شخصية آسرة بأحاديثها الشيقة، متوازن في أفكاره وآرائه التي تستند إلى الحجة القوية، مثقف له اطلاعات في مختلف المجالات العلمية منها والأدبية، وذهنيته متوقدة كانت أهلاً لاستيعاب طموحاته الدراسية المختلفة، فهو حاصل على بكالوريوس في الهندسة المدنية، ودبلوم في إدارة الأعمال، وماجستير في علوم البيئة متخصص في تلوث الهواء، ويعمل مهندساً استشارياً في البنى التحتية، وعلى الرغم من دراسته البعيدة عن المجال الأدبي، تراه عاشقاً للغة ومطلعاً على خفاياها، الأمر الذي جعله يعمل على نظرية يسميها «بصمة اللغة» عند الأدباء والشعراء.

أما في مجال تخصصه فقد أرهقته البحوث التي يجريها للخروج بنظرية جديدة لكيفية بناء الاهرامات، فبعد أن قرأ العديد من المؤلفات في هذا المجال، خرج بأفكار تدحض تماماً الأسس التي بنيت عليها النظريات السابقة. هذه الشخصية المتأملة فيما حولها على الدوام، ترى في السفر والسياحة فسحة لانعتاق الروح في رحاب عظمة الخالق، تشغله التفاصيل الصغيرة فيجلس متأملاً ،مع المهندس سفيان محمد أبو دياب. نسترسل في حكايا السفر ونقلب ألبومات صوره لنتعرف على أهم المحطات السياحية في حياته، وما إذا كانت هذه المحطات لها صلة بنظرياته التي يعمل عليها.

نظرية جديدة في بناء الاهرامات: مصر هي الوجهة السياحية المحببة إلى نفس سفيان، لا يمل من زيارتها ولا يكتفي بما يحققه من انفتاح على مجتمعها وما يتوصل إليه من معلومات في كل زيارة يقوم بها إلى منطقة الجيزة والاهرامات، يقول: عندما تذهب إلى بلد في زيارة، فإن أول شيء يلفت انتباهك هو مدى شعورك بالأمان والطمأنينة النفسية لهذا البلد، وفي مصر لا أشعر بالغربة أبداً، وكأنني مقيم فيها، أعرف أناسها وكأنني التقيتهم من قبل في مكان ما، ومن قبل زيارتي لمصر فأنا أحببتها وأحببت شعبها، لربما كانت للأعمال الفنية صلة في هذا الأمر، في كل الأحوال فإن الواقع والمشاهدة الحقيقية للأمكنة والبشر هما المحكان الحقيقيان للحكم،

لكن محبتي وعشقي لمصر زاد كثيراً عندما وطأت قدماي أرضها، لقد شغلتني اهراماتها كثيراً، وذكرت في طريقة بنائها بعد أن قرأت العديد من النظريات التي تم تأليفها في هذا المجال، ومع احترامي لجميع النظريات إلا أنها كانت قاصرة عن إقناعي بشكل تام، وللأسف فإن بعض النظريات صورت الشعب المصري على أنه مجرد عبد عتال أخذ على عاتقه نقل الحجارة التي بنيت بها الاهرامات، وهذه النظريات اغفلت تماماً عوامل الجاذبية التي احترمها المصريون القدماء أكثر من غيرهم، ولهذا أنا استبعد تماماً فكرة نقل الحجارة، أما الأقرب إلى البحث فهو أن الاهرامات كانت جبالاً ثم حجرت، فطريقة البناء فيها الكثير من الفن والهندسة واحترام قانون الجاذبية في المقام الأول.

أما عن مصر بشكل عام فهي بلد جميل، واينما نظرت رأيت تحفاً معمارية ومناطق أثرية تعود إلى فترات مختلفة من العصور السابقة، وعلى عكس ما يشتكي منه البعض بخصوص الغلاء أو استغلال السائحين، فأنا لم يصادفني هذا الأمر ربما لان ملامحي قريبة من ملامح المصريين، والموقف الطريف الوحيد الذي شعرت فيه بالاستغلال كان في منطقة الاهرامات، فقد رغبنا نحن المجموعة في ركوب الخيل، وسألنا صاحب الحصان عن المبلغ فقال جنيهاً واحداً لمسافة متفق عليها، وعندما ركبت الحصان أبى أن يتحرك، فقال السايس عليك ان تدفع مبلغاً آخر، وبعد مشادة كلامية دفعت اليه، فهمس في اذن الحصان بكلمات تحرك بعدها إلى مسافة معينة وتوقف، فاستهوتني الحكاية ورحت ادفع لكي اعرف سر الكلمات التي تقال للحصان، هذه الحادثة تبين مدى ظرف المصريين حتى في تعاملهم مع الحيوانات، وعلى الرغم من الاستغلال الواضح في هذه الواقعة، إلا أنني كنت مستمتعاً بما يحدث.

الأتراك يقرأون الجيوب

تركيا كانت المحطة السياحية التالية لسفيان محمد، وعنها يقول: في رحلتي إلى تركيا زرت المناطق الأثرية ومعالم مدينة اسطنبول، وزرت أية صوفيا وجامع السلطان أحمد وجسر البسفور، والحق إنني عندما زرت المعالم الأثرية أدهشتني روعة المباني ودقة التصميمات وبهاء النقوش عليها، فهي معالم تدل على عظمة الهندسة المعمارية القديمة والحرفية الفذة عند المهندسين الذين صمموا وأشرفوا على بناء هذه التحف المعمارية، وقضيت فترة زيارتي متنقلا سيراً على الأقدام، فأنت لست بحاجة لسيارة وإلا فاتتك معالم كثيرة دون أن تتوقف عندها وتستمتع بجمالها، أما المفارقة التي حدثت معي في تركيا فكانت قاسية للغاية، فقد كنت عقدت العزم على زيارة أثر يقع في منطقة جبلية تتطلب الصعود مسافة طويلة، وبعد طول عناء وصلت إلى البوابة ليخبرني الحارس أن المكان مغلق اليوم، وسيفتح غداً، أما كان قادراً هذا الحارس أن يخبرني بذلك وهو يراني أصعد الجبل؟

المهم أنني ذهبت في اليوم التالي وعاودت رحلة الصعود القاسية، وعندما وصلت استقبلني نفس الحارس بابتسامة واسعة وهو يشير إلى البوابة الخلفية المسموح لنا بالدخول منها، اذن عليَّ أن اهبط وادور حول المنطقة لاصعد مرة أخرى للبوابة الخلفية، لكنني عدلت عن الزيارة والغيتها وفي نفسي مرارة لا توصف، هذه الحادثة توضح استهتار الأتراك بآثارهم، فقد كان على هيئة السياحة عندهم أن تهتم بهذه الأمور الإرشادية ولو بكتابة لوحات تبين ذلك، أما عن اسطنبول فهي مدينة استغلال من الدرجة الأولى، والأتراك يقرأون جيوبك بعيونهم وكأنهم يقرأون في كتاب، ومع ذلك فقد كانت رحلتي إليها موفقة وسعدت بها.

في رحلته إلى الهند يتوقف سفيان محمد عند تفاصيل صغيرة قد لا ينتبه إليها الآخرون، يقول: الهند بلد يشكل لوحة متفردة قل أن تجدها في بلدان العالم، كثافة سكانية وازدحام شديد إلى درجة الاختناق، ولا يقتصر الازدحام على العنصر البشري والسيارات، وإنما تجد الحيوانات وخصوصاً الأبقار تمشي جنباً إلى جنب مع البشر، ولا بأس أن يتوقف الباص لبضع دقائق حتى ينهي قطيع من الأبقار مروره بعرض الشارع، والشعب الهندي طيب ومتعاون إلى أقصى حد، لكن من الأفضل أن لا تأخذ رأي أحدهم في شيء، خصوصاً السؤال عن مكان أو عنوان، فهو بعد عناء الحديث وشرح وجهتك يعطيك العنوان الخاطئ لأنه لم يفهم منك شيئاً،

والغريب أن ما حدث معي يُعد نموذجاً صارخاً لبطء فهمهم، فقد خرجت في الصباح الباكر من الفندق الذي أقيم فيه، وكانت لوحة الفندق مضاءة، وعندما عدت مع سائق تاكسي لم أجد اللوحة، فقلت له إنه جاء إلى فندق آخر، فذهب بي إلى مكان مشابه لاسم الفندق الذي أقيم فيه وكان خاطئاً أيضاً، وهكذا قضيت وقتاً طويلاً بين الفندقين إلى أن انتبهت إلى لوحة الفندق،

والمفارقة كانت تكمن في الطريق المؤدي إلى الفندق، فقد كانت بوابة الفندق الأمامية واقعة على شارع مغاير لشارع العودة إلى البوابة الخلفية، وكان عليه أن ينبهني إلى هذا الأمر، أما المفارقة الأخرى فكانت مع السلة التي يحملها كل راكب في الباص ونحن في طريقنا إلى كشمير، وهي منطقة باردة تحتاج إلى ملابس ثقيلة، وفي كل مرة يراني فيها السائق وأنا أعاني من البرد يمد لي بسلته وأنا أرفضها، وقد حسبته يعرض علي شيئاً من المأكولات،

وعندما وصلت إلى كشمير استقبلني أصدقائي والكل يعرض سلته، فلما أمسكتها وجدتها دافئة للغاية، فهي تحتوي على جمر وتستخدم في هذه المنطقة كدفاية خصوصية، ولهذا فإن الكشميريين جميعهم يلبسون الثوب الخاص بهم، وهو بفتحة ذراع واحدة، إذ أن اليد الأخرى تكون ممسكة بالسلة تحت الثوب.

إسقاط الواقع على الخريطة

ويبدي سفيان محمد إعجابه الشديد بالشعب التونسي وبرقيه في التعامل مع الآخرين، يقول: زيارتي إلى تونس كانت اكتشافاً جديداً بالنسبة لي، وأنا أصفها بالسجادة الخضراء المنبسطة على الأرض، تتخللها زخارف بيضاء هي في الأصل مبانٍ سكنية، تونس لوحة جميلة لا تشبع العين من بهائها، وتتميز مبانيها بالطراز المعماري الإسلامي مع مسحة فرنسية، ويلفت انتباهك في مدينة تونس حرص أهلها على نظافتها حتى في الشوارع الخلفية وفي الأزقة والحارات،

كما ان الشعب التونسي مضياف ومتعاون إلى أقصى حد، والشيء الوحيد الذي عكّر صفو رحلتي هو الشاي، فلم يكن يوجد في المنطقة التي أسكن فيها سوى مقهى واحد يقدم الشاي الأخضر إلى جانب الشاي الأسود، وأنا بطبعي لم استسغ كلاهما ورحت أبحث عن مقهى يقدم الشاي العادي، وأخيراً وجدته في منطقة بعيدة، وأصبح كوب الشاي يكلفني ثلاثة دنانير بعد إضافة أجرة المواصلات ذهاباً وإياباً،

أما رحلتي إلى السودان فقد كانت قصيرة زرت خلالها أهرامات مروى، واستمتعت في جزيرة «توتي» وهي جزيرة يمكن أن تستغل سياحياً بشكل أفضل، وخرجت من السودان بانطباع جيد عن شعبه الطيب، لكنه في الوقت نفسه لا يتعاطى كثيراً مع الأجنبي، كما ان الخدمات ما زالت متواضعة هناك.

زيارة سريعة قام بها سفيان محمد إلى كندا وأعجبه مشهد شلالات نياجارا، وتأمل أمامها عظمة الخالق، كما خرج منها بانطباع غريب عن شعبها وهو يصفه في حركته اليومية بما يشبه «الروبوتات»، أما زيارته إلى اذربيجان فيقول عنها: عندما وطأت قدماي اذربيجان أحسست بأنني أعرف هذا المكان،

كأنني زرته من قبل، ورحت أفتش في الذاكرة حتى تذكرت مشاهدتي للأماكن على شاشة التلفاز أثناء عرض مقاطع من الهجوم على البرلمان، واذربيجان بلد جميل حباه الله بمناظر طبيعية خلابة، والشعب هناك يرتدي الملابس الرسمية حتى ولو كان متسولاً، ومع أن الإسلام هو الديانة الرسمية هناك إلا أن الحياة اليومية لا تشي بذلك، فكأن البلد إسلام بلا مسلمين،

كما أن الاستغلال منتشر بشكل واسع، والموقف الطريف الذي حدث معي هناك كان أثناء عودتي، وعلى متن الطائرة كان التفتيش على أشده بحثاً عن شخص أرمني موجود على متن الطائرة، خوفاً من حدوث شئ ما كاختطاف الطائرة أو تفجيرها، وكانوا يفتشون جميع الركاب ويدققون في جوازات سفرهم إلا أنا، فقد كانت ملامحي لا توحي بأنني أرمني على الإطلاق، وأخيراً أمسك أحدهم بجواز سفري وقرأ اسمي وراح في نوبة ضحك طويلة، فاسم سفيان قريبا جداً من إيقاع الأسماء الأرمينية التي تنتهي في معظمها بألف ونون.

وفي باكستان عاش سفيان خمس سنوات هي فترة دراسته الجامعية. ويقول عنها: باكستان بلد صعبة، والمعيشة فيها تتطلب صبراً وقوة تحمل، ومع أنني ذهبت إليها للدراسة، إلا أنني رحت أكتشف معالمها السياحية وذهبت إلى السند لزيارة حضارة مونجدارو، وهي أقدم منطقة عرف أهلها الصرف الصحي عن طريق قنوات مكشوفة فوق الأرض، أما التعامل مع الشعب الباكستاني فهو صعب للغاية.

وتبقى رحلات سياحية أخرى قام بها سفيان إليِ عدة بلدان منها اليمن وسوريا ولبنان، غير أن اختياراته للبلدان التي يزورها تخضع لعملية جمع معلومات عنها قبل التوجه إليها، إلا أن عملية جمع المعلومات في نظره غير كافية للتدليل عن مميزات البلدان، وحدث معي ذلك في زيارتي لتركيا،

فقد كانت المعلومات ناقصة وغير معبرة عن حقيقة الواقع، أما البلد الذي يتمنى زيارته فهو بريطانيا، حتى يتعرف على الشعب الذي صنع في وقت من الأوقات إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، غير أن وجهته السياحية التالية ستكون إلى مصر.

ويعتبر سفيان أن رحلاته السياحية تأتي من منطلق ثقافي بحت، ويحرص أن تكون كاميرته هي أول وأهم شيء يرافقه في رحلاته، إلى جانب حقيبة صغيرة تحتوي على المستلزمات الشخصية، أما وهو عائد فيحرص على شراء التحف والهدايا التذكارية التي تمثل روح وثقافة البلد الذي زاره، وهو غير مهتم بالأمور التسويقية على الإطلاق، أما عن شعوره وهو مسافر فيقول:

على الرغم من تعدد سفراتي إلا أنني لم أجد فوارق بين المطارات، فكلها متشابهة ولا تعدو أن تكون محطات عالمية لا أكثر، أما إحساسي أثناء السفر فهو محصور في أنني مقدم على إسقاط الواقع على الخرائط، بمعنى أنني سأكتشف بلداناً رأيتها فقط على الخريطة.

عز الدين الأسواني