفي بيتها قرأت مجلات ميكي وسمير التي كانت تأتي إليهم من مصر، والحقيقة انني رأيت جميع من في بيتهم يمسك بالورقة والقلم والكتب من اجل العلم.
وتواصل الدكتورة نجاة مكي ومن أهم مميزات فاطمة في طفولتها انها مرحة بشوشة الوجه لا تفارق الابتسامة وجهها وتلك هي أجمل صفاتها حتى الآن ايضا، وكانت مجتهدة تستذكر دروسها بحب واجتهاد، و من النادر ان تراها دون ان تكون ممسكة بالكتب الدراسية، ورغم الظروف الحياتية التي باعدت بيننا في الكبر الا اننا مازلنا على تواصل كلما سنحت لنا الفرصة.
وتمتاز د. فاطمة حاليا بأنها أستاذة ذات شخصيه جادة مع طلابها وطالباتها، ولها حضور مميز في أي مجلس تتواجد فيه، كما لا يقتصر نشاطها على التاريخ والآثار فقط بل يمتد إلى كافة أنواع الأنشطة في المجتمع، ومهما قلت عنها حقيقة لن أوفيها حقها.
فالح حنظل: فتاة رائدة
ويقول عنها الدكتور فالح حنظل الباحث في تاريخ الإمارات انها الفتاة الموهوبة التي عرفتها منذ أكثر من عشر سنوات عندما تعرفت بها بعد تخرجها من الجامعة، وكانت قد درست التاريخ الأوروبي، وأرادت ان تستعير كتابي (المفصل في تاريخ الإمارات) للتعرف على تاريخ الدولة، والحقيقة انني اعجبت بتلك الفتاة التي كانت رائدة من سيدات الإمارات، فهي صاحبة الخطوة الأولى في عالم المرأة الجديد والتي اخرجتها من كونها مجرد ماكينة تفريخ وطباخة في المطبخ إلى امرأة رائدة بعلمها تتحدى ظلمات الجهل والتخلف.
ويواصل الدكتور فالح حنظل ان معظم المؤرخين يهتمون بكتابة التاريخ السياسي من تولي الحكام وتوالي الازمنة والحروب وغيرها، إلى ان جاءت فاطمة ولاول مرة بكتابها الاول الذي يمثل التاريخ الاقتصادي للامارات، لقد تعلمت مني التاريخ السياسي للامارات وتعلمت انا منها التاريخ الاقتصادي والخط الجوي البريطاني ووصوله للامارات، وهذا كان عنوان رسالتها للدكتوراه.
ثم توالت اللقاءات الفكرية بيننا، حيث يسرت لي القاء عدة محاضرات عن بعض الوقائع الخاصة في تاريخ الإمارات. وخرجت الدكتورة فاطمة الصايغ عن نطاق الكتاب والمحاضرات إلى الكتابة في الصحف والمجلات.
ثم جاء كتابها الثاني (الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة) حاويا في كل صفحاته كل ما يريد ان يعرفه القارئ ثم صعدت إلى مكانة اكبر عندما وظفت اجادتها إلى اللغة الانجليزية نتيجة لدراستها في أميركا وبريطانيا، وذلك للقيام بترجمة ونشر افضل ما يؤخذ منا إلى الغرب والعكس صحيح، لذلك جذبت إليها العديد ممن يهتمون بالدراسات الخليجية والاجتماعية، ثم شاركت في معظم المؤتمرات لتمثل الإمارات عربيا وعالميا.
محمد المطوع: تزاملنا في الدراسة والتدريس
ويؤكد الدكتور محمد المطوع أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات انه يعرف الدكتورة فاطمة الصايغ منذ ان ذهبا سويا للدراسة في الكويت، وكانت بحق نموذجا رائعا للفتاة الجادة الملتزمة التي تهتم بدراستها، وحاليا وهي زميلة له في الكلية يراها ايضا استاذة جادة تعرف كيف تؤثر ايجابيا على طلابها وطالباتها، بجانب عطائها المستمر في مجال البحوث والدراسات التي تخص الجانب التاريخي لمجتمع الإمارات، ومنذ عشرين عاما مضت وهي ماضية في طريقها الاكاديمي بنفس النشاط و الحماس.
ويشير الدكتور المطوع إلى ان هناك هموما ثقافية مشتركة تجمعه مع الدكتورة فاطمة الصايغ وذلك من خلال عضويتها في جمعية الاجتماعيين وكمديرة تحرير في مجلة شؤون اجتماعية.
ويشير حسن محجوب اخصائي نظم المعلومات الجغرافية في جامعة الإمارات الى انه يعرف الدكتورة فاطمة منذ 12 سنة تقريبا، وانه خلال تلك الفترة استطاع ان يتعرف على شخصيتها عن قرب، فبجانب كونها نشيطة اكاديميا تعد واحدة من الصفوة في مجال البحث العلمي وصورة مشرفة لبنت الإمارات.
ورغم انها جادة جدا مع طالباتها وطلابها الا انهم يحبونها ويهتمون بمحاضراتها، كذلك في نموذج إنساني رائع فهي ودودة لأقصى درجة، لا يمكن ان تتعامل مع الاخرين بشكل يسيء اليهم على العكس هي تشعر كل من يتعامل معها انه قريب منها ومحط اهتمامها. وهي ذكية ولماحة وتمتلك سرعه بديهة، وتمتلك قدرا عاليا من الشفافية.
إيمان قنديل



