ولد في الفجيرة، حين كان الفريج لا يتجاوز بضعة بيوت تنصب عرائشها حول حصن الشيوخ آنذاك. لم يتعلم الكتابة، لكنه تعلم قراءة البحر موجة موجة وامتطى خشبه. نزل البحر مع والده منذ أن بلغ السابعة من عمره، ولم يترجل عنه إلا بعد أن أمضى ما يقارب نصف القرن هناك، يطوف مع أهواله ويهبط سواحله، ويزور المدن التي تطل عليه، في سفر يمتد حولاً كاملاً من البصرة إلى الهند وسواحل إفريقيا. التقيناه في قرية التراث في الفجيرة، وراح يحدثنا عن تفاصيل هذه القرية ويشرح مسميات الأدوات القديمة.
ابتدأ شغفه في جمع التراث منذ 25 سنة تقريبا، ويمتلك حوالي 300 قطعة تراثية تعود من 300 إلى 400 سنة على حد تقديره، تتضمن الحاجيات المنزلية وأثاث البيت والأسلحة القديمة والأدوات الموسيقية «البشتخته» التي يقول أنها لا تزال تعمل بشكل يدوي. في قرية التراث بدا الأمر وكأننا ندلف إلى قرية حقيقية متكاملة وقد صنعت وتوزعت لتحاكي الفريج القديم، فهناك العرائش والمريحانة واليازرة التي كانت تربط بالثور لتوزيع المياه على الزرع عبر أقنية خاصة، وهناك «المنزفة» التي يستخدمها الفقير لجر المياه أيضاً وتوزيعها.
داخل العرائش تراصفت مصنوعات الخوص ومكبات البدو والمباخر، وهناك أيضاً ثمة نماذج من السفن قام المزروعي بصناعتها على شكل (البوم) شيخ السفن، وهو يقول إنه يستطيع صناعة جميع نماذج السفن المعروفة في الإمارات، كالجالبوت والشاشة والصمعة وغيرها. وعن اهتمامه بالتراث يقول المزروعي: الشيخ زايد، رحمه الله، علمنا أن نحب التراث ونهتم به ونحافظ عليه (واللي ما عندا ماضي ما عندا حاضر) ويضيف أنا أمثل تراث الإمارات منذ 25 سنة وأقوم بتجميع الكثير من الأدوات القديمة وأشارك بها في معرض التراث في المجمع الثقافي في أبوظبي، ونحن الآن نستعد لمشاركة قادمة بعد انتهاء شهر رمضان الفضيل.
البصرة بصيرة
وعن عمله في البحر وتجواله في المدن يقول: عندما بلغت الخامسة عشرة من عمري تركت والدي للعمل عند خليفة بن سلوم وهو من أهالي بر دبي في الراس، على «جالبوت» اسمه (اللّغاي) وكنا نعمل في نقل الماء من صوب شعم في رأس الخيمة إلى سفن الغوص في الهيورات، ثم تركت أهل دبي وعملت مع قوم (هامور) في الشارقة وفي أول الأمر عملت في سفن الغوص «يلاس» ثم تدرجت في العمل حتى أصبحت (اسكوني) وهو الذي يمسك بموجه السفينة، ومقدمي، حتى أصبحت نوخذة والحمد لله.
ثم يستطرد عن رحلات البحر التي كانت تبدأ من البصرة التي لا يخفي حبه وحنينه لها، يقول: البصرة بلد الخير والناس الطيبين، وهي كما يقول المثل «البصرة بصيرة إلا ديار بغداد» و«اللي ما شاف البصرة يموت بالحسرة»، وهناك تشرب الماء الحلو من أول الشط إلى آخره وترى النخيل والخير، ويتذكر ليالي الطرب ومسارح بصرة التي حضر فيها حفلة غنائية لسميرة توفيق.
ويضيف كنا نحمل التمور من البصرة إلى الهند، ومن هناك نحمل إلى (بنغرور) في إفريقيا، القرميد الأحمر الصغير (كابرير) ونطوف في سواحل إفريقيا من زنجبار، لامو، دار السلام، مومباسا، حتى نصل إلى سنغابرنغا، حيث نجلب دهن الصل والعومة، وحين يدور الصيف نعود إلى البلاد، لنرتاح فترة بسيطة من الزمن ونعود بعدها إلى البحر، ويضيف أنا راعي البحر يقول وهو يسرح ببصره في ثنايا الزمن الذي أمضاه عائما على سطح الملوحة المتموجة من بلد إلى بلد يقلب الدنيا وتدور به الفصول خارج داره وأهله، أنا راعي البحر نعم، عرفت صغائره وأسراره وعرفت سفن أفريقيا وإيران.
نعم لقد أمضى العمر طائفاً على الخشب، يعمل بجهد وكد للحصول على لقمة العيش الصعبة والتي لا تتجاوز الـ 400 روبية في أحسن الأحوال. يقول: عملت في البحرين والكويت والسعودية، بعد ذلك عملت في أبوظبي في شركة فرنسية لأربع سنوات في حفر خور البطين، وحفار نفط في (رقوق) في الغلاّن، داس. ويضيف ثم «ودّرت البترول وصدت السمك». ويتابع عملت بعد ذلك في وزارة الزراعة في البداية عاملاً ثم سائقاً 27 عاماً ثم تقاعدت بعدها، وأنا متفرغ حالياً لقرية التراث والمشاركات في المعارض التراثية.
لم تثنه الحياة الصعبة عن عزيمته ولم تنل منه الأيام بقدر ما وثقت علاقته بالحياة، وجعلته يمارس هواياته وحبه للتراث بتجميع وتصنيع الكثير من الأشياء التي كادت تنقرض لولا وجود أمثاله الذين سكنتهم تلك الأيام وسكنوها وهم يحاولون أن يعيدوا إحياءها بالطريقة التي يستطيعونها.
عفاريت الموج وسمك الكنعد
العودة إلى أهوال البحر وأحواله مع المزروعي وتداخل رذاذ الموج مع هبوب الرمال اللاذعة وعرائش القيظ، وعبور سور قرية التراث الطيني إلى السواحل المفتوحة، كان ينساب مع حديثه ببساطة وعفوية، مازجاً شجونه بأفراحه، وهو يترحّم على أمه التي توفيت في هذا الشهر الكريم بعد أن بلغت 125 عاماً وعادت طفلة على حد تعبيره، ووفاة زوجته قبل عدة شهور، لم يغلّب لهجة الحزن على لهجة الحب التي كان يتحدث بها عن أرضه ودياره، وعن الخير الذي عمّ على الجميع باكتشاف البترول واستقرار البلاد.
لقد أكسبه البحر صلابة بادية، ورقة حاضرة، وها هو يعود بنا إلى بعض المخاطر التي أحدقت به في عرض البحر، حين يتذكر حادثة في طفولته، يقول: في إحدى المرات كنت صغيراً آنذاك، وكنا نركب السفينة صوب دبي وقبل أن نصل إلى أم القيوين، هبت رياح عاتية وماج البحر بعنف كبير، فطلبوا مني أن أربط الحبل في العبرة حتى تثبت السفينة، وقد ازدادت الرياح وعلا الموج أكثر وأنا أحاول تثبيت الحبل، وبسبب قسوة الطقس وصعوبته تركوني حتى الصباح والموج يضربني دون توقف، ثم حملوني في الصباح وأنا لست حيا ولست ميتاً.
ثم يعبر بذاكرته إلى زمن آخر وحادثة أخرى حين كان نوخذة وقتها، وكان يعمل آنذاك في صيد السمك ونقله بين البحرين والسعودية. يقول: كنا في جزيرة الداس وكان هناك مجموعة من سفن الصيد وقد صادف يوم وقفة عيد الأضحى واتفقنا على أن نمضي العيد في قطر، وحين توجهنا إلى قطر تأخرت عدة ساعات عن باقي السفن، فقد وجدت مكاناً يتوفر على سمك الكنعد فأخذت سفينتنا تصطاد الأسماك حتى داهمنا طوفان وجنت الدنيا وهاجت عفاريت الموج ولم نعد نبصر أمامنا فالسماء أظلمت والماء راح يضرب بنا من كل مكان وبشدة وغزارة. ولم نعد ندري ما نصنع، إلا أن تمكنا أخيراً من العودة إلى (داس) فقد أخذنا الطمع وكاد أن يودي بنا.
شجر القرط
في توغلنا بأيام زمان وحديثنا عن طقوسها وتفاصيلها، مرّ بنا المزروعي على أيام رمضان تلك التي لم يمكن فيها من فائض لدى الناس، غير أن المحبة تجمعهم والمائدة الواحدة تضمهم وهم يفردون موائدهم البسيطة في الفريج أمام عرائشهم التي لم تنصب حتى تغلق أبوابها ففي البراحة يتناول الرجال قهوتهم ويتبادلون أحاديثهم عن الصيد والغوص وعن البادية والجبال التي تحيطهم والتي تحدث المزروعي عن هيبتها وناسها وعن أنواع الشجر التي تنبت عليها، نزولاً إلى نباتات المنطقة التي يقول بأنه يعلم كل فوائدها واستطباباتها،
وأنواع الأعشاب التي تكثر بها. ويقول عن شجرة القرط بأنها كانت تعالج التقرحات التي تصيب السيب والغيص وأن لها فائدة كبيرة حيث كانت تعجن ويدهن أو «يدبغ» الجسم بها فتقيه من التقرحات ومن حدة الشمس الحارقة، خصوصاً وأن رجال الغوص كانوا يمضون شهوراً عديدة تحت الشمس القائظة وفي لهيبها الحارق، بحثاً عن القماش الأبيض في أعماق البحار.
إسماعيل الرفاعي