العودة إلى المدارس، بين دروس لم تستفد منها، ومواعظ لم تتعلم منها. بين بحر لم يغوك يوماً، وحارة لم ترحب بك يوماً، ومدينة لم تعترف بك يوما. العودة إلى المدارس بين ضحكة أطفالك، وفرحهم بالحقيبة الجديدة والمعلمة الجديدة وحافلة المدرسة العملاقة وبالسائق الهندي، والحاضنة الآسيوية، وخليط من الجنسيات والسحنات.. بالمديرة المهمومة بالأقساط الزائدة، والشُعَب المكتظة، والمناهج المكدسة.
العودة إلى المدارس، والتلكؤ أمام موظفة المحاسبة لإرجاء الدفعة الأولى، حتى يؤجل مالك البناية شيكه المتأخر، ويوافق البنك على قرض جديد أو «توب أب» على أسوأ الأحوال. وفي أسوأ الأحوال سأخفي احتمال الاحتشاء المفاجئ عن أعين أطفالي، وخشية زوجتي، ومناغاة ولي العهد الذي جاء متأخراً، وسأسألهم مخادعاً عن المدارس التي يفضلونها، وأسعى مع صوت الديك الافتراضي، للبحث عن مدرسة بقسط أقل، وجودة أقل.
سأدعوهم بعد جولة في الكارفور أو الميغا مارت إلى «عشاء فاخر» من ماركة الوجبات السريعة، وسأدعي عدم اهتمامي بالثمانين درهماً، التي أدفعها ثمن قطع عجين «البيتزا هت» الشهيرة. العودة إلى المدارس، إلى جداول الضرب، والضرب على الرأس، وضرب الرأس بالحائط، وضرب الكف بالكف، والأخماس بالأسداس، دون جدوى.
فما يحدث يارب العائلة الكريم، يا رهين جنون الاستهلاك، ونوبات الجنون، وفحش الأسعار، وفوضى العقارات، والعقاقير المهدئة والنوم الكابوسي، وكوابيس اليقظة، واليقظة المتأرجحة، بين الأحلام المبددة، والحلول المستحيلة، والقروض المتراكمة. وزفرة لا تكفي وزفرتان، وجسد بين وطن حلم، وحلم هائم على وجهه، ووجه غارق في طين الدنيا، وغلبتنا الدنيا في أول العمر،وفي منتصفه غلبتنا الدنيا ياعمر، دون أن نمر بها، أو تمر بنا.
ساعات مهدورة على الطرقات، على وسائد النوم المتأرجحة، على فرصة انزلقت من أصابع الوقت، ووقت لم يحسب لنا حساباً، يا تهاليل الطفولة على أبواب المدارس، أيها الفرح الغالي، ويا ضحكة نفتقدها في مدائن «السوبر تكنولوجيا» وال«ميني إنسان». ساعات بعقارب تنفث سمومها في أجسادنا كل ثانية، وثوانٍ تنسج أثواب الزمن على مقاييس أخرى، حين تفتننا ساعة الرمل، وصباحات المدرسة على دروب النهر، والجرس القديم وتحية العلم، والمدرس الأول والحروف الأولى والأناشيد المحفورة بالذاكرة، والذاكرة الحاضرة بالمرارة.
وآه يا مدفأة الشتاء ويا شتاء السعير والرطوبة العالقة في المفاصل. صباح بعيد.. صباح لفة الماء والسكر وحقيبة القماش وصدرية الخاكي والفولار المعقود ومعطف الجوخ المتوارث ودقائق الاستراحة والسوق المقبي وغدران الحارة نخوّض بها ذهاباً إياباً. صباح التنور المسجور والخبز الحار وصوت أمي ينهمر كمطر الصباح الناعم، على أحلامنا.
صباحها في الحياة والممات ويدها ترفع الغطاء وتمد روحها لنا مع إفطار العائلة وساعة الانصراف من المدرسة وكتابة الواجب، وجرح الألعاب على الركبة، وتعب المساء. صباح يستيقظ على صوتها ويتوهج على صوتها حين نحزم الدفاتر ونفتش الزوايا عن الكتب الضائعة وأقلام الرصاص والممحاة.
وعام كسائر الأعوام السابقة واللاحقة، وغصة عالقة في الأنفاس المتقطعة والحسرات السائبة، على صباحات الجبين الغض، وعباءة الحَبَر وهبريّة الحرير على رأسها المتوّج بهالة الضوء، وأصابع الدف تمسح بها أبداننا. وصباح الخير يا مدرسة علي بن أبي طالب ومدرسة الحسين وعبد المنعم رياض. يا مصطفى الكواكا ويا طعان النذّور صباح الرحمة على قلبك الذي توقف في حصة العربي على عبارة لم تكتمل، وعمر لم يكتمل.
وصباح الخير أيتها الرسوم المتروكة على هوامش الدفاتر، ويا أيمن صباح عمرك القصير والسل المفاجئ والموت العجول. لم تكمل رسائل الحب، ولم تتقن وضع النقاط على الحروف حين نزفت العمر مع خيط الدم من فمك المعقود على الضحكة الصاخبة. وصباح الخير أيها العام الدراسي الجديد، وعام سعيد يا أطفال العالم، بين عجز الأب ونهم الدنيا، وضيق ذات اليد، واليد الطولى التي تنبش أرواحنا، وتفصد دمنا، قطرة قطرة، في حصالات المدن الأكولة. عام سعيد
إسماعيل الرفاعي