يعود استخدام البريد إلى عهد الإمبراطوريات القديمة، ويعد الفراعنة أول من استخدم البريد، قبل 4000 عام تقريباً، ثم تبعتهم في ذلك العائلة الحاكمة في الصين حوالي سنة 1000 ق.م. وقد تكون الصين على زمن الأباطرة المغول، أول دولة أنشأت نظاما بريديا يحتوي على أماكن مخصصة لاستقبال البريد في المدن والمناطق المختلفة من الإمبراطورية.
وقد أخذت عملية التواصل والاتصال العديد من الأشكال، بدءا بالرسائل الصوتية الشفاهية، وقرع الطبول، أو عن طريق الحمام الزاجل الذي يمثل البريد الجوي في تلك الأيام. وقد استخدم الحمام الزاجل لأول مرة في الأغراض الحربية عام 24 قبل الميلاد عندما حاصرت جيوش القائد الروماني «مارك انطونيو» قوات القائد «بروتس» في مدينة «مودلينا» إلا أن اكتافيوس الثالث كان على اتصال دائم مع بروتس للاطلاع على صموده في الحصار من خلال الرسائل التي كان يرسلها له بواسطة هذا الطائر.
وللعرب تاريخ طويل حافل مع الحمام الزاجل فهم من أوائل الأمم التي عرفت أهميته وتربيته واهتمت بأنسابه ووضعت الكتب والدراسات في طبائعه وأمراضه وعلاجه.. وكان البريد الذي أسسوه يعتمد على الخيل والجمال والبغال وتبادل الإشارات بالنيران والدخان والطبول والمرايا في إرسال الأخبار والمعلومات العسكرية من وإلى مركز الخلافة ومع اتساع رقعة الخلافة الإسلامية وازدياد مصادر الثورة وتنوعها وكثرة مؤسسات الدولة ودواوينها الواسعة، أدخل الخلفاء العباسيون الحمام الزاجل في البريد، فتنافسوا في اقتنائه، وأخضعوه إلى مراقبة دقيقة ونظموا له السجلات الخاصة بحركته. وكان يطلق على الأبراج التي يعيش فيها الحمام كلمة «المطارات«.
البريد في الإمارات: استخدم أبناء الإمارات المشافهة كوسيلة اتصال في نقل الأخبار والقصص عن طريق «الطارش» الذي يقوم بنقل الرسائل وإيصالها، وكان للطارش مكانة خاصة وعادات متبعة عند استقباله في الترحيب والاستضافة. ثم ظهرت مهنة الكتابة بعد تطور نظم الحكم وتعددت طرق الاتصال، فتقلص دور الطارش، وظهرت مهنة الكتابة واشتهر البعض في صياغة الرسائل وأولهم كان «الكيتوب» واشتهرت أسر بأكملها بهذه الكنية، ثم ظهر آخرون امتهنوا الكتابة، وكانوا يكتبون الرسائل مقابل أجر بسيط.
وكان مختلف الأخبار تنتقل عن طريق الرواة وأصحاب الإبل. كما اشتهر عدد من المراسلين الذين كانوا ينقلون الرسائل بين الإمارات المختلفة، وبين دول الخليج الأخرى، وكانوا مجموعة من الذين تطوعوا وتحملوا مشقة وعناء الطريق والسفر لقضاء حوائج الناس والمحافظة على التواصل. وقد عرفوا، باسم (السعاة) أو (البوسطة). ومن أهم من اشتهر من المراسلين في إمارة الشارقة «بومفتاح» الذي عرف بمعطفه «الكوت» الذي كان يملؤه بالرسائل، وأصبح هذا الكوت مضرب مثل فيقولون فلان كوته مثل «كوت بومفتاح». وهناك شخص يدعى خليفة بوعميم الذي تولى توزيع الرسائل والكتب والصحف والمجلات التي تصل إلى ميناء الشارقة. وهناك بو أحمد الذي كان يحمل الرسائل والطرود في كيس ثم يتولى توزيعها إلى أصحابها، سيراً على الأقدام، وكان معروفاً بين الأهالي، وكلما صادفه أحدهم كان يسأله إن كان ثمة رسائل له.
مكاتب للبريد
كانت الإمارات طريق البريد على موانئ الهند والعالم، وكان لشركة الهند الشرقية دور كبير في تطور مسيرة البريد في الإمارات، وفي 19 أغسطس 1909 افتتح أول مكتب بريد في الإمارات في دبي، وكان تابعاً للبريد المركزي في بومبي، وحينها كانت تستخدم الطوابع الهندية أثناء فترة الانتداب البريطاني على الهند، وقد استُخدمت طوابع مرسوم عليها صورة الملكة فيكتوريا والملك إدوارد السابع وجورج الخامس والسادس،
وبعد استقلال الهند ألحق بريد الإمارات ببريد كراتشي، وفي عام 1949 ألحق بريد الإمارات بالبريد البريطاني في لندن، واستخدمت الطوابع ذاتها المستخدمة في إنجلترا، إلا أنه تم تسعيرها بالروبية الهندية، وظلت تستخدم حتى عام 1961 حين أصدرت طوابع باسم الإمارات المتصالحة، إلا أن هذه الطوابع لم تستخدم إلا في دبي علما بأنها حملت صورة لسبع نخلات ترمز إلى الإمارات السبع.
وطيلة السنوات الأولى كان البريد ينقل بصورة منتظمة عن طريق البواخر التابعة لشركة الملاحة البريطانية الهندية، في حين عملت خدمات البريد الجوي في أكتوبر 1932، فكانت تحمل البريد الإماراتي من محطة الشارقة الجوية إلى الهند ومدن العالم الأخرى، فقد استحدث الإنجليز في نهاية الأربعينات نظام البريد الجوي بالإمارات وخصصوا طائرة «البريد الجوي الملكي».
وكان بريد أبوظبي يجمع ويرسل إلى البحرين ثم يوزع من هناك، وكذلك الأمر بالنسبة إلى جزيرة داس، وقد استمر الأمر حتى افتتحت الوكالة البريدية البريطانية أول مكتب بريد في أبوظبي في مارس 1964. وفي عام 1963م ألحقت إدارة البريد في الإمارات بالحكومات المحلية مباشرة وأصدرت كل إمارة طوابع خاصة بها، وظلت الطوابع تستخدم بشكل مستقل في كل إمارة حتى عام 1972م حيث تم اعتماد طابع أبوظبي ووشح باسم دولة الإمارات وألغيت الطوابع الأخرى في الدولة.
سجلات صغيرة
عبرت الطوابع التي صدرت في الإمارات عن ظروف الحياة الاجتماعية بتفاصيل دقيقة وساهمت بتأريخ دقيق للعدد من سمات وملامح وتفاصيل المجتمع الإماراتي، حيث صورت الألعاب الشعبية والوسائل القديمة لصيد اللؤلؤ، والصناعات اليدوية والعادات التي سادت قديماً بين أبناء البلد في الأفراح والأحزان والمأكولات الشعبية والآثار القديمة. كل ذلك حفلت به الطوابع على رقتها وصغر حجمها وهي تصور حياة حافلة وغنية بكل تفاصيلها، حتى أمكن اعتبارها وثيقة تمنح الأجيال سجلاً للتاريخ والحياة
إسماعيل الرفاعي



