استقبلنا في مجلسه الذي كان يعج بأفراد عائلته أبناؤه وأبناء إخوانه وبعض الضيوف والأصدقاء، أعجبتني لمتهم حول مائدة الطعام و ذكرتني بالقصص الجميلة التي كنت أسمعها من كبار السن عن الجلسات الجماعية أيام زمان ومشاركة أهل الفريج الواحد موائد رمضان وكرم الضيافة واللمة التي عُرف بها أهل المنطقة منذ الأزمنة البعيدة كنوع من التواصل الاجتماعي والمحبة التي كانت في قلوب أهل المنطقة ومازالت

يقول الوالد فرج: أحرص على ترك أبواب مجلسي مفتوحة طيلة أيام السنة لأفراد عائلتي والأصحاب وعابري السبيل، فأهل الإمارات كانت بيوتهم مفتوحة للجميع.أذكر كان أهل الفريج الواحد، يعيشون أسرة واحدة ومجالسنا مفتوحة للجميع والناس تتزاور بدون استئذان وتتواصل بدون مناسبات وبيوتنا متلاصقة في الفرح والحزن.

ورغم مرور السنوات وتغير الحال مازلت أعيش بنفس أسلوب آبائي وأجدادي لأني مؤمن أن التواصل الاجتماعي بين الناس يخلق مجتمعات صحية وخالية من العقد والمشكلات لأن المجالس تعلم الكثير من خلال النقاشات والجلسات الجانبية ولا يمكن أن أتغير وأنا أحاول زرع ذلك عند أفراد عائلتي.

ويعتبر فرج سعيد بطي المحيربي لؤلؤة نادرة في وقتنا الحالي في مجال الغوص بسبب اندثار هذا الإرث الكبير الذي توارثته الأجيال في منطقة الخليج العربي مع نبينا سليمان بن داوود عليه السلام أي منذ آلاف السنين

وبقيت حرفة الغوص متواجدة عند سكان المنطقة لغاية تحول العالم إلى عصر الصناعة مع اكتشاف البترول وتسببه في تلوث مياه البحار وإتلاف البيئة البحرية للكائنات الحية الآمنة في أعماقه. كان ذلك في بداية القرن الماضي وشكل تهديدا حقيقيا لتجارة الغوص في الخليج، وتراجعت الرحلات البحرية التي كانت تجوب البحار والجزر بحثا عن اللؤلؤ والمرجان.

بدأت الغوص في عمر 12سنة

الإيمان بالأشياء من أهم أسباب النجاح في الحياة والوالد فرج كان يؤمن منذ طفولته المبكرة، أن الغوص من أعظم النعم التي أنعم بها الله على عباده وآمن أيضا أن البحر يحوي على كنوز العالم وبإمكانه تحقيق كل أحلامه إذا تعلم فنون ركوب البحر والغوص في أعماقه ، تعلم الغوص في الثانية عشر من عمره.

بدأ حياته مع المحار واللؤلؤ في سن السادسة، يقول: كنت مولعا بالفلج أي فتح المحار وإخراج اللؤلؤ وبقيت لسنوات أحرص على مشاركة الغواصين في فلج المحار بعدها أصبحت جاهزا للغوص فسمح لي الوالد بالغوص وعمري لم يتجاوز 12سنة وكانت قبيلتي المحيربي مشهورة في مجال الغوص والتجارة واستوطنت منطقة الجميرا منذ عشرات السنين ومازلنا نقيم في نفس المكان بذكرياته الجميلة.

أشهر القبائل العربية التي عملت في الغوص

كان اللؤلؤ أهم مصدر رزق في العالم على مدى مئات السنين، وشكل تجار اللؤلؤ في العالم ثقلا تجاريا في منطقة الخليج على امتداد سواحله من الكويت، البحرين، قطر، دبي الإمارات لأنهم كانوا يبيعون الحلي الفاخر الذي يقتنيه الملوك في أوروبا وانجلترا.

وحتى بعد ظهور ما يسمى باللؤلؤ الصناعي بقي اللؤلؤ الطبيعي غالي الثمن كونه نفيسا ويستخرج من أعماق البحار ومكلفا جدا، وأشهر القبائل العربية التي عملت في تجارة اللؤللؤ بالإمارات هي: أبومهير، الرميثات، المزاريع، الهوامل، الكبيسات، المرر، المحيربي، المناصير الفلاسي وغيرها. يضيف: كانت القبيلة الواحدة تملك عشرات السفن التي تخرج في رحلات الغوص وتتجمع في رحلة واحدة يصل عددها إلى حوالي 1500 سفينة تتجمع بالجزر المشهورة باللؤلؤ لفترات طويلة تمتد لشهور.

أشهر جزر اللؤلؤ بالمنطقة

صحيح أني بدأت الغوص في السنوات الأخيرة للغوص ورغم أني كنت في مقتبل العمر ولم أتجاوز سن الشباب في تلك الفترة لكني مازلت أتذكر التفاصيل الدقيقة لرحلات الغوص التي شاركت فيها. كانت سفن الغوص تخرج في شهر 7 من كل سنة،

تحمل معها عدة الغوص المتمثلة في الفطام الذي يمسك به الغواص أنفه أثناء عملية الغوص وحبال متينة لشده بعد الانتهاء من الغوص و«شنط» صغيرة يعلقها الغواص في رقبته تسمى «الديين» يجمع فيها المحار إضافة إلى المؤونة الغذائية لتغطية احتياجات الرحلة التي تدوم حوالي أربعة أشهر، كانت الرحلة شاقة ومحفوفة بالمخاطر وكان الشباب يتدافعون للمشاركة في الرحلات الكبرى التي ينظمها كبار التجار في دبي وأبوظبي وأذكر في تلك الأيام كان تجار دبي يمتلكون أكثر من 400سفينة غوص و600 لتجار أبوظبي.

يخرج على متن السفينة أكثر من 40 رجلا للغوص والبحث عن المحار، وتعتبر منطقة «دلما» من أغنى المناطق باللؤلؤ لذلك أطلق عليها التجار أم اللؤلؤ، يحضر إليها الغواصون من مئات السنين ومن مختلف مناطق الخليج الكويت، البحرين وقطر وأهل الإمارات وكانت سخية مع الجميع إلى جانب بعض الجزر الأخرى الغنية باللؤلؤ:

جزيرة داس في أبوظبي، جزيرة زركة،جزيرة أزرنة، جزيرة دالما العالية، جزيرة مكاسب، جزيرة أم العنبر جزيرة حد الطير، جزيرة أم الحطب جزيرة دبينا وغيرها من الجزر التي شهدت أيام ازدهار الغوص ووصوله إلى أقصى حدوده، كان الغوص يتم على بعد 20 إلى 40 مترا من مركز الجزيرة.

رغم أن الغوص توقف منذ عشرات السنين لكني مازلت أحلم أن يعيد شباب الإمارات تراث الغوص لأنه تراث أجدادنا، كان يشكل جزءا كبيرا من الحياة اليومية لسكان المنطقة وتدور عليه الحياة إلى جانب بعض الحرف الجانبية الأخرى ورغم مرور عشرات السنين مازلت احن للغوص وأمارسه بشكل منظم وأحرص على تنظيم رحلة سنوية لكل محبي هذا التراث الجميل

من خلال جمعية الإمارات للغوص التي تأسست سنة 1995 م بتوجيهات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان فمنذ ذلك الوقت حرصت على المحافظة على تاريخ الغوص وتقديمه للشباب الراغب في ممارسته حتى يبقى فخرا للأجيال القادمة وبالمناسبة أقدم الشكر الموصول للمجلس الأعلى للرياضات البحرية المهتم بالتراث.

علاقة أهل المنطقة بالبحر تتعدى الجغرافية

ويضيف: ارتبط سكان الإمارات بالبحر ارتباطا قويا تعدى المعنى الجغرافي والبيئي وأصبح الملاذ الوحيد للسكان يجدون فيه كل احتياجاتهم. كان الصيد أيام زمان المورد الرئيسي للغذاء اليومي لأهل المنطقة وجاد بحر الخليج بأطيب الأسماك التي زينت موائدنا على مدى عصور طويلة ومازال الكثير من السكان يعتبرون السمك الغذاء الرئيسي لهم رغم دخول ثقافات أكل متنوعة واكتساب عادات جديدة بحكم الانفتاح الذي شهدته الدولة ما بعد النفط والتعايش مع جنسيات متنوعة من أنحاء العالم.

من جهة أخرى سمحت السواحل البحرية للسكان بممارسة جميع أنواع التجارة بحرا وشكل الخور شريانا حيويا يغذي التجارة قبل ظهور وسائل النقل الحديثة، وجمع أهل الخليج ثروات طائلة من تجارة اللؤلؤ لمئات السنين

حيث كان التجار الخليجيون في القرون الماضية أرباب تجارة اللؤلؤ في العالم كله وصدّروه لجميع دول العالم خاصة أوروبا، ومازال اللؤلؤ الخليجي في خزائن الملوك وأغنياء العالم وتعتبر اللآلئ الخليجية الأجود في العالم وتباع اللؤلؤة الواحدة بمبالغ كبيرة ولم يتأثر سعره باللؤلؤ الصناعي لأنه شتان بين الغالي والرخيص وكل نوع لديه زبائنه.

عشت حياة بحرية حافلة

شكل البحر بالنسبة لي حياة متكاملة لذلك أكون في قمة سعادتي وأنا على ظهر سفينتي وبين أحضان البحر فقد عشت حياة بحرية منذ طفولتي ولم أوقف رحلاتي البحرية طيلة سنوات العمر رغم أني عملت غي تجارة العقارات لكني عاشق لرائحة البحر وكنت محظوظا في عمليات الغوص وعندما كنت أفلج المحار وأحصل على لؤلؤة جيدة أشعر بسعادة كبيرة،

ولدي مجموعة كبيرة من اللؤلؤ مازلت أحتفظ بها ولا أبيعها بفلوس الدنيا لأنها تعني لي الكثير، ويضيف: منذ أيام زمان يعتبر الغوص مكلفا جدا لما تتطلبه الرحلة من عدة ومراكب ورجال محترفين في الغوص ولديهم طاقة تحمل تحت الماء كانت تتراوح بين دقيقة ونصف إلى دقيقتين ونصف كحد أدنى ولديهم مهارات تجميع اللؤلؤ وفلجه.

منذ حوالي عشرين سنة تحديدا في سنة 1983م استأذنت سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم وخرجنا أربع سفن كبيرة في أكبر رحلة صيد في التاريخ الحديث متوجهين إلى منطقة دلما وبقينا حوالي شهر ورجعنا بمجموعة ثمينة من اللؤلؤ وكانت من أجمل الرحلات في حياتي ومازلت أحرص على الخروج سنويا للغوص مع جميع المهتمين بهذا الإرث الثمين الذي خلفه لنا الأجداد وعلى كل المواطنين الحفاظ عليه من الزوال والاندثار.

أمينة عماري