في طريق عودتك إلى البيت بعد يوم حافل بالعمل، تذكرك معدتك الخاوية بمائدة عامرة بما تشتهيه من مأكولات، الخبز فيها عنصر مهم للغاية، تنبش في ذاكرتك إذا ما كانت زوجتك قد هاتفتك لتشتري خبزك المفضل، حينها قد تغير خط سيرك لتعرج على مخبزك الذي تداوم على الشراء منه، وربما لا تجد طلبك فتضطرك الظروف لسد الحاجة بما هو متاح حتى ولو كان على غير رغبتك، الناس أمزجة مختلفة، وكذلك الخبز، أنواع متعددة ولكل نوع زبونه، لكن هل فكر أحدنا بأية مراحل مر رغيف الخبز قبل أن يستقر على مائدتنا؟
كاميرا المرايا تجولت بين عدة مخابز يمكن أن نطلق عليها مخابز شعبية، ورصدت مشهداً يتكرر يومياً، عجين يدور مع الآلة تحت أنظار المتابع المختص بمقادير الدقيق والماء، ثم تأتي عملية التقطيع وأيضاً لها مختصوها المتمرسون في تحديد حجم الرغيف بمهارة فائقة، ثم تدور آلة تسوية الرغيف ليأخذ شكله النهائي قبل دخوله للفرن، مراحل مختلفة إذن يدور في فلكها رغيف الخبز،
والأجمل بينها هو ما نراه بأعيننا ساعة خروج الرغيف الطازج ليفتح شهيتنا حتى ولو كانت المعدة ممتلئة لتوها، البعض منا لا يستطيع كبح جماح شهيته فتراه يقضم قطعة من الرغيف ليستطعمها، والبعض يحرص تماماً على أن تكون مائدته مزينة بالرغيف الساخن في كل وجبة.
ولما كانت المخابز الكبيرة تأخذ على عاتقها مهمة توزيع الخبز المغلف في الأكياس على أماكن البيع في البقالات والمحلات التجارية الكبيرة، وتوفر للمستهلك خدمة قد تصل إلى بيته مباشرة، إلا أن الجانب الآخر يحمل مشهداً مغايراً يتضح جلياً في المخابز الباكستانية والأفغانية والإيرانية والمخابز المصرية أيضاً،
فهذه المخابز تمثل وجهة للباحثين عن التغيير والتجريب وفي حالات أخرى يجتذبهم الرغيف الأسمر الذي يتهافت عليه مرضى السكر، ففي المخبز المصري رأينا أناساً من جنسيات مختلفة من بينها الهندية والباكستانية يشترون الرغيف الأسمر،
وإلى جانب حرصهم على حالتهم الصحية فهم يرون فيه رغيفاً ساخناً يفتح شهيتهم للأكل، تماماً كما هو الحال بالنسبة لشاب فلسطيني رأيناه واقفاً أمام المخبز الأفغاني بانتظار طلبه، فهو يرى في خبز التنور ما يذكره بالمخابز الشعبية في موطنه، كذلك يذكره بطعم رغيف الخبز من التنور، إضافة إلى كونه طازجاً وأن المخبز قريب من بيته، لكنه في بعض الأحيان لا يسعفه الوقت للحاق بالمخبز قبل أن يغلق أبوابه، وفي هذه الحالة يرضى بالبدائل كيفما كانت.
وأمام المخبز الباكستاني نرى الزبائن يتوافدون واحداً تلو الآخر، معللين إصرارهم على خبزهم المفضل كونهم تعودوا عليه في موطنهم الأصلي، ولأنه طازج يأخذونه من فوهة الفرن إلى موائدهم مباشرة، والحق أن المخبز الباكستاني والأفغاني هما المخبزان الوحيدان اللذان ينتظران طلبات الزبائن والإيفاء بها في الحال، بمعنى أن رغيف الخبز عندهم لا يدخل الفرن إلا بعد طلب الزبون،
وتظل العجينة جاهزة، وعندما تطلب حاجتك يقومون بإعداد الرغيف ومن ثم يدخلونه إلى الفرن ليخرج أمام عينيك منتفخاً متوهج الأطراف لتبتلع ريقك عدة مرات، قبل أن تلتقطه وتهرول عائداً إلى بيتك وإعداد مائدتك على وجه السرعة
عزالدين الأسواني: