الوالد سعيد أحمد الختال يبحر في ذكرياته القديمة ويأخذنا معه إلى عالم كله مغامرات يذكرك بقصص ألف ليلة وليلة ورحلة السندباد في عالم البحار والمحيطات ويفتح بقعة ضوء على تاريخ الخليج وصناعة السفن وتجارة اللؤلؤ والغوص والصيد. استقبلنا على متن السفينة داوود التي هي في طور البناء ويشرف عليها.
رغم سنه التي تجاوزت السبعين مازال يحتفظ بذاكرة قوية عادت بنا إلى بداية القرن الماضي وتحديدا في العشرينات منه يقول : كنت أعيش مع والدي وإخواني بين تقاطعي فريج المرر وفريج السودان على مسافة أميال من البحر حيث لا يفصلنا عنه شيء ووالدي أحمد الختال من قبيلة آل بومهير عمل في الغوص وكان جوهرياً يقوم بتثمين اللؤلؤ.
و حول اشتهار والده بلقب الختال يقول: في إحدى المرات حصل والدي على لؤلؤة ثمينة تجاوز سعرها 800 روبية ، وفي إحدى الجلسات مع التجار خبأها والدي في ثيابه وكان جالس السيد محمد بن بيات واكتشفوها... ومن ذلك الوقت أصبحت شهرتنا بين الناس بيت الختال.
وأذكر في إحدى السنوات طمر البحر بيوتنا فتم تعويضنا ببيوت في منطقة بور سعيد ويضيف: درست في مدرسة الأحمدية عند الشيخ محمد نور وكان التعليم ممتعا وأخذنا الحساب واللغة العربية وحفظنا القرآن الكريم، وأذكر طريقة التعليم التي كانت تعتمد على سبورة، كانت أحسن من الطرق الحديثة للتعليم في أيامنا الحالية والتي تعتمد على التعقيد وكثافة المقررات التي ترهق الطالب وتجعله غير قادر على الاستيعاب ، والحمدلله بفضل سنوات التعليم أصبحت (معلم بحري) أعرف حساب خطوط الطول والعرض وتسلسل الأرقام والأهم قراءة الخريطة.
الجرأة جعلتني معلماً بحرياً كبيراً
يقول: عمل سكان منطقة دبي في جميع الأعمال المرتبطة بالبحر بداية بصيد الأسماك والغوص والطواشة وهي تجارة اللؤلؤ وكذلك صناعة السفن وكما ذكرت لك سابقا عمل والدي في الغوص وتعلمت منه أصول الغوص والطواشة بقيت معه لفترة ليست بالطويلة، لكن أحلامي كانت تتعدى الغوص، والطواشة كنت أتطلع لخوض تجربة الإبحار ورؤية الأقاليم والوصول إلى إفريقيا والهند لكن ذلك كان متعذرا لأننا في تلك الفترة لم نكن نملك سفينة قادرة على الإبحار.
بقيت فترة طويلة أغوص مع الوالد أنتظر الفرصة المناسبة لتحقيق حلمي كان ذلك في الخمسينات تحديدا في 1956م بداية تدهور تجارة اللؤلؤ الطبيعي في منطقة الخليج و ظهور صناعة اللؤلؤ في العالم وأوروبا...في تلك الفترة ساءت أحوال العاملين في الغوص و تحولت أعداد كثيرة منهم إلى أعمال أخرى كصيد الأسماك والتجارة وتشاء الصدف أن ترث والدتي قاربا صغيرا يسع 60 طنا وكان بداية تحقيق الحلم.
سافرت على متنه مع بعض العمال إلى إيران وهناك عرض علي مبادلته بسفينة أكبر تسع 90طنا وكنت صغيرا لم أتجاوز 17 سنة لاتخاذ قرار مبادلة القارب سالم دون استشارة والدي وإخواني، ولكن جرأتي جعلتني أتم الصفقة وطلبت من التجار تجهيز السفينة وحملتها تمرا من منطقة القطيف بالسعودية وعدت إلى دبي منتشيا بفرحة السفينة الكبيرة وفي نفس الوقت مذعورا من موقف والدي وإخواني...
وأذكر جيدا ملامح أخي الكبير عتيج لحظة اقترابي من الشاطئ، ومرت هذه الحادثة على خير ورغم رفض الجميع استسلم والدي للواقع، وبدأت في إقناع والدي في السماح لي بالإبحار إلى الهند لكنه رفض وتدخل السيد علي بن عبدالله في الموضوع واستأجر السفينة بـ 18 ألف روبية وجعلني معلما عليها.
وتحقق حلمي في بداية سنة 1963م وخرجت معلما على السفينة في أول رحلة طويلة استغرقت أكثر من ثمانية أيام وليال، وتعلمت على جهاز (الكمال) من شخص يمني متمرس ومنذ ذلك الوقت أصبحت معلما شاطرا.
أذكر أننا خرجنا من دبي متوجهين إلى الهند واشترطت عليهم في خط العودة المرور بكراتشي وحملنا منها الرز وبعض المواد الأخرى ثم عدنا إلى خور دبي وكانت فرحة والدي لا توصف وبقيت أكثر من ثلاثين سنة أعمل في التجارة معلماً بحرياً على متن سفينة (الباز) التي كانت فاتحة الخير على عائلتي خاصة بعد أن كبر الأولاد عتيج، محمد، عبدالله،
سعيد وكنت قد اشتريتها من الهند في إحدى رحلاتي التي استغرقت أكثر من 18 شهرا بعدها عدت إلى دبي وكان على متنها بعض الألواح والخشب صنعت بها قاربا صغيرا للسباق وقد دخل الختال سباق الزوارق الخشبية في سنة 1990 بدبي وحصل على مراتب متقدمة،
رغم أن لجنة التحكيم احتجت علينا وشككت في اللوح المستعمل لكن هذا لم يمنع من أن كبار الشخصيات أشادوا بفكرة التصنيع، وفعلا تطورت الفكرة بداخلي وقابلت المغفور له الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم وعرضت عليه الفكرة وطلبت منه قطعة أرض تجمع بين اليابسة والبحر. فعلا خصص لي أرضاً أقمت عليها مصنع الختال في منطقة القرهود بدبي لصناعة السفن واليخوت والطرادات، لدي أكثر من 130 عاملا.
وكانت الإمارات مركزا مهماً لصناعة السفن منذ عشرات السنين وخاصة دبي، وكان أهل الخليج من الكويت وقطر يحضرون إلى دبي لطلب بعض السفن، وكانت الهند المورد الأساسي للأخشاب ومازالت بعض السفن التي عملت في الغوص والتجارة موجودة حتى الآن بعد مرور مئة سنة وأكثر عليها وهي في الغالب صالحة للإبحار واعتاد الناس على تسمية السفن بمسميات مختلفة تعود لأشخاص أو مناطق أو أحداث.
ويضيف قبل فترة زارني مهندس سفن إنجليزي وسألني عن خرائط التصميم التي اعمل عليها لبناء السفن، واستغرب عندما أخبرته أني أصمم السفينة دون ورق وقلم وأضع القياسات بطريقة دقيقة لا تخطئ، أذكر أنه قال لي بالحرف الواحد المفروض منحك شهادة الماجستير في تصميم أنواع السفن.
وحول ذكريات الرحلات يقول: سافرت بلادا كثيرة وتعلمت عادات أكثر وتعرفت على شعوب العالم وصلنا إلى ساحل العاج بإفريقيا والهند وسواحل أخرى كثيرة وجلبنا بضاعة مختلفة، أخشاب ومسامير من الهند وإفريقيا والرز والقماش والتوابل من الهند.
ورغم كبر سن الوالد سعيد الختال يقول ابنه سالم: كانت آخر رحلة لوالدي سنة 1991م خرجنا إلى مقديشو، علمني حرفة المعلم البحري وقراءة الخريطة والتعامل مع البحارة على متن السفينة.بعدها تفرغ للمصنع ومراقبة تصنيع السفن والحضور يوميا إلى موقع التصنيع ومراقبة كل صغيرة وكبيرة ونحن مازلنا نستفيد من خبرته التي لا تنتهي أبدا وأعتبر نفسي وإخواني محظوظين بوالدي أطال الله عمره
أمينة عماري



