عرفت مناطق صيد اللؤلؤ التي كانت تمتد على شواطئ الخليج العربي حول جزر البحرين والإمارات، بالوفرة والنوعية العالية، و مثلت ميداناً غنيا لاستخراج اللؤلؤ والاتجار به، وكان معظم ما يستخرج من هذه المناطق من لؤلؤ، يصدر إلى الهند.

قدر عدد سفن الغوص بحدود ألفي سفينة في مختلف إمارات الدولة، بينما قدر عدد الرجال الذين كانوا في خدمة هذه السفن بحوالي عشرين ألف رجل. مثلت هذه التجارة جانباً مهماً من جوانب النشاط الاقتصادي ومصدر الرزق الأساسي لأبناء هذه المنطقة في تلك الحقبة التاريخية التي سبقت اكتشاف البترول، وكان الدخل السنوي من اللؤلؤ حينئذ يقدر بأكثر من عشرين مليون روبية. والطواشة «تجارة اللؤلؤ»، تعتمد على الخبرة والتجربة والمغامرة.

وقد عرف العديد من التجار البارعين في هذا المجال، كان لهم صيت واسع وشهرة كبيرة وهم من كبار الطواشين والتجار، يتعاملون في الأصناف الجيدة من اللؤلؤ مثل الجيون واليكه، ويمولون سفن الصيد بالمال اللازم، ويشترون من النوخذة ومن صغار الطواشين اللؤلؤ ويعرضونه في أسواق اللؤلؤ بالبحرين والكويت وبومباي، أو يبيعونه إلى بعض الأوربيين الذين يفدون خصيصاً لشراء اللؤلؤ، ونسبة كبيرة من الطواشين في الخليج كانوا يسافرون لتسويق لآلئهم في بومباي. ومنهم التجار الذين كانوا يجولون وسط سفن الصيد في الهيرات داخل «هورى» وهو القارب الصغير وعندما يحصل أحد النواخذة على لؤلؤة يريد أن يعرضها على الطواشين كان يرفع راية صغيرة على السفينة تسمى (النشرة) فيأتي الطواش ويتولى فصحها ووزنها وتقييمها ثم يعرض الثمن على النوخذة فإذا تم الاتفاق اشتراها الطواش إما بالنقود أو يعطيه بدل القيمة تمراً أو زاداً. وهناك من الطواشين من يقوم بتصنيع اللؤلؤ وصقله قبل البيع، ومن أشهرهم رحمة بن عبدالله الشامسي من الشارقة . وللطواشين القدرة على تمييز أنواع اللؤلؤ وتقدير قيمته وذلك من حيث الصنف والوزن والحجم،كما كان يتعامل في تجارة اللؤلؤ طواشون من جميع بلدان الخليج .

أسواق متنقلة في عرض البحر... كانت عملية بيع وشراء اللؤلؤ تتم عن طريق بيعه إلى الطواشين الذين يلحقون بالغواصين وسفنهم إلى عرض البحر بواسطة سفن خشبية «تشاشيل» وهي أشبه بالأسواق المتنقلة لأن فيها الماء والتمر والأرز وأشياء أخرى يحتاجها الغواصون وعملية البيع تتم بواسطة صاحب المحمل، وبمعرفته للطواش مباشرة، ويطلق على عملية البيع هذه بيع «الحلوى». أما النوع الثاني من عمليات البيع فهو بيع «العميل» وهذا يتم عند عودة المحمل إلى البلاد، ولا يتم إلا للطواش الذي زود المحمل بالمؤن، وفي معظم الأحيان يتم بيع اللؤلؤ وقت عودة السفن من البحر، بين صاحب السفينة والبحارة من جهة، وتاجر اللؤلؤ من جهة ثانية، عن طريق رجل يسمى «النصف» أي صاحب العدل ومهمته تقدير وتثمين قيمة، كما كان البيع يتم أحياناً عن طريق السمسار . ويعرف اللؤلؤ محلياً باسم قماش، ويختلف تقدير اللؤلؤ وبالتالي قيمته النقدية تبعاً لاعتبارات الحجم والوزن والشكل، ويعتبر «الجيون» أعلى الأنواع مرتبة بلونه الأبيض الصافي، ومنه تتفرع أنواع كثيرة كالجيون قلابي والفينس والنباتي.

ثم اليكة الذي يختلف عن الجيون في نصاعة اللون والقولوه التي تميل إلى الزرقة والاحمرار قليلاً . ثم البدلة والسجنى والناعمة والبوكة والخشرة .

وتختلف قيمة اللؤلؤة باختلاف شكلها فكلما كانت كاملة الاستدارة منتظمة الشكل متألقة البريق ازداد ثمنها وارتفعت قيمتها أما أنواع اللآلئ عديمة البرق والشفافية والتي يميل لونها إلى الحمرة أو البياض فهي منخفضة القيمة .

وكان يأتي إلى مراكز تجمع اللؤلؤ التجار العرب من المناطق المجاورة والتجار الأجانب كالفرنسيين والبريطانيين والهنود وغيرهم من خارج المنطقة، كما ظهر الكثير من تجار اللؤلؤ والخبراء في شؤونه وفي حساب أوزانه وتصنيفه، ومن تجار اللؤلؤ المشهورين خلف بن عتيبه وابنه أحمد، وفهد الدوسري، في أبوظبي، أحمد بن دلموك، و إبراهيم الفردان، ومحمد ناصر بن لوتاه في دبي، وعبدالله بن محمد الشامسي.

وكان لتجار اللؤلؤ مكانة اجتماعية مرموقة، وكان حكام الإمارات يفوضونهم أحياناً في عمليات إبرام العقود وتسوية المنازعات وترتيب المصالحات. وكان الطواش كالنوخذة يعلم أبناءه مهنته التي ترعرع في كنفها.

أدوات الطواش

يعتمد الطواش على أدوات خاصة لوزن اللؤلؤ وتحديد معايير جودته، ومن أهم أدواته «الطوس» وهو عبارة عن غرابيل مصنوعة من النحاس متدرجة فتحات الثقوب، تستخدم لفرز حبات اللؤلؤ، حسب حجم الحبة، ويسمى الغربال الواحد «طاسة» ويبلغ عددها سبع طوس، أو سبعة غرايبل وباستخدامها تفرز حبات اللؤلؤ، حيث توضع كامل حبات اللؤلؤ في الغربال الأول الذي كان يسمى «غربال الرأس» وتسمى الحبات حبات الرأس، ثم تؤخذ باقي الحبات وتوضع في الطاسة الثانية وتسمى طاسة البطن واللؤلؤ لؤلؤ الخشن، ثم تستمر العملية حتى الطاسة السابعة.

ومن الأدوات الأخرى التي يستخدمها الطواش، ميزان نحاسي صغير الحجم مصنوع من رقائق النحاس، مزود بخيط من الحرير، يستخدم في مجال مغلق معزول عن الهواء، وأوزانه مصنوعة من معادن خفيفة جداً، وهو نوعان، الأول لسعة مثقالين اثنين، والثاني لسعة عشرة مثاقيل.

كما يستخدم الناظور الذي يتكون من عدستين مكبرتين. والبكر الذي يستخدم لكسر بقايا المحار العالق بحبات اللؤلؤ، وتستخدم المغرفة التي تصنع عادة من النحاس. وكل ذلك يوضع في صندوق خاص يطلق عليه اسم الدستة. وهناك كتاب أوزان اللؤلؤ وهو من أهم أدوات عمل الطواش يعتمد عليه في حساب أوزان اللؤلؤ.

إسماعيل الرفاعي