«الأذن تعشق قبل العين» قول يردده الكثير، لكن الأغلبية من الناس تعتقد أن العين هي الفيصل في مسألة القبول والارتياح، والأذن تأتي في المرحلة الثانية، لكن هذا ما حصل معي منذ ثلاث سنوات عندما سمعت إلى صوت مريم الفلاسي لأول مرة عبر إذاعة «الخليجية».. كان صوتا ناعما يتدفق عبر الأثير يعكس روحا شابة مليئة بالأمل والحماس وشخصية واثقة تنشد الوصول إلى القمة، كانت فرحتي كبيرة عندما عرفت أن هذا الصوت الشذي هو لإحدى الشابات الإماراتيات حديثات التخرج، طلبت لقاءها لأكتشف البعد العميق لهذا الصوت.

والجميل أن تلتقي إنسانا لأول مرة لكنك تكتشف أنك على معرفة مسبقة به متى؟ وكيف تم ذلك ؟ لا أعرف... على مدى أكثر من ساعتين تحدثنا في كل شيء فكشفت مريم الفلاسي عن الدراسة، الإعلام، الطموح، المجتمع وأمور أخرى كثيرة كشفت عن جانب عميق يتطلع لملامسة النجوم وتحقيق الأحلام، منذ ذلك اللقاء وأنا أتابع خطوات نجاح تلك الفتاة المليئة بالثقة والتجدد والطموح المطلق لحدود السماء على حد قولها.

بعد مرور أربع سنوات قابلتها في نفس المكان لأبارك لها حصولها على ترقيةإذ أصبحت نائب مدير شبكة الإذاعات العربية التي كانت في أحد الأيام من ضمن أحلامها الكبيرة. استقبلتني في مكتبها بنفس الابتسامة الدافئة والملامح الهادئة، لم تغير التسمية الجديدة روحها الطيبة وكأن عجلة الزمن عادت ليوم تعيينها في إذاعة الخليجية 5 يناير 2003 م «تخرجت مريم من كلية التقنية قسم الإعلام في صيف 2002 والتحقت بشبكة الإذاعة العربية متدربة، بعدها انتقلت للعمل في هيئة دبي للاستثمار والتطوير من ثم إلى نادي دبي للصحافة قبل أن تحط الرحال في الخليجية مذيعة.

تقول مريم: «بعد التخرج لم تكن لدي رؤية واضحة لمستقبلي المهني، لكن شيئا بداخلي كان يدفعني إلى عالم الأثير، رغم ذلك منحت نفسي فرصة العمل في أكثر من مجال لأتمكن في النهاية من الوقوف على أول السلم، وأعتبر تجربة تقديم كأس دبي للخيول على مدى سنتين متتاليتين نقطة فاصلة في حياتي، خاصة أنه حدث عالمي حضره عشرات الآلاف من الجمهور المتباين اللغة والثقافة.

تقول مريم: كانت التجربة مثيرة ومليئة بالتحديات، منحتني فرصة التواصل مع شريحة كبيرة من المجتمع الإماراتي ومازال الكثير يتذكر ذلك. وتضيف :العمل في الإذاعة ممتع يفتح المجال أمامك للتعلم، كانت السنوات الأربع التي قضيتها في شبكة العربية بداية كمتدربة ثم مذيعة متفرغة بعدها مساعدة مدير البرامج الخليجية فمساعدة مدير البرامج الخليجية والعربية ثم مديرة العربية، فمديرة الخليجية والعربية وأخيرا نائبة مدير شبكة الإذاعات العربية، وكلما زادت مسؤولياتي كبر الحلم بداخلي واتضحت أبعاده الحقيقية.

لم يكن العمل في الإذاعة هدفا مسبقا ولم يكن وليد الصدفة، وأعتقد أن قدري أن تكون بدايتي في الإذاعة وحبي الكبير للميكروفون جعلني أواصل في هذا المجال ولا أنسى مقابلة محمد القرقاوي بعد التخرج، وأذكر أنه سألني بنص العبارة ما هو حلمك؟ فقلت له أحب الإعلام وتحديدا الإذاعة، لكنني أريد أن أجرب أكثر من مجال قبل الاستقرار على مهنة المستقبل وخاصة أن فترة بعد التخرج حساسة إذ أن الطالب يكون تحت ضغوط كبيرة

وتشتت في تحديد أهدافه المستقبلية بين الوظيفة أو العمل الحر. في سبيل الوصول إلى الجمهور اعتمدت على جملة سمعتها من الأستاذ عبداللطيف الصايغ المدير العام قال لي إذا أردت أن تصلي إلى عقول وقلوب الناس ابتعدي عن التصنع وكوني مريم العادية بدون أي تكلفة لأن المستمع يشعر بالمذيع الصادق ويستطيع أن يفرق بين البساطة واصطناعها،

أذكر أني قدمت حالة الطقس في الخليج لفترة طويلة وكنت حريصة على تقديمها وأنا مبتسمة والغريب أن الجميع كان يسألني لماذا أبتسم فكان جوابي لأني أعتبر الميكروفون هو أذن بشرية حساسة تتلقى الأخبار لذلك يجب مراعاة ذلك، والحمد لله كانت تأتيني اتصالات كثيرة تثني على أسلوبي في التقديم.

إعلامنا المحلي يحتاج إلى عناصر واعدة لديها حب للمهنة وتستطيع تذليل الصعوبات لأن الرؤية الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لمنح الفرص للشباب الإماراتي وفي جميع المجالات للإناث والذكور على حد سواء هي دافع قوي للعمل بهمة ونشاط حتى نكون في مستوى التحديات لذلك على الشباب أن يقتنص الفرص لأن الوصول إلى تحقيق الأحلام ليس بالأمر الهين

ومسألة التدرج الوظيفي خبرة مهمة على جميع الشباب أن يتقبلوها بصدر رحب ولا يعتبروها تقليلا من شهادتهم لأن الخبرة تعادل الشهادة خاصة في مدينة مثل دبي تتطور بسرعة البرق وتفتح المجال لجميع الجنسيات للعمل في سوق العمل شريطة الكفاءة المهنية والمهارات الفردية.

وأنا مؤمنة أن الإخلاص في العمل والجد فيه يفتح لك أبواب النجاح لذلك كل شخص يمكن أن يخطط لمستقبله بالشكل الصحيح من خلال حب العمل والتفاني، وتحضرني جملة قالها لي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في الإفطار الجماعي في شهر رمضان الماضي «الفرص موجودة في البلد وعلى قد ما تعطوني جهد وتفاني على قد ما تصلو لذلك أريد همتك دوم فوق...» هذه الكلمات جعلتني أتأكد أن الجهد لا يضيع ـ مادام في عيون ساهرة علينا ـ توجهنا وتتابعنا إلى الطريق الصحيح نحو النهوض بالبلد أكثر فأكثر.

وأنا أعتبر الإذاعة بيتي الثاني إذ أقضي معظم ساعات اليوم داخل مكاتبها وأصبحت تربطني علاقة روحية بها وتعلمت الكثير في أمور الإدارة وفن التعامل مع الناس وأسس التواصل الصحيح مع الآخرين، والأهم من ذلك أنها كانت بمثابة الجامعة التي تشكلت فيها واكتسبت خبرة تعادل الشهادة التي حصلت عليها. أنا مؤمنة بأن المرأة قادرة على خوض تجربة العمل في جميع المجالات وعليها أن تراعي الدين والتقاليد وتمضي قدما في تحقيق أحلامها.

الحمد لله منذ البداية وجدت تشجيعا كبيرا من أهلي وبمرور الوقت زاد هذا الدعم ليصبح ثقة وفخرا، أصبحت أعتز بهما، هذا لا يمنع وجود بعض الأسر الإماراتية التي مازالت تعارض بشدة عمل الفتاة في الإعلام المسموع والمرئي وحتى المكتوب، اعتقد أن تطور المجتمع يحتم على الكثير تغيير هذه النظرة القاصرة لأن مهنة الإعلام من أهم الوظائف الحيوية في البلد التي تحتاج لعنصر الرجل والمرأة للنهوض بالحركة الإعلامية وهذا ما نشهده بعد التطورات الجذرية التي لمست الإذاعة والتلفزيون في دبي والصحف والمجلات.

ربما سرقني العمل من الحياة الاجتماعية في البداية، لكن حاليا أحاول أن أعمل موازنة بين عملي وأسرتي وفي بعض الأحيان أفتقد لجلسات صديقاتي، غير أني مؤمنة أن عملي على قائمة أولوياتي في المرحلة الحالية لأن طموحي أكبر من كل حدود وأتطلع لإكمال دراستي الأكاديمية والحصول على درجة الماجستير في الإدارة لأكون جديرة بالثقة التي منحها لي المسؤولون.

خبرتي في العمل بالإذاعة منحتني القدرة على معرفة الشخص المناسب وكيفية الاستفادة من قدراته الفردية، لذلك أحاول معرفة مدى رغبة المتقدمة لوظيفة المذيعة وتمسكها بهذا المجال وليس مجرد الحصول على وظيفة، لذلك الشبكة تحتاج إلى كوادر إماراتية شابة لديها الرغبة الحقيقية في التعلم والتطور وخدمة الإذاعة بتفان وحب.

الشاشة الصغيرة لا تستهويني، مازلت عاشقة للميكروفون وأذكر في بداية التحاقي بالإذاعة حصلت على عرض مغر من إحدى الفضائيات العربية التي منحتني راتبا مغريا وشقة مقابل برنامج أسبوعي مدته ساعتان لكن بشرط أن أتخلى عن العباية وأكتفي بالشيلة، رفضت الموضوع جملة وتفصيلا، لأني فتاة إماراتية تعتز كثيرا بزيها الوطني وتعتبره وساما تحمله معها أينما حلت.

شبكة الإذاعات العربية تحرص على إخضاع جميع الموظفين لدورات تدريبية وبرامج تطويرية للأداء المهني حسب حاجة الفرد لأننا نعلم أن كل فرد له قدرات متباينة ويحتاج لصقلها خاصة أن عالم الإذاعة في تطور مستمر، جميع العاملين في الشبكة زملاء لذلك أحرص على الاحترام المتبادل بين الجميع ووضع برامج فردية للشخص الواحد لمعرفة إنتاجيته لأنني في النهاية مطالبة بإكمال العمل وتقديم عمل مميز للجمهور المستمع، ونحرص على الجانب الترفيهي والتثقيفي من خلال التنويع في البرامج المقدمة من طرف الشبكة.

أمينة عماري