بين العمل الإداري المؤسساتي، والهاجس الثقافي والإبداعي، تكاملت شخصية ماجد بوشليبي وتجذرت ملامحه في غمار التجربة العملية والإنتاج الأدبي كقاص ومسرحي. ولم تستطع المهام الإدارية والمناصب العديدة التي تقلّدها، أن تبعده عن هواه الحقيقي في كتابة القصة، والاطلاع على الحراك الثقافي بكافة تجلياته، ذلك أن تلك الهموم تبلورت لديه منذ طفولته التي قضاها في الكويت، ورفقته الدائمة لوالده الذي عرّفه على العديد من الفعاليات الثقافية والعروض الإبداعية آنذاك.

وهاجس كتابة القصة القصيرة تعمّق لديه في المرحلة الثانوية والتي بدأها مع عبدالرضا سجواني في نادي القصة، حيث شاركا هناك في العديد من المسابقات الأدبية، حتى اختير في مسابقة (مجلة النهضة) كأحد أفضل خمسين قصاصاً على مستوى الوطن العربي، من خلال قصة (الأرملة) التي تشارك بها بعد تلك التجربة التي منحته الشعور بالثقة والاعتداد بالنص الذي يكتبه. إلى جانب ذلك كان بوشليبي موسوماً بالنشاط الدائم على مستوى العمل الطلابي، حتى أصبح مدير تحرير (مجلة المدرسة) التي كان فتحي عبدالمقصود يشرف عليها في مدرسة العروبة.

وانخراطه في العمل الطلابي واتحادات الطلبة واستغراقه في النقاشات الفكرية والثقافية، استمر معه في المرحلة الجامعية التي ضمت العديد من الطلبة البارزين والذين توصلوا إلى مراكز قيادية عليا في الدولة حيث ضمت دراسته في كلية الاقتصاد حوالي 390 طالباً و120 طالبة جمعهم الهم الفكري والدراسي على حد سواء، ووحدهم هاجس الارتقاء بالوطن والوصول به إلى أعلى المستويات.

وكان معه في الدفعة الأولى (حميد قطامي ـ خلفان المصبح ـ خليفة البخيت..) وغيرهم العديد من الأصدقاء الذين جعلوا من تجربة الجامعة تجربة ثرية. وهناك تحصّل بوشليبي على دبلوم في الإدارة وماجستير في الاقتصاد وهو يتابع حالياً دراسة الدكتوراه.

تبلور الكتابة المسرحية

ويعتبر بوشليبي أن بداية الثمانينات، وبعد تخرجه الأكاديمي مرحلة حاسمة في تبلور كتابته المسرحية، حيث عمل في بلدية الشارقة آنذاك وكان لصيق الصلة بالدائرة الثقافية ودائرة الارتباط الشبابي في مسرح الشارقة الوطني حتى كتب في تلك الأيام العديد من المسرحيات مثل (الميدو ـ الحمدوس ـ أبيض أسود ـ طير السعد ـ ثورة الموتى). وكانت مسرحية (البوم) أول عمل مسرحي قدم له وكان مقتبساً عن مسرحية (مركب بلا صياد) لأغاندور كاسونا.

ويضيف بوشليبي أن الناقد والمسرحي عبدالإله عبدالقادر كتب عنها نقداً شديداً في مقالة بعنوان (غرقت البوم في قاعة افريقيا) إلى أن جمعتهما صداقة عميقة فيما بعد، من خلال تجربة مشتركة في مجلة (الرولة) التي كانت من أفضل المجلات آنذاك.

شارك بوشليبي في العديد من الأنشطة المسرحية خارج الدولة وقدمت مسرحية (حمدوس) في تونس وعمل مع فؤاد الشطي وجواد الأسدي والعديد من الأسماء الكبيرة في العالم المسرحي، وقدم العديد من أعمال الدراما التلفزيونية كما شارك في مهرجان الأفلام الإماراتية بعمل يحمل عنوان (الطين الأخير) ذلك العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً وحضوراً مميزاً على صعيد اختراع أساليب جديدة في العمل السينمائي

وفي إطار الأفلام التي تقدمها تلك المسابقة الناشئة والتي عالج فيها طغيان المادي على الروحي والافتراق عن المعطيات الأخلاقية والإنسانية والتي تمثل النتيجة الحقيقية والمعنى الجواني الذي يجب أن، يكون عليه الإنسان في رحاب العمل الثقافي وفي إطار تسلم بوشليبي منصب مدير عام دائرة الثقافة والإعلام، وجد نفسه محاطاً بالعديد من المبدعين والنقاد وروّاد العمل الثقافي من أمثال يوسف عيدابي، محمد عبدالله، هشام المظلوم، والفنان عبداللطيف الصمودي.

ويقول: كنا نطلق على مجموعة الشباب اسم «الكرادلة» حيث كنا نصل الليل بالنهار ونبذل الجهود المضاعفة لإرساء العمران الثقافي والبنية الأولى لمختلف الأنشطة التي تبلورت فيما بعد، والتي وضعت لبناتها الأولى مع الدعم الكامل من كل الأطراف والجهات، وعلى الصعيد الشخصي لم أترك نشاطاً فنياً أو ثقافياً أو فكرياً منذ عام 1986 ـ 1998 لم أتابعه عن كثب بدءاً من بينالي الشارقة الدولي للفنون كقيّم ومنسق عام له ومروراً بمهرجان المسرح ومهرجان الطفل والتراث والفنون والآداب.

آنذاك كان الحراك الثقافي في ذروته والأسماء الإبداعية كانت تلمع في أفق المشهد الإماراتي من مريم فرج، أمينة بوشهاب، ناصر جبران، عبدالحميد أحمد، علي أبوالريش، وغيرهم العديد من الأسماء التي كرّست القيمة الحقيقية للإبداع.

ويؤكد بوشليبي أن هناك خللا أصاب الحراك الثقافي، وكأن تلك الأسماء قد انحسرت الآن، ولإعادة ذلك الحراك إلى جذوته المستعرة، يجب بالضرورة استعادة الأسماء القديمة التي ملكت الخبرة ويمكن لها أن تمثل استعاضة حقيقية عما نراه من تراجع إلى حد ما،

كما يرى أن علينا أن نبحث عن مخرجات العمل الثقافي من جديد وربطه بجذره الواقعي والمحلي، مع ضرورة الانفتاح على التجربة المعاصرة خارج جغرافيانا المحلية، وتطبيق بعض المعايير العلمية في جانب التخطيط والإدارة، حتى ترتقي فنوننا وتتسع دائرتنا الحضارية لتنصهر مع الحراك الثقافي والإنسان.

المنتدى الإسلامي

تقلد بوشليبي العديد من المناصب والمواقع الإدارية من نائب مدير بلدية الشارقة، أمين عام للمجلس الأعلى للطفولة، وكان في الوقت نفسه عضو اللجنة الاستشارية في كلية الدراسات الإنسانية في جامعة الإمارات وعضو مجلس جريدة «الاتحاد» وأمين عام دائرة الثقافة والإعلام، وصولاً إلى أمين عام المنتدى الإسلامي، وعن ذلك المنصب الأخير يقول بوشليبي:

لم يختلف دوري هنا عن دوري في أي مكان عملت فيه فدائما كان ثمة هاجس ثقافي يدفعني للارتقاء بعملي وفتح كوات التواصل والحوار مع الآخرين ودائما ثمة العديد من المحاضرات والمناظرات والفعاليات الثقافية على أرضية معتدلة وجذرية والضرورة التي اشعر هي في هذا الموقع هي بتقديم الصورة الحقيقية لديننا الإسلامي وسط العديد من حملات التضليل والحالات المتطرفة التي حاولت ان تسيء له بالعديد من الممارسات العملية والتنظيرات البعيدة عن جوهر الدين.

ويرى ان علينا ان نقدم الإسلام كفكر مستنير انطلاقا من التعامل مع النهج الإسلامي وفق المعطيات الراهنة والحقيقة التي تمثل جوهر الاعتدال والتوازن في الدين وهذا ما وحاولته في أي موقع شغلته من خلال بحثي عن التوازن في تقديم الأسس النظرية والفعاليات الفكرية التي تدور في إطارها إسقاطاتنا وهمومنا الإنسانية والأخلاقية وان تكون متوازنا ومبدعا ومنفتحا لا يعني الا تكون اسلاميا في قناعاتك.

ولا يستطيع بوشليبي ان يفصل نفسه عن أي عمل ثقافي فيقول: وجودي وجود ثقافي ولا أتخيل نفسي خارج هذا السياق وكل همومي تنحصر بان نبني تلك الأرضية المتينة والمدروسة والمتماسكة في أنشطتنا وتعبيراتنا الدائمة والا خسرنا معارك الفكر والثقافة وخسرنا معارك السياسة ولولا بعض المعطيات لخسرنا في الاقتصاد ايضا

إسماعيل الرفاعي