هكذا رآها قبلي المخرج صقر الرشود منذ سنوات طويلة فلقبها بأم المسرحيين، وهكذا عرفها المقربون منها واجمعوا على شخصيتها الأمومية النادرة، مريم سلطان، فنانة أصيلة أخجلتنا بدقة مواعيدها رغم ظروفها الخاصة، وأخجلتنا أكثر بعفويتها في سرد مسيرتها الحياتية والفنية، فهي لا تفكر مطلقاً في تجميل واقعها وماضيها، كانت أمينة مع نفسها وصادقة كعادتها، الآن فقط. عرفت مريم سلطان كما اعرفها من قبل.
في أربعينات القرن الماضي انتقل والدا مريم من الإمارات إلى البحرين واستقرا في المنامة بحثاً عن مصدر رزق للعائلة، ومع مطلع الخمسينات ولدت مريم، طفلة مفعمة بالحيوية تملأ الفريج ضحكاً ولعباً، وبعد فترة وجيزة رحل والدها وبقيت مريم مع والدتها التي أصبحت بمثابة الأب والأم في آن واحد. كانت مريم طفلة تعشق اللعب مع أقرانها من الأولاد والبنات في وقت كانت في المجتمعات ترعى صغارها على نحو التربية الجماعية،
ولا بأس عن لهو الأطفال مع بعضهم البعض تحت أنظار الكبار، غير أن والدة مريم كانت تأخذ بمبدأ الشدة مع ابنتها خصوصاً بعد أن ان أصبحتا وحيدتين دون عائل تقول مريم: أظن أنني محظوظة لأنني عاصرت مرحلة مهمة من مراحل التأسيس في منطقة الخليج، ونشأت في فترة اعتبرها مدرسة حياتية أفرزت العديد من الشخصيات المهمة على مستوى الفن والأدب وحتى الشخصيات العامة، كانت البساطة والطيبة علامتين تميزان ذلك الزمن الجميل،
كما نسكن بدون كهرباء في بيوت من سعف النخيل، نلعب ونلهو غير مدركين تماماً لقسوة الحياة من حولنا وتعب وشقاء آبائنا لتوفير لقمة العيش، كنت أذهب إلى الكتاب بعد أن اعترضت والدتي على دخولي المدرسة، وكان السائد آنذاك عدم إرسال البنات إلى المدرسة إلا من قلة قليلة من العائلات التي كانت تتفهم هذا الأمر، المهم أنني كنت أحفظ الآيات والسور القرآنية بشكل سريع، وكنت على استعداد ذهني ونفسي لتلقي المسائل التعليمية بصورة مذهلة، لكنني استسلمت لرغبة ووجهة نظر والدتي وما كان لي أن أعاندها.
أحلام الطفولة والزواج المبكر
لكأنما شاء الحظ ان يبتسم قليلاً لمريم سلطان ويخرجها ولو فترة وجيزة عن دائرة الحياة المغلقة إلى أجواء أكثر رحابة، تقول: في عام 1959 ذهبنا إلى الكويت في زيارة لأخي من أمي، كان يعمل هناك بينما كانت الظروف المعيشية ضيقة علينا للغاية في البحرين، وبعد وصولنا إلى الكويت، غضب أخي لعدم التحاقي بالمدرسة، وأصر على تعليمي فالتحقت بالمدرسة الابتدائية وكان عمري وقتها تسع سنوات،
ومع ذلك قبلوني في الصف الأول، واستمررت في التعليم حتى الصف السادس، وقتها أصرت والدتي مرة أخرى على عدم اكمالي دراستي، كنت أحصل على المركز الأول على الصف في جميع سنواتي الدراسية الست، لكنني رضخت مرة ثانية لرغبة والدتي التي رأت ضرورة عودتنا إلى البحرين لأتزوج وأنا صغيرة جداً.
ثلاثة عشر عاماً قضتها مريم سلطان قبل زواجها بين اللعب والدراسة، تتذكر كيف كان الأطفال يتجمعون في بيت لأحد الأشخاص الميسورين ليتابعوا المسلسلات التلفزيونية، تقول: البيت الوحيد الذي يملك جهاز تلفزيون في ذلك الوقت كان لأحد الأغنياء، كنا نذهب في وقت بث حلقات المسلسلات المدبلجة من محطة «أرامكو» السعودية،
وكانت هي المحطة الوحيدة التي يستقبلها الجهاز، وبعد انتهاء الحلقة كنا نخرج نحن الصغار ونحضر سعف النخيل ونتخذه جياداً نمتطيها، ونحمل في أيدينا المسدسات التي نصنعها أيضاً من سعف النخيل، لكن هذا لم يكن يرضي والدتي وكانت توبخني كثيراً، لكنني كنت أعود في اليوم التالي لألعب وأركض مع الأطفال،
وأنا أعرف أن عقاباً من نوع ما ينتظرني في البيت، لكن اللعب لم يكن الشيء الوحيد الذي كنت أمارسه، فقد كنت أقلد ما أشاهده في التلفاز، وكنت أدخر من مصروفي لأشتري تذكرة السينما وأتابع الأفلام العربية القديمة، كانت تراودني الأحلام بأن أصبح ممثلة أو أي شيء له وضع اجتماعي، غير أن هذه الأحلام تم إجهاضها بعد زواجي من رجل يكبرني كثيراً في العمر،
تزوجت وأنجبت طفلين في عامين ثم تم الطلاق بعد ذلك، وخلال سنتي الزواج كنت مداومة على متابعة المجلات الفنية وأشتريها بانتظام، ومع بعض المجلات كنت مشتركة فيها وكانت تصلني بانتظام، وأذكر أن مجلة «حواء» المصرية كانت أول مجلة متخصصة في الشأن النسائي، كما انني كنت قارئة نهمة لروايات إحسان عبدالقدوس ومتابعة لكتاب آخرين،
وهذه القراءات أسهمت كثيراً في تشكيل وعيي الثقافي والفني في مرحلة لاحقة، لكن بعد طلاقي وجدت نفسي مسؤولة عن نفسي وعن والدتي وعن طفلي الصغيرين، وكان لا بد أن أخرج للعمل حتى أفي بالتزامات الأسرة المعيشية.
هكذا مرت طفولة أم المسرحيين، سنوات من الصبر على ما تراه والدتها بشأن مستقبلها، سنوات توجت عند الخامسة عشر فقط بطفلين لتبدأ رحلة الكفاح الطويلة، تقول مريم: خروجي للعمل في ذلك الوقت كان ضرورياً، ولم تستطع والدتي منعي منه، كان التمريض هو المنفذ الذي أتاح لي الفرصة، وأنا بطبعي أحب مهنة الطب وكنت أتمنى أن أصبح شخصية مهمة في أي مجال،
وبالفعل التحقت بدورة تدريبية اجتزتها بتفوق، واستلمت عملي في مستشفى السلمانية بالبحرين، واستمريت فيه فترة طويلة حتى عدت إلى الإمارات في عام 1976 لكنني خلال تلك الفترة كنت أذهب إلى حفلات الفنانين التي تُقام في البحرين، كذلك كان لظهور تلفزيون الكويت في الستينات أثر كبير في أن أتعرف على كبار الممثلين الخليجيين من خلال متابعة أعمالهم الدرامية، إضافة إلى شعوري بالتحرر من تعليمات والدتي التي كانت تحاصرني في السابق، وهذا الشعور وحده ساعدني لأفتح صفحة جديدة على طريق الإبداع.
ممرضة وشرطية
في الإمارات فتحت مريم سلطان صفحتها الجديدة، وهي صفحة مليئة بالجهد والعمل والكفاح والتألق، تقول: في عام 1976 أخذت قرار العودة إلى الإمارات، وفي العام نفسه التحقت بالعمل في مؤسسة اتصالات عاملة على البدالة، واستمريت فيها عاماً، وحدث أن اتصل بي في ذلك الوقت الصحافي عبدالله العباسي وكان يعمل وقتها في المسرح أيضاً، وعرض عليّ فكرة الانضمام إليهم في المسرح،
وحدث أن توجهت إلى مسرح الشارقة الذي لم يكن قد أشهر في ذلك الوقت، وانخرطت في العمل مع مجموعة أعتبرها خلاصة المسرحيين في الإمارات، فقد أبدعوا فيما بعد وصالوا وجالوا على مسارح الدولة، وأعتبر نفسي محظوظة جداً لأنني تعرفت على هذه المجموعة في بداية مشواري المسرحي،
صحيح أننا كنا عفويين في أدائنا وتمثيلنا، لكن كان لنا شرف المحاولات الجادة التي كانت تنم عن قرب بزوغ نجوم يمتلكون الموهبة، وقبل الموهبة كان لديهم الحماس لأن يؤسسوا حركة مسرحية، فعلاً أنا محظوظة، فقد مرت الأيام وأسسنا بالفعل مسرح الشارقة الوطني، ودخلنا دورات مسرحية وعرفنا فيها أصول كتابة النص وفن التمثيل وعمل الديكور وأهمية الإكسسوارات، واستفدنا من الدورة التي أشرف عليها المنصف السويسي في عام 1982، كما كان للمسرحيين العرب دور بارز في إثراء الحركة المسرحية في بداياتها.
وشهد عام 1977 نقلة في حياة الفنانة مريم سلطان، فقد تزامنت بداياتها المسرحية مع انتقالها من مؤسسة «اتصالات» للعمل في شرطة دبي، واستمرت فيها حتى عام 1981، حيث انتقلت للعمل في وزارة الإعلام والثقافة، تقول: كانت فترة عملي في الشرطة ثرية على المستوى الشخصي،
فقد استفدت منها على صعيد إكمال شخصيتي القوية ووفرت لي استقراراً مادياً نسبياً، لكن في الوقت نفسه كان صعباً أن أوفق بين العمل الشرطي والفن، وجاءت خطوة انضمامي للعمل في وزارة الإعلام لتفسح المجال أمامي للإبداع بشكل أفضل، خصوصاً عندما أصدر آنذاك وكيل وزير الإعلام قانون التفرغ بالنسبة للفنانين،
وبالفعل أثمر التفرع وجاءت نتائجه طيبة للغاية، فقد انتعش المسرح الإماراتي وازدادت الأعمال المسرحية، ثم جاءت أيام الشارقة المسرحية لتبلور المسألة في عام 1984، وأظن أن تلك الفترة كانت الأجمل في تاريخ المسرح الإماراتي، وهي فترة يصعب تكرارها لما ضمته من أناس مخلصين وهبوا حياتهم للفن، لا أحد منهم كان يسأل عن المقابل المادي على الإطلاق،
وكان من بينهم من لم يكتف بكونه ممثلاً، بل كان يساعد في عمل الديكور وتجهيز المسرح وتوزيع اللافتات الدعائية، وقد كنت واحدة من هؤلاء، لم اكتف بدوري في المسرح كممثلة، بل كنت أقوم بإعداد الشاي والقهوة أثناء البروفات، وكنت أنظف القاعة وكأنها بيتي وهي بمثابة بيتي الثاني بالفعل، وكنت أذهب لأشتري الإكسسوارات من السوق،
وهذا ما جعل المخرج صقر الرشود يطلق عليّ لقب أم المسرحيين، منذ كنا نعمل مع المجموعة في مسرحية «شمس النهار» وكان المخرج صقر الرشود على رأس المجموعة كمخرج للمسرحية، بالفعل كانت فترة الثمانينات متوهجة وثرية وقدمت خلالها مجموعة من الأعمال القيمة، وأظن أنها ساهمت كثيراً في أن تخرج الأعمال المسرحية الجماهيرية في فترة التسعينات.
مريم سلطان، أم المسرحيين، مسيرة حافلة بالكفاح والصبر، تتذكر أيامها الأولى متحسرة بعض الشيء على عدم إكمالها للدراسة، وتتذكر أيضاً بداياتها على خشبة المسرح وابتعادها عنها لمدة عام بعد أن سمعت بعض الآراء التي قللت من أدائها الفني، لكنها عادت بقوة، وأعطت للمسرح في أشد وأحلك ظروفها الاجتماعية والصحية،
خرجت من المستشفى على عكازين لتشارك في مسرحية «رأس المملوك جابر» ملبية رغبة عبدالاله عبدالقادر وعلى مسؤوليتها الشخصية، ثم وهي تتابع بروفات مسرحية «الفريج» قبيل عرضها، وكانت والدتها متوفية في تلك الأثناء، هو الالتزام وحب الفن، عششا في كينونتها، لتنال عنهما حب وتقدير الجميع، ولتكرم في يوم المسرح العالمي عام 1997 من الدائرة الثقافية،
ولتكرم أيضاً في عمان أثناء دورة للمسرح الخليجي، كما كرمتها قبل فترة وجيزة جمعية المسرحيين على مجهوداتها الكبيرة والكثيرة في المسرح الإماراتي، مريم سلطان.. كيف تنظر الآن على مسيرتها الحياتية والفنية وهي تستعيد شريط حياتها؟،
تقول: الحمد لله على كل شيء أنا راضية تماماً عما قدمته طوال حياتي، فقد وهبني محبة الناس وتقديرهم لي، كما أنني سعيدة مع أولادي الذين أعتبرهم أصدقائي في نفس الوقت، وقد طوعت كل تحفظاتي على تربية والدتي لي، لأجعل من أولادي شركاء في الرأي، قد أكون تعبت معهم في فترة المراهقة،
لكنهم سريعاً ما عادوا إلى سابق عهدهم في التعامل بعقليات ناضجة، ومع أنهم متزوجون إلا أنهم يصرون على البقاء معي في البيت، وهذا رأي زوج ابنتي الذي يصر على عدم تركي لوحدي، وأيضاً الحال نفسه مع زوجة ابني. فماذا بعد كل هذه المحبة والتقدير من الأبناء وأزواجهم، وأمنيتي الوحيدة تنحصر الآن في حج بيت الله، وفي منزل كبير يتسع لعائلتنا الكبيرة.
ملتزمة ومخلصة لفنها
وفي شهادته عن مريم سلطان يقول الفنان عبدالله صالح: تتمتع مريم بشخصية في غاية الطيبة والعفوية، وهي إنسانة مكافحة عرفناها معطاءة تتحمل مسؤولياتها تجاه بيتها وأولادها وتجاه نفسها أيضاً، واشتهرت بتقديمها لأدوار الأم في معظم أعمالها الفنية وقد أجادت تقمص هذه الشخصية، فهي أم فريدة في الواقع المعاشي،
وأم تأخذ من واقعها الكثير لتضيفه إلى شخصياتها الفنية، وهي أم المسرحيين أيضاً وهذا لقب تستحقه بكل جدارة، وطوال معرفتي بمريم وجدتها إنسانة تحترم الآخرين وتقدرهم وتساعد بقدر استطاعتها، ولهذا أحبها الجميع ووضعوها في قلوبهم،
كما أنها فنانة ملتزمة تجدها أول الحاضرين إلى المسرح أيام البروفات، ويغضبها كثيراً عدم الالتزام بالمواعيد، وتربطني بمريم سلطان علاقات اجتماعية وطيدة، فنحن نتبادل الزيارات على مستوى العائلات وأعرف أبناءها منذ أن كانوا صغاراً، وقد استطاعت مريم أن تربيهم أحسن تربية، وأظنها الآن تحصد ثمار ما زرعت وتعبت من أجله سواء بالنسبة لعائلتها أو لفنها،
كما انها فنانة مخلصة لفنها أكثر من أي شيء آخر وكثيرا ما كانت تبدي ملاحظاتها للفنانات المشاركات معها في العمل كونها أكثر خبرة منهن ولأنها من جنسهن واقرب إليهن نفسياً وبعد هذه الرحلة الطويلة من العطاء نحن نشفق على مريم ونقدم إليها النصيحة خوفا عليها مع احترامنا لرغبة الفنان القوية بالاستمرار في العطاء الفني.
وفي نفس السياق تأتي شهادة الفنان محمد سعيد الذي يرى في مريم سلطان نموذجاً وقدوة لكثير من فنانات الجيل الجديد يقول: كثيراً ما تغلبت مريم على أحزانها وأصرت على الوقوف على خشبة المسرح في أحلك الظروف سواء الاجتماعية أو الصحية وادلل على ذلك برغبتها القوية في إكمال مشاركتها في عمل مسرحي جديد بعنوان «السلدار»
ورغم ظروفها الصحية في الفترة الأخيرة إلا ان إصرارها مازال موجودا لإكمال العمل ونحن من جانبنا نقدر ونحترم رغبة أم المسرحيين لكن يبقى خوفنا عليها وعلى صحتها وهذا هو دأب مريم سلطان لا تعرف الاستسلام أبداً وتتغلب على الصعاب وهي السيدة التي كافحت من اجل أسرتها طويلاً وتحملت المسؤولية وحدها ووصلت بعائلتها إلى بر الأمان،
كما أنها مثال للام المعطاءة التي تقدم كل شيء دون ان تنتظر المقابل وهي بحق تستحق لقب أم المسرحيين عن جدارة واستحقاق فقد أبدعت في تقديم دور الأم على خشبة المسرح كما أدته بكل إخلاص في الواقع، والحق انها كانت تأخذ واقع شخصيتها كأم في الحياة لتضيف على أدوارها الفنية وهنا لا احد يستطيع ان يحدد ان كانت مريم تمثل أم انها تؤدي بعفويتها ما تعرفه عن شخصية الأم على كل حال أتمنى لأم المسرحيين الصحة ودوام العافية لتظل دائماً أماً لنا جميعاً.
عز الدين الأسواني

