مرح خفيف الظل وصاحب ابتسامة لا تغيب، تمرس في الحياة منذ الصغر واكتسب خبرات تفوق عمره، وتحمل المسؤولية تجاه نفسه وعائلته وهو لا يزال طري العود، مارس مهناً عدة في سبيل توفير حياة كريمة لوالديه وضحى بأشياء كثيرة من أجل ذلك، غير أن الحياة عادت لتبتسم له رويداً رويداً، عندما تفجرت مواهبه الفنية وسطع نجمه مع بداية الثمانينات محققاً حضوراً مميزاً لفت إليه الأنظار.
هو مطرب يمتلك إمكانيات صوتية متفردة، ثم ممثل مسرحي يجيد تقمص أدواره بإتقان، كتب وأخرج العديد من الأعمال الدرامية، وحفر اسمه على لائحة الفنانين المميزين كان لقاؤنا يتطلب قدراً من تضحياته وهو الذي يواظب على الذهاب إلى رأس الخيمة يومياً بعد الإفطار ليشارك هناك في عمل مسرحي، هكذا هو ممنوع من الراحة حتى في شهر رمضان، وفي نظره الفن يستحق أن يضحي من أجله، الفنان عبد الله صالح يُقلّب هنا في دفاتره القديمة والجديدة. في بداية الستينات وفي منطقة معيريض برأس الخيمة ولد عبد الله صالح وحيداً بين أخواته البنات، غير أن العائلة لم تلبث أن انتقلت مع كثير من العائلات إلى الشارقة، ومن ثم انتقل عبد الله صالح مع أسرته إلى أبوظبي واستقر فيها فترة لم تدم طويلاً، تنقلات عدة شهدتها أيام الطفولة وصاحبتها ذكريات في أكثر من مكان، وعن هذه الفترة يقول: رأس الخيمة هي مسقط رأس والدي، وما أذكره من طفولتي فيها لا يتعدى مشاهد بسيطة، فقد كنا نسكن مقابل سوق السمك على البحر، ولذلك كانت طفولتي مرتبطة بعض الشيء بالبحر وألعابه المعروفة،
كما أن الألعاب الأخرى كنا نمارسها على الشاطئ مثل لعبة «عظيم لواح» و«المسطاع»، فما كانت هوايتي بجمع اللوز تأخذ من وقتي وما أذكره أننا كنا نقضي فصل الصيف وسط النخيل ونستمتع تحت ظلاله، وكنا ننام على سرير كبير ومرتفع عن الأرض بكثير، وهو سرير مصنوع من سعف النخيل، والحياة في رأس الخيمة وقتها كانت بسيطة بحكم الظروف المعيشية، لكن الناس وقتها كانوا أصحاب قلوب كبيرة، ولا فرق بينهم فيما يمتلكون، كان التراحم والتواصل سمتين يعمل بهما الجميع، كما أن التربية أيضاً كانت مسؤولية ملقاة على الجميع، والأمر السائد وقتها أن إرضاء الصغار كان شيئاً عادياً بين النساء، فهذه ترضع ابن جارتها، وأخرى ترضع أولاد الفريج،
ولذلك فأنا لدي أخوة كثيرون في الرضاعة، وأعرف بعضهم وأتواصل معهم، أما حنيني إلى رأس الخيمة فهو دائم، أتردد كثيراً عليها لأتذكر تلك المرحلة، كما أن هناك امرأة ساهمت في تربيتي وأنا صغير، وكلما سمحت الظروف أذهب لزيارتها، والحق أن تلك الفترة البعيدة بعض الشيء عن ذاكرتي، لكنني أستعين بإخواني لأسألهم عن أي شخص ومدى قرابته لنا.
مجند في القوات المسلحة
كانت الظروف المعيشية في ذلك الوقت صعبة للغاية، وتحت وطأة الفقر انتقلت عائلات كثيرة من رأس الخيمة إلى الشارقة وأبوظبي، وقد انتقلنا نحن إلى الشارقة ولكن لم يوفق والدي الضرير في الحصول على مصدر رزق يؤمن لنا حياتنا، فانتقلنا بعد فترة وجيزة إلى أبوظبي، وهناك مكثنا فترة طويلة، وفي أبوظبي كنت قد وصلت إلى مرحلة عمرية لا بد وأن أدخل فيها إلى المدرسة، ومع أني ذهبت في فترة لاحقة إلى الحضانة وكنت ملتزماً فيها وغير خائف،
إلا أن سنوات دراستي الأولى في مدرسة ابن دريد الابتدائية شهدت هروباً متكرراً، وكنت أحمل حقيبتي في الصباح وأخرج، لكنني لم أكن أذهب إلى المدرسة، وحين يأتي وقت مغادرة المدرسة، كنت أعود مع التلاميذ وكأنني كنت معهم، والحق أن هروبي من المدرسة لم يكن كرهاً فيها، وإنما كانت طفولتي وتنقلاتي الكثيرة خلالها أثرت في نفسيتي فأنا لم أنعم باستقرار في مكان واحد، ولهذا كانت صداقاتي قليلة للغاية،
ثم إن المسؤولية التي كانت ملقاة على عاتقي في وقت مبكر حالت بيني وبين الاستمتاع باللعب واللهو، غير أن الدراسة اتخذت معي شكلاً آخر وأحببت المدرسة، واستمريت فيها حتى أنهيت الابتدائية والتحقت بالدراسة المتوسطة، لكن الظروف المعيشية كانت ساءت كثيراً ففضلت عدم إكمال الدراسة والالتحاق بالعمل في الجيش لأساعد والدي، وبالفعل حصلت على عمل في الثقافة العسكرية، واستطعت أن أؤمن متطلبات العائلة من مصاريف وإعاشة،
لكن قبل أن أطوي مرحلة الدراسة لا بد وأن أشير إلى مدرس اللغة العربية الذي انتبه إلى ميولي الفنية، فقد كان لدينا حصة نشاط كل يوم اثنين نمارس فيها هواياتنا الموسيقية والتمثيلية، واكتشفت نفسي من خلال هذه الأنشطة لكن ظلت الهواية والموهبة حبيسة خصوصاً وأنني التحقت بالعمل العسكري بعد ذلك، لكن أثناء تواجدي في أبوظبي تقدمت إلى برنامج المواهب في تلفزيون أبوظبي وكان يقدمه جابر جاسم، وغنيت أغنية «سيدي يا سيد سادتي» فصفق لي جابر وشجعني على الغناء.
تلميذ في الثلاثين
ميول فنية مكبوتة لسنوات عديدة، وأحلام كثيرة كانت تراود عبد الله صالح أثناء عمله في القوات المسلحة، إلى أن جاء الفرج بعد عناء لتفتح الأبواب أمامه ويلتقط الفرصة التي سنحت له في دبي، يقول: في عام 1974 التحقت بالعمل في القوات المسلحة، وكنت مقيماً في أبوظبي، لكنني كنت أنزل إلى دبي حيث أختي متزوجة ومقيمة، ومن خلال الزيارات كونت صداقات جديدة وبدأت أطل على عالم مغاير وأناس مختلفين، ونمط من الحياة لم أعرف من قبل،
وشاء القدر أن أتعرف على زوجتي الأولى أم مروان وتزوجتها، ومنذ ذلك الوقت أقمت في دبي، وفكرت في الاستقالة من عملي حتى أشق طريقي في الفن، وبالفعل قدمت أول عمل مسرحي في مسرحية «قاضي موديل 1980»، وشيئاً فشيئاً بدأت أحلامي الفنية تتحقق، وأنا أعتز كثيراً بهذه المسرحية التي فتحت أمامي الأبواب، واستطعت أن أمارس الغناء في فرقة «ليالي الخليج» التي أسسناها عام 1985 ومع أنني أعترف أن فترة الثمانينات كانت بداية انطلاقي في عالم الفن إلا أنها في نفس الوقت كانت قاسية على نفسي،
ومررت فيها بتجارب مريرة، إذ لم أجد عملاً مستقراً واضطررت للعمل في أمور كثيرة لم أجد نفسي فيها، فعملت مع صديقي نبيل عبد الكريم في مجال المفروشات، واشتغلت في مهن أخرى طوال فترة الثمانينات إلى أن جاء عام 1990 ووفقني الله في وظيفة بالمجلس الأعلى للشباب والرياضة، وفي نفس العام عدت إلى مقاعد الدراسة من جديد، ودرست من الصف السادس الابتدائي إلى أن حصلت على شهادة الثانوية العامة في عام 1997.
ولم أكتف بذلك، وإنما التحقت بكلية التقنية ودرست فيها لمدة عام، لكن ظروف العمل والأسرة والانشغال بالفن حالت دون إكمال المسيرة، ومع ذلك فأنا أحمد الله على كل شيء، فقد كانت فترة التسعينات فأل خير عليّ، واستطعت خلالها أن أنجز الكثير، سواء على مستوى الفن أو الدراسة أو على المستوى الاجتماعي وأعتبر هذه الفترة حصاداً وتتويجاً لمجهود بذلته في السابق، فعلى صعيد العمل أصبحت الأمور مستقرة للغاية من حيث الدخل الثابت، وهذا جعلني استقر عائلياً بعد أن تزوجت للمرة الثانية،
كما أنني حصدت جوائز عديدة على المستويين المحلي والخليجي في هذه الفترة، فقد حصلت على جائزة أفضل ممثل أربع مرات في مهرجان الشارقة المسرحي، وعلى جائزة أفضل ممثل في مهرجان عمان عام 1998، وفي مهرجان قطر حصلت على جائزة أفضل ممثل وقد فزنا بها أربعة ممثلين قدمنا مسرحية «باب البراحة» كما فزت أيضاً بجائزة ثاني أفضل نص مسرحي، كما أننا أسسنا فرقة دانة الخليج بعد خروج بعض الأعضاء من فرقة ليالي الخليج ودخول أعضاء جدد منهم الملحن خالد ناصر، وغيرنا الاسم وهكذا أصبحت حياتي تتغير إلى الأفضل، فبنيت بيتاً أنيقاً واستقرت الأمور بنسبة كبيرة، والآن وبعد هذه المسيرة انظر إلى الماضي واستفيد منه.
لاعب كرة يد سابق ومشجع دائم للوصل
مشوار كفاح قطعه عبد الله صالح خلال مسيرته الحياتية والفنية، لم يكن طفلاً مدللاً مع أنه الولد الوحيد وسط أربع فتيات، وربما كانت تلك ميزة عكسية حملته المسؤولية أكثر ومنذ طفولته المبكرة، يقول: لم نكن نعرف معنى أن يدلل الطفل في أسرة فقيرة، لقد نشأت في ظروف قاسية علمتني معنى أن أكسب قوتي من عرق جبيني، لكن كان لوالدي الفضل الكبير في ذلك، فقد تعلمت منه الصبر والحكمة، واستفدت من مصاحبته وهو يُسمعني الشعر، فقد كان متذوقاً للموسيقى والغناء وكان أيضاً يؤلف الشعر ويحفظ لشعراء آخرين،
وقد كانت وفاته في منتصف الثمانينات نقطة تحول في حياتي، خصوصاً وأن والدتي قد توفيت في نفس الفترة، وكان عليّ ساعتها أن أفعل شيئاً ما في حياتي بعد أن تركا فراغاً كبيراً بالنسبة لي، ومع أن طفولتي كانت خالية من اللعب واللهو، إلا أن فترة الشباب قد شهدت بعضاً من ممارسة الهوايات، فقد مارست كرة القدم لفترة طويلة،
لكنها كانت ممارسة على نطاق الفريج مع الأصدقاء في دبي، ومارست أيضاً كرة اليد في نادي الوصل لمدة عام، ولم أواصل المشوار نظراً لانشغالي بالعمل والأسرة، والمشاركة مع فريق منظم وضمن نادٍ كبير مثل نادي الوصل يتطلب ممارسة مستمرة وبشكل يومي، لكنني ما زلت حتى الآن أشجع نادي الوصل، وأحرص على متابعة مبارياته كلما سنحت الفرصة.
وها آنذا أحصد نتيجة صبري وجهدي، وقد أنعم الله عليّ بأسرة وأولاد يملأون حياتي، وقد ربيتهم على الصدق مع النفس والصبر، وكثيراً ما أحكي لهم عن ظروفنا التي عشناها وهم على قدر المسؤولية، فابني الأكبر مروان فنان مسرحي ومشارك في الدراما التلفزيونية أكثر، وهو سائر على نفس الطريق بعد أن أكمل دراسته وتخرج، وهو ممثل بارع كان يذهب معي إلى المسرح وهو صغير، وأحب التمثيل بعد ذلك وأصبح له شخصيته المستقلة،
وقد فاز بجائزة أفضل ممثل دور أول في مهرجان الخليج في أبوظبي مناصفة مع ممثل عماني، والحق أن مروان لم يعتمد عليّ في شيء، بل انه شارك أكثر مني في الأعمال التلفزيونية وله طريقه الخاص، أما بقية أولادي فلا شأن لهم بالفن، بالمناسبة جميع أسماء أولادي تبدأ بحرف الميم، مروان، مراد، ميثاء، موزة، مريم، وآخر العنقود محمد، كما أن اسمي والدي ووالدتي يبدآن بحرف الميم، واسم والدي محمد لكن اسم الشهرة طغى فأصبح اسمي عبد الله صالح نسبة إلى الجد.
عبد الله صالح الذي بدأ حياته الفنية مطرباً، يغني ويستمتع بالموسيقى غير أنه لا يعرف العزف على أية آلة، يقول: حاولت أن أتعلم العزف على العود، لكن الأمر لم يكن بالسهولة التي توقعتها، فالعود يحتاج إلى ممارسة يومية، وعملي لم يترك وقتاً كافياً للتعلم، إضافة إلى أن مدرس الموسيقى الذي كان يدربني جعلني أصرف النظر تماماً عن إكمال التعليم، فقد كان كثير الشكوى والطلبات.
أحب أن أفعل كل شيء بنفسي، وأنا طباخ جيد، وأذكر أننا في تنقلاتنا ورحلاتنا أقوم بالطهي للزملاء، خصوصاً إعداد المشاوي، أما الآن فأنا لا أدخل المطبخ إلا في أوقات قليلة، وبناتي يقفن معي ليتعلمن مني، وفي رمضان أحب أن أعد طبق الفول المصلح بنفسي. أشعر أنني قدمت الكثير وأنا راضٍ تماماً عن نفسي، لكن تبقى كلمة أوجهها لإدارات الإنتاج في محطاتنا التلفزيونية، وهي أن تهتم قليلاً بالممثل الإماراتي وإعطائه مساحة من الظهور والمشاركة في الأعمال الدرامية، فليس من المعقول ألا ينظر للفنانين الإماراتيين الذين قدموا للساحة أعمالاً مميزة.
فنان شامل
وفي شهادته عن صديق الطفولة والشباب يقول نبيل عبد الكريم: أعرف عبد الله صالح من فترة طويلة تعود إلى السبعينات عندما كان يأتي من أبوظبي ليزور أخته في دبي، وقد جمعتني به صداقة ممتدة حتى الآن، وعرفته إنسان ملتزم مجتهد في عمله، وهو مثل الجندي المجهول، فقد أعطى الكثير لمن حوله سواء لأسرته أو للشباب فيما بعد، فقد ساعد الكثيرين ممن يعملون الآن في الفن بعد أن أشرف على دورات وورش لإعداد الممثلين،
أما عن أيام الشقاوة فقد كان عبد الله فوضوياً بعض الشيء وله مقالب يصنعها في الأصدقاء، وله أيضاً ذكريات لا يمكن أن ننساها مهما طال الزمن، فهو مسؤول عن فريق كرة القدم الذي شكلناه وأصبح هو الكابتن وكان يحضر لنا المشروبات بين الشوطين على حسابه، أما مفارقاته المضحكة فهي كثيرة بحكم أنه مرح محب للفكاهة، وأذكر ليلة زفافه أنه ركب سيارته الـ جي تي والتي كانت مشهورة بين الشباب آنذاك، وترك صديقنا عبد السلام ربيع يقود سيارته وهو إلى جانبه،
بينما خرجنا نحن البقية في سيارتي التي كانت من نفس النوع، ورحنا نقوم بحركات شبابية عند الإشارات المرورية وفي الشوارع إلى أن طاردتنا الشرطة، وقضى عبد الله صالح جزءاً من ليلة الدخلة في مركز الشرطة، وفي مناسبة أخرى غرزت سيارتي في الرمال ونحن نحاول إخراجها، وانبرى عبد الله ليقوم بالمهمة على الرغم من أنه في ذلك الوقت لم يكن يحمل رخصة قيادة، وبعد مداولات سمحنا له بالصعود إلى السيارة، فراح يضغط على دواسة البترول من دون أن يضع ناقل السرعة في المكان المناسب فانهلنا عليه بالسباب وهو يضحك، لكن يبقى عبد الله صالح الإنسان الجميل المحب لعائلته وأصدقائه، وهو فنان متميز وأنا أحب أعماله الفنية.
أما الفنانة مريم سلطان فقد شهدت بزوغ نجم عبد الله صالح منذ أن كان طفلاً لم يتعد الخامسة عشرة من عمره، تقول في شهادتها: بكل صدق يعجز لساني عن وصف إنسان مجتهد وصبور مثل عبد الله، لقد عرفته وهو صغير كان يجلس في الباص أثناء ذهابنا لعمل البروفات وكان يغني، وعبد الله في مقام ابني ربيته وهو صغير، وشهادتي فيه مجروحة وأنا الذي عرفته في مجال الفن وفي الحياة الاجتماعية من خلال زيارتنا العائلية المتبادلة،
وهو فنان شامل مثل وغنى وكتب وأخرج للمسرح، وهو بحق فاكهة المسرح الإماراتي، ملتزم بالمواعيد لدرجة أنه يحضر قبل الأخيرين وبفترة طويلة، مرح يحب الفكاهة ومبتسم حتى وإن كانت لديه مشاكل شخصية، والشيء الجميل في عبد الله أنه إنسان يسعى دائماً للمشاركة في أي عمل وفي أي مكان، فهو مخلص لفنه ويعمل بقلبه وبتفانٍ عجيب، ومن دلائل اجتهاده أنه حرص على إكمال دراسته بعد أن توقف عنها بفترة طويلة، كما أنه صبور استطاع أن يتحمل الكثير من المعاناة في حياته، لكن الله وفقه في النهاية، وأنا أتمنى له من كل قلبي النجاح الدائم.
عز الدين الأسواني



