لأن من مهام عمله تدقيق الحسابات والتحقق من الأرقام، فهو لا يعترف بالصور فقط بل عليه التأكد من حقيقتها ومطابقتها بأصل المستند، لذلك فالسفر عنده أمر يختلف تماما عن اعتقادات الذين يكتفون برؤية بلدان العالم عبر البرامج التلفزيونية أو المجلات والكتب،
فهو لا يكتفي فقط بالصور أو المعلومات المكتوبة بل انه يسعى دائما لمطابقة الصور بالأصل حتى يتأكد من صحتها، وهذا هو الأسلوب الذي يتبعه في رحلاته، فهو يقرأ عن البلد الذي يزوره ويستوضح معالمه ثم يذهب لزيارة تلك المعالم للتأكد من صحة المعلومات. كذلك فانه يستمتع كثيرا بقياده السيارات في شوارع البلدان التي يزورها وذلك لأنه يجد أيضا في تلك القيادة اكتشافا للطرق. وكانت الولايات المتحدة الأميركية هي أول محطة سافر إليها الدكتور محمد الهادي إبراهيم الكندي الجنسية والمصري الأصل عميد كلية ادارة الأعمال في جامعه الشارقة، ومن هناك توالت فيما بعد رحلاته الى أكثر من عشرين دولة في العالم، تنوع غرض السفر فيه بين السياحة والمؤتمرات العلمية والإقامة للعمل في الجامعات.
برودة الطقس : ويعود بنا الدكتور محمد إبراهيم الى عام 1978م وتحديدا في شهر ديسمبر، عندما غادر القاهرة متجها إلى جامعة شمال تكساس لنيل درجة الدكتوراه في تدقيق الحسابات، وقبل أن يصل الى هناك مر عبر هولندا والتي يقول انه ولأول مرة في حياته يرى هذا الكم من الثلوج الذي يغطي أنحاء الحياة، ولشدة برودة الطقس أكتفي بالنظر الى الشارع من خلف النافذة، ولم يجرؤ حتى على الخروج من الباب الا للذهاب الى المطار لمواصلة رحلته الى أميركا. وفي تكساس فوجئ ببرودة الطقس حتى أن درجة الحرارة كانت تحت الصفر، الا أنه وبعض ايام قليلة استطاع التأقلم على الجو، وبدأ في الذهاب الى الجامعة، وهو يتذكر تلك الأيام قائلا انها كانت من أجمل لحظات عمره حيث كان شابا مفعما بالأمل يرغب في الحصول على الدكتوراه ليعمل في التدريس الجامعي.
وعاش الدكتور محمد إبراهيم حوالى ست سنوات في مدينة دنتون والتي تقع فيها الجامعة وهي بلدة صغيرة يبلغ سكانها حوالى 35 الف نسمة، ويتذكر أنه عندما ذهب الى هناك درس في معهد اللغة الانجليزية لمده 3 اشهر، حيث كان ضمن الأشياء التي يدرسها بعض النواحي الثقافية الخاصة بالبلد، ومنها عيد الهالوين، والذي يقوم على بعض المعتقدات القديمة التي تجعل كل شخص يحاول تقمص الشخصية الكامنة بداخله، لذلك يرتدي كل فرد ملابس تلك الشخصية ويجسدها سواء كانت شريرة أو خلافه. ولأن المدينة التي عاش بها ذات مساحة صغيرة ومحدودة السكان، تولدت لديه رغبة في التعرف على كافة طقوس الحياة هناك، فزار الكنيسة لأول مرة في حياته للتعرف على طقوس العبادة فيها بشكل مباشر، كذلك منحت الجامعة طلبتها المسلمين غرفة خاصة لاقامه الصلاة فيها، وكانت الجالية المصرية تحرص على التجمع على مائدة الإفطار والتي كانوا يأجرون لها صالة خاصة، يتبرع كل أعضاء الجالية بإحضار ما يستطيع من الطعام.
تناقض ثقافتان: ويشير الدكتور إبراهيم الى المفهوم السائد عن العرب لدى الأميركيين في ذلك الوقت هو أنهم قدموا من بلاد متخلفة يتنقلون فيها بالجمال، وكان على الطلبة العرب اقناع هؤلاء بأن بلادهم كباقي بلدان العالم بها جميع وسائل المواصلات، وأن الجمال موجودة في المزارع والأماكن التي يقصدها السياح وليست تستخدم كوسيلة انتقال في الصحراء. وضمن المواقف التي تعرض إليها هناك إقراض أحد الزملاء الأميركان مبلغا من المال وعندما طلبه منه رفض رده إليه، وكان هذا الموقف بمثابة صدمة بالنسبة له، كذلك عندما أراد اقتراض مبلغ بسيط جدا من المال من صديق له أميركي قوبل طلبه بالرفض، وكانت أيضا صدمة أخرى له حيث الاختلاف الكبير بين مفهوم الصداقة لدينا العرب عن مفهومها في ثقافة الشعب الأميركي فالمصلحة هي السائدة وهي فوق كل الاعتبارات.
كذلك كان يتعجب من وجود المشردين في الشوارع ومعظمهم في سن الشباب والقدرة على العمل، وهم لا يرغبون عن قناعة في العمل وكسب المال رغم أنهم يستطيعون ذلك، ومن خلال الحديث مع أحدهم تأكد له أنهم يفضلون العيش هكذا. ومن ضمن المواقف المؤسفة التي حدثت لأحد زملائه السعوديين، هو متابعة بعض اللصوص لهم حيث كان هذا الشخص مع زوجته يحمل ممتلكاتهم الخاصة من الذهب داخل حقيبة يتنقلون بها من مكان الى آخر، فقام اللصوص بشراء حقيبة من نفس الشكل واللون وقاموا بتبديلها مع حقيبة الزميل السعودي وسرقوا منه الذهب. وخلال أعوام 1979م وحتى 1984م زار كل الولايات المتحدة الأميركية.
من أهرامات المكسيك الى النهر الأحمر
وفي عام 1982م، ذهب الدكتور محمد إبراهيم الى المكسيك لقربها من الولايات المتحدة، وجد تقاربا كبيرا بين ثقافة شعب المكسيك وجنوب الولايات المتحدة الأميركية خاصة ولاية تكساس، والتي ربما جاء معظم سكانها من المكسيك، وهناك شاهد الأهرامات والتي رآها مختلفة عن الأهرامات المصرية وذلك لأنها مبنية بشكل مسطح، رغم ربط البعض بين أهرامات مصر الفرعونية وأهرامات المكسيك.
وبعد أن حصل على شهادة الدكتوراه ومارس التدريس في نفس الجامعة لمده سنة ونصف قرر الذهاب للعمل والاقامة في كندا، وكان عليه قبل ذلك أن يعود الى مصر حتى يستأذن والديه في العيش في كندا خاصة أنه كان الابن الوحيد، ولم يتمسك والده بعودته النهائية الى مصر بل منحه حرية أن يفعل ما يجده مناسبا له ولأولاده في المستقبل،
وبالفعل سافر الى كندا واختار العيش في منطقه مانتويا وهي في الوسط وهي بلد تمتاز بالزراعة والصناعة، و تمتاز بالبساطة لأنها صغيره المساحة، وبها تجمع اسلامي لا بأس به، وهناك عمل في الجامعة وأحبها لأن بها نهر يسمي النهر الأحمر يذكره دائما بنهر النيل، وكان يستمتع كثيرا بصيد السمك في مياهه وذلك في فصل الصيف فقط حيث كانت تمتاز البلدة بالبرودة الشديدة في الشتاء.
ومن مانتويا في وسط كندا الى مونتريال في الشرق قرر الدكتور محمد إبراهيم العيش والعمل في جامعتها اذ انه لشدة إعجابه بها وذلك لأنها تمتاز بالطابع الفرنسي تماما كولاية لويزيانا في اميركا، تمتلك جمالا خاصا يختلف من منطقة الى أخرى وليست كتورنتو متشابهة في تصميمها مع باقي الولايات. كذلك تمتاز بتنوع الثقافات ويتحدث أهلها حوالى 15 لغة، وفيها خمسة مساجد، وتمتلك اقتصادا ثابتا وبها مطاران.
ومنذ عام 1993م وحتى الآن أصبحت مونتريال البلد الأصلي الذي يعيش فيه الدكتور إبراهيم وعائلته، حيث عمل هناك رئيسا لقسم المحاسبة في جامعة كونكورد والتي تعد أكبر كلية ادراه أعمال في أميركا كلها.
سفريات عديدة
ومنذ استقراره في كندا والحصول على جنسيتها، وبدأت سفرياته الى معظم بلدان العالم اما لحضور المؤتمرات العلمية أو للسياحة، فزار انجلترا وفرنسا وأعجب كثيرا بالمتحف البريطاني ومتحف اللوفر في فرنسا، وزار هولندا والدنمارك أكثر من مرة، وعاش في هونغ كونغ ثلاث سنوات ما بين 1996م الى 1999م حيث عمل في جامعتها، ومن هناك انطلق الى ماليزيا والهند وسنغافورة.
ولا يخفي الدكتور إبراهيم إعجابه الشديد بهونغ كونغ حيث نظام التعليم الجيد وسهولة المرور، فهناك يمكن للشخص الاستغناء عن السيارة الخاصة حيث القطارات والمترو والأتوبيسات، كما يختلف النظام المصرفي عندهم عن نظيره في دول العالم حيث تستطيع إيداع أموالك بالساعة، وتكتظ هونغ كونغ بالمطاعم، فهم يتناولون وجباتهم الثلاثة في المطاعم ونادرا ما يطبخون في البيوت.
إلا أن هناك بعض الأخلاقيات غير المرغوب فيها وذلك لأنها بلد تجاري ويعتمد على السياحة وذلك لأنه ليس لديهم أسعار ثابتة في البيع فكل تاجر يبيع حسب شطارته لذلك لابد من المجادلة في السعر حتى لا يخسر من يشتري. ورغم سفريات الدكتور محمد إبراهيم لأكثر من عشرين دولة في العالم إلا انه لم ينس أبدا الوطن الأم فلا يمر عام عليه إلا وذهب لزيارتها، بل انه قد قرر مؤخرا العودة الى مصر لا محالة رغم أن أولاده قرروا البقاء في مونتريال.
إيمان قنديل



