كما ضربنا موعدا لنستضيفه بغية الإفادة من حصيلة معلوماته وتجاربه الثرية عبر معاصرته حقبة زمنية في غاية الأهمية ابهرنا بوعيه وفاجأنا بجوانب عديدة في شخصيته كل جانب يصلح لأن يكون مادة ثرية فهو رياضي من الطراز الاول مارس عدة العاب وشارك في العمل الإداري الرياضي وشغل مناصب في مجلس إدارة أندية واتحادات

وبهذا يكون شاهدا يروي تاريخ الرياضة وجذورها في الدولة. كما ان رحلاته السياحية تأخذ طابعا فريدا من نوعه فتصبح نافذة بعد جمالها للسفر عبر أوروبا بالسيارة. بدأت مسيرة العميد خميس سعيد خميس السويدي في نهاية الاربعينات وفي منطقة «الضغاية» بالقرب من سوق السمك بدبي مكتشفا محيطه مع اقرانه في ساحات الفريج ثم وهو يمارس العاب البحر مستفيدا من قرب المنطقة من الساحل وشهدت طفولته الكثير من الأحداث والمفارقات التي ظل بعضها عالقا في ذهنه يقول: كانت منطقة «الضغاية» في تلك الفترة 90% من بيوتها كانت من سعف النخيل وكانت الحياة هادئة تسعدها الطيبة والمودة بين السكان وتجمعهم روح التعاون والتكاتف وكانت الجيرة وقتها تلقي بظلالها على العلاقات الاجتماعية فأصبحت المنطقة كلها وكأنها جسد واحد الجميع يشارك في الأفراح والأتراح وترى التجمعات الرجالية في الساحات يقابلها تبادل زيارات بين النساء ليساعدن بعضهن البعض

لكن مشهد الجيرة يتجلى أكثر في شهر رمضان فنجد الجيران في حدود معينة من المنطقة تضم مجموعة من البيوت المتقاربة تجدهم يتجمعون على مائدة الإفطار في اكبر بيت من بيوت المشاركين في الإفطار وكان كل واحد يأتي بالطعام الذي أعدته أسرته ويجلس الجميع ليتناولوا الإفطار كذلك كانت النساء يتجمعن بدورهن ويتناولن الإفطار مع بعضهن البعض. كما ان تربية الأطفال لم تكن قاصرة على الأب وإلام في البيت ولكن كان رجال المنطقة جميعهم بمثابة آباء ومربين للأطفال وهذا الأمر لمسته انا شخصيا فقد توفي والدي وكان عمري عامين ومع ذلك نشأت وتربيت وسط ابناء الفريج ولم اشعر في يوم من الأيام انهم متميزون عني او انني اقل منهم فقد كنا جميعا نحن الأطفال نخاف من ان يرانا الكبار ونحن نرتكب الأخطاء.

رياضي صاحب لياقة بدنية عالية: وينتقل العميد الخميس سعيد الى شق آخر من مرحلة الطفولة الأولى وهو الألعاب التي لا غنى عنها بالنسبة للأطفال يقول: كنا في ساحات الفريج نمارس الالعاب الشعبية التي كانت سائدة وقتها مثل اليوريد والكرابي وكرة شدد والمسطاع كما كان للألعاب البحرية نصيبها الوافر في فترة لاحقة نحن على أعتاب مرحلة الشباب

وكانت السباحة من اهم الألعاب التنافسية التي كنا نمارسها بين بعضنا البعض نحن الشباب وكان خور دبي هو مكان التنافس بان يسبح المتسابقون من بر ديرة الى بر دبي ذهابا وإيابا اما صيد السمك فقد كنا نمارسه ونقلد الكبار الى جانب عشقنا لصناعة القوارب من الحديد لندخل بها سباقات بين بعضنا البعض

وفي الوقت نفسه كنا نذهب الى بيت المطوعة عيشة ونحفظ القرآن وكانت تعلمنا أوليات القراءة والكتابة الى ان التحقت بعد ذلك بمدرسة الاحمدية الابتدائية أيام كانت مديرها زهدي الخطيب وكان نظام الدراسة وقتها مقسما الى فترة صباحية وأخرى مسائية وبين الفترتين نأخذ وقتا للراحة وبهذه الصورة كان يومنا ينقضي في المدرسة بين التعليم واللعب والدراسة وكنا نعود الى منازلنا ونحن مشبعين تماما ومنهكين أيضا ولا مجال لأن نلعب مرة أخرى.

لم أكن مشاكسا في يوم من الأيام وكنت هادئ الطباع قليل المشاكل وربما يعود ذلك لكوني يتيما واليتيم يخشى ان يخطئ فيشار اليه باللوم وفي المدرسة أيضا كنت بعيدا عن المشاحنات الصبيانية ولا أشارك فيها وهذا لا يعني انني كنت منطويا على نفسي بل على العكس فقد كنت أحب ممارسة الرياضة ومتفوقا فيها

وقد تفتقت مواهبي في الرحلات الكشفية التي كنا نقوم بها كذلك في الأنشطة المدرسية التي كانت تنظمها ادارة المدرسة وقد تزامن دخولي ثانوية دبي بعد انتهاء السنوات الأربع الابتدائية في الاحمدية وكانت ثانوية دبي تشمل الدراسة المتوسطة والثانوية.

شكلنا فريقا لكرة القدم باسم الترسانة كان ذلك في نهاية الخمسينات وكنا نتنافس مع فرق الأحياء المجاورة والحقيقة كانت المنافسات شرسة للغاية ومن هنا بدأت في الاحتكاك أكثر بالآخرين ولكن في حدود الأدب والأخلاق وقد شكل فريق الترسانة بداية قوية في مجال الرياضة بالنسبة لي فقد حدث ان التنافس كان اكثر بيننا وبين فريق الاتفاق

لكننا كنا ضعفاء وقلة في وجه الفرق الاخرى الكبرى فاندمجنا مع فريق الاتفاق وشكلنا فريقا جديدا باسم النجاح وهذا الفريق استطاع ان يحقق جماهيرية كبرى بين الاندية وكان الناس يحبوننا لاننا نلعب كرة جماعية ولاننا كنا صغار السن ومتفاهمين مع بعضنا بعدها انتقلت لنادي الشباب القديم

ونزلت الى ارض الملعب وسط استغراب الجماهير وتعجبهم كوني انهيت للتو منافسة الجري لمسافة طويلة وها انا انزل الى الملعب وكان استغراب الجمهور منصبا على لياقتي البدنية وهل لها ان تسعفني لالعب مباراة في كرة القدم المهم اننا تفوقنا في النهاية وعدلنا النتيجة لنفوز باربعة اهداف مقابل هدف واحد فقط.

ويضيف العميد خميس متذكرا ممارسته للرياضة في تلك الفترة ويقول: شاركت في مهرجان رياضي آخر واحرزت المركز الثالث في منافسات الجري لمسافات طويلة كما ان منافسات كرة القدم كانت كثيرة لكن جميعها كانت لفرق تمثل احياء ومناطق سكنية ولعبنا ايضا في امارة الشارقة ونافسنا فرقا كثيرة وقتها وبالنسبة لي كنت العب في مركز المدافع وكنت قويا وشرسا والعب بخشونة ولهذا كان المهاجمون يخافون من اندفاعي تجاههم.

من التدريس إلى الشرطة

بعد انهاء مرحلة المتوسط اتجه خميس سعيد للدراسة في معهد المعلمين وهي نفس منهج الدراسة الثانوية مضاف اليه الشق التربوي والتعليمي وبالفعل تخرج وحصل على الشهادة ليعمل مدرس فصل في مدرسة عمر بن الخطاب في عام 1972 وكان هذا اول عمل يقوم به خميس وعن تلك الفترة يقول:

طوال ايام دراستي كنت طالبا مجتهدا واحب الدراسة كذلك بعد حصولي على الشهادة كنت احب مهنة التدريس لكنني لم اظل ممارسا لها لاكثر من عامين فقط والسبب ان الرواتب كانت قليلة جدا ولهذا فضلت الالتحاق بشرطة دبي في عام 1974 وفي نفس العام ارسلتنا وزارة الداخلية الى السودان لندرس في كلية الشرطة هناك وبالفعل تخرجنا ضباطا من كلية الشرطة بعد دراسة استمرت عامين هناك وعدنا الى ارض الوطن واستلمنا مهامنا ومنذ ذلك الوقت وانا اعمل في شرطة دبي وحتى الآن.

هكذا ما بين الدراسة والعمل والرياضة تنوعت مسيرة العميد خميس سعيد لكن هناك محطات رياضية اخرى في حياته وهذه المرة على المستوى الاداري وعن هذه التجربة يقول: في منتصف السبعينات عملت مدرسا للاشبال بالنادي الاهلي وبعد فترة دخلت عضوا في مجلس ادارة النادي الاهلي وعملت اداريا لفريق كرة اليد بالنادي

وفي نهاية السبعينات كنت قد خرجت من مجلس ادارة الاهلي وعرضوا علي في نادي الشباب ان اعمل معهم وبالفعل دخلت عضوا في مجلس الادارة واسست فريق العاب القوى بنادي الشباب والحق انني اعشق الرياضة ولا اتصور كيف تكون حياتي بدونها سواء على مستوى الممارسة او الادارة والحمد لله فعلى الممارسة وحتى وقت قريب كنت امارس لعبة التنس الارضي

الى ان اصبت وابتعدت عن الملاعب وطوال حياتي وفي فترات مختلفة مارست كرة القدم والعاب القوى والكرة الطائرة وتنس الطاولة والتنس الأرضي والآن أمارس رياضة الجري والمشي هذا على مستوى الممارسة اما على مستوى الادارة فبالاضافة الى عضويتي لمجلس ادارة النادي الاهلي ونادي الشباب فقد تم اختياري عضوا في مجلس ادارة اتحاد العاب القوى في ثلاث دورات متتالية كانت اخر دورة في عام 1990

كما انني عملت في اتحاد الشرطة لالعاب القوى وهو تابع لوزارة الداخلية والآن اجمع الدراسات واحاضر في برنامج صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد للرياضة واللياقة البدنية التابع لشرطة دبي كما انني شغلت منصب نائب رئيس لجنة الرياضة للجميع في الهيئة العامة للشباب والرياضة وشغلت ايضا منصب رئيس اللجنة الفنية لدول مجلس التعاون لالعاب القوى لمدة اربعة عشر عاما وكما قلت فانا لا اتخيل نفسي بعيدا عن العمل الرياضي في أي وقت من الاوقات.

ويبقى حب العميد خميس للمطبخ والطهي، يقول: في مرحلة الشباب كنا نخرج الى البر وكنا مجموعة من الأصدقاء ليس من بينهم من يعرف الطهي فتبرعت لاقوم بهذا الدور واعجب الجميع بما اعددت من طعام وهكذا استمررت في هذه العملية اثناء تواجدنا في مزرعتي لكن الأمر اختلف بعد الزواج ولم استطع الدخول الى المطبخ وهو مملكة الزوجة لكن في بعض الرحلات البرية مع العائلة اقوم باعداد الطعام كنوع من المجاملة والمشاركة لزوجتي واولادي.

صداقة 30 عاما

وتأتي شهادة الاصدقاء والزملاء الذين عايشوا العميد خميس سعيد لفترات طويلة من حياته وفي هذا الصدد يقول المقدم علي عتيق: العميد خميس سعيد شخصية مشهود لها بالكفاءة والعطاء وقد زاملته لفترة تزيد على ثلاثين عاما وقبل التحاقي بالعمل في شرطة دبي كانت معرفين به قد بدأت في مجال الرياضة وهو رجل اعطى الكثير للساحة الرياضية في المجال الاداري

ومازال على هذا الطريق يعطي حتى الان اما بعد التحاقي للعمل بشرطة دبي فقد وجدته اخا ومعلما يساعد الآخرين وقد تعلمت منه الكثير وهو على المستوى الانساني شخصية محبوبة محترمة لها مكانتها الاجتماعية وهو جاد في عمله لكنه في نفس الوقت يتمتع بروح الدعابة في زمانها ومكانها

وليس صحيحا ان طابع شخصيته العسكرية يمكن ان ينعكس على تعاملاته مع الناس خارج نطاق العمل فلكل مقام عنده مقال في كل الأحوال سواء في العمل أو خارجه يتمتع بأخلاق دمثة وتواضع قل أن تجد له مثيلاً في يومنا هذا، لكن يبقى النشاط الرياضي في مسيرة العميد خميس هو الجانب الذي يعرفه الجميع،

فهو مشارك من طراز فريد في أنشطة شرطة دبي الرياضية، ويشرف على أمور كثيرة، خصوصاً في مجلس الإدارة، وهو أيضاً مشارك على المستوى الخارجي ودول مجلس التعاون الخليجي من خلال رئاسته للجنة الفنية لألعاب القوى، وهو إنسان يستحق كل احترام وتقدير على مجهوداته وإخلاصه لعمله.

ويستعرض العقيد سليمان السويدي في كلمات بسيطة ومعبرة تاريخ صداقة وزمالة فاقت الثلاثين عاماً، يقول: شهادتي بكل تأكيد مجروحة في الصديق خميس سعيد، فهو رجل مشهود له بالكفاءة والخلق الحسن، يحترم الصغير قبل الكبير، وهو هادئ الطباع حكيم لا يتخذ قرارات متسرعة،

ويستشير من حوله في كل الأمور، ولذلك دائماً ما تكون قراراته صائبة وتأتي في محلها، وأنا أعرفه منذ أن كان مدرساً في مدرسة عمر بن الخطاب وإن كانت معرفتي به في ذلك الوقت بسيطة وعن بعد، لكن سمعته كانت طيبة وشهرته أيضاً كانت واسعة كواحد من الممارسين للرياضة،

والحق أنني بعدما عرفته عن كثب وجدته رجلاً عاشقاً للرياضة ولا يستطيع الابتعاد عنها، ورأيته في وقت من الأوقات ممارساً لرياضة التزحلق على الجليد، وهي رياضة قد لا تخطر على بال أحد ليمارسها، كل هذا الحب، وعلمي أنه عشق الرياضة والعمل في مجالها ولا أظن أنه قادر على تركها،

وأوضح أن الأخلاق الرياضية التي يتمتع بها قد انعكست في تعامله مع الآخرين، فلم أسمع في أي يوم من الأيام أنه أغضب أحداً، أو تسبب في مضايقة أحد من صحبته، وعلى الرغم من أنه مرح ومحب للفكاهة إلا أنه يتعاطى مع أوقات المرح بحذر شديد، وفي حدود لا تسبب أذية لمن حوله، ومن كل قلبي أدعو له بالتوفيق ومزيد من النجاح.

عزالدين الأسواني