لم يكن الفنان التشكيلي إحسان الخطيب، قد تعرف على العالم خارج المدن العراقية التي جابها ضمن مفهوم السياحة الداخلية، حين انطلق إلى بلغاريا في رحلة مع الأصدقاء، مروراً بسوريا وتركيا، لتبدأ تلك الرحلة باكتشاف عالم المسافرين على متن القطار، بسحناتهم المختلفة، وعوالمهم المتناقضة،

وليكتشف أن الناس ليسوا سواسية، وأن هناك اللص الذي سرق أحد أصدقائهم حتى اضطروا إلي أن ينفقوا عليه طوال تلك الرحلة. وبين العراق وسوريا وتركيا ثمة عوالم متباينة ففي تركيا يقول الخطيب، هناك احتل الجيش القطار لحمايته من حشود الفقراء ومن القرويين الذين يبحثون عما يقتاتون به، لكن تلك المشاهد لم تستطع أن تخفي روعة الطبيعة وجمالها الأخاذ. إسماعيل الرفاعي: ومرة أخرى يقرر الخطيب السفر إلى إسبانيا لكن عن طريق البحر، فيقصد مصر ليكتشف أنه لا توجد إلا باخرة واحدة وجهتها صقلية فقط، حينها يقرر العودة إلى بغداد ويقضي عدة أيام يمضي معظمها في متحف القاهرة وفي الجلوس على المقاهي، ويتذكر الخطيب أمراً لفت انتباهه في إحدى زياراته إلى المتحف، حين شاهد إشارة «هتلر» أو الصليب المعقوف على أحد التماثيل الفرعونية القديمة، لكنها موجودة كعنصر زخرفي بشكل مكرر على محيط التمثال وليس كرمز للنازية.

وهناك يزور غرف المومياءات، برفقة دليل سياحي، أشار له على أحد المومياءات قائلاً بأنه الفرعون الذي لحق بسيدنا موسى، ويتابع الخطيب: حين سمعت ذلك استبد بي حنق شديد وشعرت بغضب وحاولت أن أنقض على المومياء، لكني أمسكت نفسي، حين تذكرت أن آلاف السنين تفصل بيني وبين هذه المومياء، ثم يضحك عالياً وهو يسرد تلك الحادثة. موجة من الضحك تخللت حديث ترحاله وهو يتذكر العديد من الطرائف والمواقف التي مرت به، وينقل إحساسه وانطباعاته عن الأمكنة التي زارها. برج بيزا المائل: ومن مصر قبل الميلاد إلى إيطاليا عام 1980 وفي أيام زواجه الأولى حين أصرت زوجته على قضاء شهر العسل في إيطاليا. هناك تتعرف على الحيوية، وتشعر أنك داخل متحف كبير، هكذا يصف الخطيب رحلة العسل، فهناك ساحة إسبانيا والفصول الأربعة والساحات التي تغص بالفنانين الذين يرسمون ثلاثة أشهر و(يلعبون باقي السنة)، ويضيف: اكتشفت أيضاً أن إيطاليا بلد الإضراب، فحين قررنا زيارة صقليا أخذنا نمر على المكاتب السياحية وكلما نقترب من مكتب يعتذر عن الرحلات بسبب الإضراب.

يقول كنا ننتقل سيراً على الأقدام ولم أستقل (تاكسي) أبداً، ثم يتذكر سترة الشاموا العزيزة على قلبه، قائلاً: كان لي رغبة في سترة شاموا، وقد حققت رغبتي فاشتريت واحدة لي وأخرى لزوجتي، وقد أغرمت بتلك السترة وارتديتها سنين طويلة حتى أجبروني على خلعها، فقد أصيب كل من يعرفني بالملل الشديد والسأم لمشاهدة تلك السترة، وأخيراً لم أجد بداً من تركها. وفي تلك الرحلة زار الخطيب متحف مايكل أنجلو وبرج بيزا المائل الذي رفض الصعود إليه بالرغم من إلحاح زوجته الشديد خشية سقوط البرج ويعلق الخطيب ضاحكاً (تأذيت في برج بيزا المائل، ولم أجد في مدينة بيزا سوى البرج، وبعض الأبنية).

فلورنسا على شط العشار

وزار فلورنسا التي ذكرته بالبصرة وشط العرب الذي تتفرع منه فروع كثيرة على شط العشار، وبيوتها التي تتفرع منها جسور عديدة تصل بينها وبين الشوارع، ويقول في فلورنسا وجدنا الشيء نفسه مع الفارق بين شكل البناء ونوع (الجندول) الذي يتحرك بواسطة المجاديف والمالد، في حين تستخدم في أهوار البصرة السفن الضيقة التي تتسع لشخصين فقط. أما نابولي فيصفها الخطيب بمدينة الأغنياء. يقول: ذهبنا إلى نابولي بالقوارب السريعة وإذا بها مدينة الأحلام المنحوتة في قلب الجبال، وهناك شعرنا بهيبة الطبيعة وسطوة الجبال خصوصاً ذلك الجبل المفصول عن المدينة والذي يتم الانتقال إليه بواسطة (الشير فريك) وهو كرسي مربوط بالحبال ويطل على هاوية سحيقة،

ويتابع .. المرعب في الأمر أن زوجتي أصرت على ركوبه والذهاب إلى قمة الجبال، ولم أجد بداً من اللحاق بها، فركبت بدوري الشير فريك كرسي الرعب ذلك وتوكلت على الله وصرت أغني بصوت عال طرداً للخوف، ثم لمحت على أحد الأعمدة عبارة (الرجاء عدم الغناء تحتك مقبرة) ويجلجل الخطيب بالضحك ويقول توقفت عن الغناء وقرأت الفاتحة على الأموات، وحين وصلت إلى قمة الجبل لم أجد فيه سوى كافتيريا، ومن تحت كانت القوارب تبدو كالنمل، جلست إلى الكافتيريا ، شربت الشاي ولم أشعر بالدفء وأنا أفكر بالرعب الذي ينتظرني في طريق العودة وركوب الشير فريك مرة أخرى.

بطل بلغاريا والمركب الشراعي

السفر متعة كبيرة واختيار رفيق السفر مسألة هامة وعليك أن تختاره بشكل دقيق وإما أن تتنازل عن كل رغباتك أو يتنازل هو. هذه بعض قواعد السفر عند الخطيب، ويقول : أنا كنت مطيعاً وقد رافقني الفنان محمد فهمي في أغلب سفراتي وخصوصاً إلى بلغاريا، حيث اعتدنا أن نسافر إلى منطقة (غولدن سنس) في منتجعات فارنا. هناك حدث معنا فصل نادر أشبه بالخوارق، وكان ذلك حين استأجرنا قارباً ولم أكن أتقن السباحة على عكس فهمي،

ولذلك لبست سترة النجاة، ولم نكن نعرف التعامل مع القارب الشراعي وحين ابتعدنا عن الشاطئ لم نعد نسيطر على حركة القارب وعلى مساره ونحن نحرك الشراع يمنة ويسرة، عندها علّق فهمي أنه من غير رياح يصعب توجيه المركب، فأجبته ضاحكاً، ستأتيك الرياح بعد قليل، وما هي إلا دقائق حتى هبت عاصفة شديدة وانهمر مطر غزير، ودوت صفارات الإنذار لإخلاء الشاطئ، ولم نستطع الوصول إلى القارب وأوشك أن يرتطم بأحد المعابر فقفزت إلى البحر على بعد كيلو متر واحد تقريباً،

ومن جديد يعود الخطيب إلى الضحك وهو يقول، لم تردعنا هذه الحادثة فقد ذهبنا في السنة التالية إلى نفس المكان واستأجرنا قارباً من جديد وقد سألنا صاحبه إن كنا نحسن القيادة فأجبناه بـ (لا)، فطلب أن يرافقنا وهو يستعرض عضلاته ويعدد بطولاته بعد أن أخبرنا بأنه بطل بلغاريا في سباق القوارب وأنه وأنه، المهم صعدنا إلى القارب ولبست سترة النجاة في حين رفض فهمي لبسها مجدداً وهو يتساءل عن سبب الخوف طالما بصحبتنا بطل بلغاريا،

ومن جديد راح الشراع يترنح يمنة ويسرة فالتفتت إلى فهمي وقلت له كأن القارب يحتاج ريحاً كي يتقدم، ولم أكد أنهي كلامي، حتى هبت ريح عاتية وعواصف رعدية وسيل من الأمطار انسكب فوق رؤوسنا، وانطلقت صفارات الإنذار، وحين وصلنا إلى ما يقارب عشرة أمتار من الجرف قفزت إلى الشاطئ وتركت فهمي يعارك مع بطل بلغاريا التي تدمرت أسطورته في تلك الرحلة التي عبر عنها قائلاً بأنه طوال خمسة عشر سنة لم ير مثل هذه العواصف والسيول على شواطئ فارنا الجميلة.

ثم ينتقل إلى اليونان حيث يقول: في اليونان رأينا العالم الحقيقي، الشباب الذين يحملون حقائبهم على ظهورهم وأحلامهم فوق رؤوسهم، يتآلفون مع بعضهم البعض بسرعة كبيرة، ويقيمون صداقات لأيام قلائل، لكنها تحفر عميقاً في قلوبهم، هناك تبلغ العلاقات العابرة والصداقات العابرة مستوى من العمق والرهافة فنرى البكاء والدموع عند لحظات الوداع، هناك التقينا بشباب من أماكن مختلفة يملكون حب المعرفة والاطلاع وعن طريقهم ترسخت لدينا قناعة بأن علينا أن نقرأ كي نستطيع التواصل مع الآخر.

كاب ريينغا

نيوزلندا هي آخر الرحلات، ولم تكن رحلة سياحية فقط إنما كانت هجرة بالدرجة الأولى ودراسة بالدرجة الثانية، حيث عدت إلى متابعة الدراسات العليا في الفنون بعد مرور أكثر من ربع قرن على حصولي على البكالوريوس في بغداد عام 73. وأثناء دراستي قمت برحلة إلى آخر نقطة في شمال نيوزلندا، حيث تقع «كاب ريينغا»، وما أن وصلت حتى انتابني شعور روحاني عجيب وغمرتني مشاعر خاصة جداً، لقد سحرني هذا المكان، وكنت قد اتخذت «المنظر الطبيعي» موضوعا لدراسة الدبلوم، فقررت أن أرسمه، فوجدتني مندفعاً بكل طاقتي لتصويره بالزيتي والمائي وبكافة التقنيات محاولاً أن أنقل إحساسي بروعته وخصوصيته.

وللمكان نفسه قصة فسكان المنطقة الأصليون يلقّبون بالماورية وهم يؤمنون بآلهة أقرب إلى الآلهة الفرعونية، ومراكبهم تشبه المراكب الفرعونية، حتى أشكالهم تشبه أشكال الفراعنة، أولئك كانوا يؤمنون بيوم القيامة والحساب، لكنهم يؤمنون بأن الروح تذهب إلى مكان (الانتظار) في كابريينغا والتي يقابلها البرزخ عندنا. ويضيف الخطيب لقد شعرت بكثافة هذا المكان، وهو ملتقى المحيط الهادي مع بحر تسمانيا، حيث تشعر بذلك التوحد في ارتطام الأمواج وسط البحر.