حفلت الإمارات بالعديد من الشباب الذين برزوا من خلال تواجدهم وتأثيرهم في المشهد الثقافي الإماراتي. أو على الصعيد الإداري، وعبر التواشج مع مجموع الجنسيات المتواجدة في الدولة، متآزرة في صياغة مشروع ثقافي وإبداعي، وتكوين وشائج اجتماعية شكلت نواة حقيقية لبعض التظاهرات النوعية.
ولعل حقل الإبداع هو أكثر الحقول التي تجلى فيها ذلك التواشج، مسفراً عن تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، والذي يرجع إلى أكثر من ربع قرن. والعديد من المعارض الفنية والحالات الريادية، التي أثرت تأثيراً حاسماً في تشكيل ملامح التجربة البصرية، وساهمت بتعميق مفاهيم الفن بمختلف تياراته وأساليبه، وتكوين شريحة نوعية مهتمة بالفنون والآداب بشكل حيوي وفاعل. وبعد تطور الدولة، وانفتاحها على العالم، ظهرت تيارات فنية لها علاقة بالتكنولوجيا وتطور التقنيات والميديا، حتى كادت أن تحتل المشهد الفني بأكمله، وظهر العديد من الفنانين التي تبنوا هذه الاتجاهات وأنتجوا أعمالهم في سياقها.
ولمعرفة الهواجس، والتصورات المستقبلية وطبيعة المشهد الراهن، التقينا الفنان التشكيلي، ورئيس مجلس الإدارة في جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، أحمد شريف والذي يعتبر أصغر رئيس تولى مهام الجمعية منذ تأسيسها، ويمثل حالة موضوعية في تبني الاتجاهات الفنية، وتقديمها بشكل متوازن، من خلال المعارض السنوية، أو المشاركات الجماعية المتنوعة. بداياته الأولى: ويذكر شريف أن شغفه بالرسم، ظهر منذ طفولته، متأثرًا بأخويه اللذين كانا يمارسان أنواعا مختلفة في الفنون من خط ونحت ورسم، لكنهما لم يستمرا بممارسة تلك الهوايات التي استأثرت به وحاول تطوير إمكاناته وصقل أدواته بمتابعة الدروس الفنية باهتمام كبير. ثم تابع بعد ذلك مع خليل عبد الواحد ومحمد كاظم في تلقي دروس الرسم عند الفنان حسن شريف الذي يرى أنه ساهم في صقل مواهبهم وتطوير إمكانياتهم، دون أن يحاول الهيمنة عليهم، ويعتبر ذلك سبباً لانفراد كل منهم بأسلوب فني خاص.
ثم ابتدأ مساهماته ومشاركاته الفنية في معرض البحرين وفي مهرجان لبنان الثامن للشباب، واستمرت المشاركات المتعددة عن طريق جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، ومن خلال هيئة الشباب والرياضة، وكان أول معرض في النادي الأهلي يحصل فيه على جائزة تقديرية عام 1993 آنذاك انتسب في جمعية الإمارات لفنون التشكيلية، وحصل على الميدالية الذهبية في مشاركة فنية في قطر، وابتدأ بالعديد من الأنشطة الجماعية والمشاركات في مصر والبحرين وألمانيا وفرنسا واستراليا وبنغلاديش وأرمينيا وغيرها، كما شارك في بيناليات متعددة في الإسكندرية والقاهرة وسوريا والشارقة، وحصل من خلال مشاركاته على العديد من الجوائز والميداليات الذهبية.
تابع شريف دراسته الجامعية وحصل على بكالوريوس في الاقتصاد وساهم في حياته الجامعة ببعض الأنشطة الفنية والمسابقات الطلابية. وعن المشهد التشكيلي في الإمارات يرى أحمد شريف أن المشهد قد تغير، ففي حين كنا نرى في السنوات السابقة مختلف العروض محصورة في الأعمال الفنية التقليدية واللوحات ذات الطابع التزييني، نرى الآن العديد من التيارات الفنية مطروحة بقوة وتشارك في مختلف المهرجانات والمحافل الإبداعية والبناليهات، كالفنون المفاهيمية والفنون الحديثة والتنصيبات.
ويعزو ذلك إلى تأثر بعض الفنانين في التجارب الغربية عبر مشاهداتهم خارجاً ووجود البيناليهات خصوصاً التي وسعت دائرة المشاركات الحديثة، باعتبارها تقدم آخر الأعمال الفنية، وتحاول أن تقدم صورة واضحة عن الأعمال التجريبية، المنفردة عن السياقات المتعارف عليها في اللوحة المحمولة والأعمال التقليدية، وكوة نطلع من خلالها على جديد العالم الفني والتجارب الفنية المختلفة التي يعتمد بعضها على فنون الفيديو والكاميرا ديجتال وغيرها من الأعمال المفاهيمية.
سلم المهام
ويضيف أنه اعتباراً، من 1997 أصبح يتواجد بشكل مكثف في المشهد الفني ويشارك في مختلف الفعاليات، حتى دخوله عام 2000 في مجلس الإدارة، كمسؤول إعلامي في الجمعية، وثم بدأ تدريجياً يتعرف على الجوانب الإدارية في هذا العمل، وأعيد انتخابه عام 2004 ليشغل موقع أمين السر العام للجمعية وقد عمل إلى جانب ذلك في إدارة الجمعيات بوزارة الشؤون الاجتماعية، ومن خلال طبيعة عمله في الوزارة، تطورت خبراته على مستوى العمل الإداري،
وأصبح على دراية بخبايا الأمور وحيثيات العمل الإداري، وقد استمر في ممارسة مهامه كأمين السر العام للجمعية حتى أعيد انتخابه كرئيس للجمعية عام 2006، وهنا يزداد الشعور بالمسؤولية، وتتعمق الطموحات وهواجس التغيير، والإفادة من التجارب السابقة، لتطوير الجمعية والأنشطة المتعلقة بها، باعتبارها تمثل الوجه الرسمي للفنون التشكيلية في الدولة، والجهة المعنية بإقامة الأنشطة داخلياً وخارجياً.
بين التشكيل والتأهيل
غالباً ما يتعارض العمل الإبداعي مع العمل الإداري، من حيث الوقت والتفرغ الذي يتطلبه كل عمل على حدا، ومن حيث حساسية العمل الفني، وعدم قبوله لأي شريك، واحتياجه إلى استغراق كلي لاكتناه أسراره ولتكوين أسلوب خاص وحساسية مختلفة، وفي هذا الجانب حدثنا شريف عن محاولاته للتوفيق بين الجانبين، قائلاً إنه يحاول أن يفرغ يوماً أو أكثر في الأسبوع لممارسة الفن، في حين يمنح الوقت الأكبر لصالح العمل في الجمعية، والذي يعتبر عمل تشريف وليس عمل تكليف، باعتباره عملاً غير مأجور، ولا يريد منه إلا الصالح العام، خصوصاً وهو يرى أن المرحلة اختلفت بعد مرور 30 عاماً على تأسيس الجمعية،
واحتفالها العام الفائت باليوبيل الفضي، مؤكداً أن مرحلة التأسيس يجب ان نتجاوزها بكل معنى الكلمة، وأن هناك الكثير من الأهداف التي يجب تحقيقها على مستوى الأمور الإدارية والانفتاح الأكبر على الأنشطة الخارجية، وبناء علاقات بين الفنانين في الوطن العربي والعالم، وأرشفة المعلومات المتعلقة بالفنانين وأعضاء الجمعية، وإقامة الأنشطة النوعية عبر الدورات التعليمية المكثفة، التي تقيمها الجمعية عبر فنانين متميزين.
ويضيف نحن نفكر الآن، باستحداث عضوية خاصة، تمنح للطلبة، وتعمل على ربطهم بالجمعية بشكل مباشر، بحيث تتمكن من متابعتهم والعمل على تطوير أدواتهم. خصوصاً وأن المواهب الشابة أبدت تطوراً ملحوظاً، ومهارات عالية ورغبة كبيرة في دراسة الفن، وهذا ما يعتبر كنزاً حقيقياً وهدفاً جذرياً من أهداف الجمعية.
وعلى صعيد علاقة الجمعية بمثيلاتها في الخليج والوطن العربي، ويقول شريف بأنه قد تم مؤخراً عقد اجتماع في المملكة العربية السعودية، ضم كل الجمعيات في الخليج العربي، وحضر إلى جانبه من الإمارات خليل عبد الواحد، وقد تم تقديم صيغة مبدئية على تكوين اتحاد عام لجمعيات الفنون في الخليج، والذي من شأنه أن يمثل خطوة مهمة للارتقاء بالعمل الفني، وتوحيد الجهود في هذا السياق،
وربط الجمعيات في إطار من الرؤية الموحدة والاستراتيجية الدقيقة، لرسم ملامح المرحلة القادمة على المستوى الإبداعي والوعي الفني. وهو يرى إلى ضرورة إقامة مثل هذه الاتحادات مع باقي المؤسسات والجهات الفنية في الوطن العربي، وخلق منظور غني، يتعامل مع كل المعطيات، في إطار من وحدة الرؤى وتنوعها، ولتعميق وتطوير المشهد الإبداعي في العالم العربي بشكل عام.
إسماعيل الرفاعي



