ليس من الصعوبة تصور تجار القوافل يقودون جمالهم المحملة بالحرير والسجاد والزعفران فطريق الحرير القديم يمر من هنا، من الشرق الأقصى باتجاه البحر الأسود ومناطق ابعد. وبالرغم برودة الجو في نهايات الخريف، إلا أن الداخل إلى سوق الفيرنساج في العاصمة الأرمينية يريفان، ينسى كل شيء حوله وهو يتجول في أرجاء السوق العجيب.
فمن مجموعة الفنانين التشكيليين المحترفين، الذين يعرضون لوحاتهم، إلى باعة التحف المصنعة محليا، والتحف القديمة،وعروض باعة العملات والمسكوكات القديمة ومنها كوبيكات روسية،دراهم عباسية، وليرات عثمانية، ضربت في القسطنطينية، دراهم قاجارية، وصفوية، عملات مشتركة أذربيجانية وأرمينية وجورجية صادرة سنة 1918، روبلات روسية كتب عليها وباللغة العربية «ياصعاليك العالم اتحدوا».
وهناك عملات فضية ونحاسية وبمزيد من البحث قد يعثر الزائر على مبتغاه من العملات الذهبية، أجواء تنوع قد لا يجدها الزائر في غير هذا المكان الذي يعج بالمرتادين.
ينعقد السوق عادة في عطلة نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد. تذكرت خبير المسكوكات الإماراتي الصديق عبد الله المطيري مدير بيت الشيخ سعيد في دبي، ليته كان معنا على الأقل كان سيعرفنا على تاريخ تلك العملات.
كل ما في السوق يوحي بالمتعة، بصرية كانت أم مادية. فبمبلغ قد لا يتجاوز المئة دولار أميركي يمكن للزائر أن يقتني لوحة أصلية موقعة من قبل الفنان الذي رسمها مع ابتسامة ود. باعة المعدات الطبية يفترشون جانبا كبيرا من مساحة السوق المفتوح، ابر،وملاقط، ومشارط، وميكروسكوبات على اختلاف أحجامها وأنواعها، ومعدات غرف العمليات، الشاش و المعقمات وما إلى ذلك، يحس المار بهذا الجزء من السوق كأنه في مستشفى.
أما مخلفات الحقبة الثورية السوفييتية البائدة فهي متنوعة، في أكثر من مجال، بل تكاد تكون هي الطاغية على مجمل معروضات السوق، ساعات روسية قديمة الصنع، الدوربينات العسكرية المقربة،مع بوصلات من نفس النوع واللون العسكري الكاكي، يفكها البائع أمامنا بطريقة العسكريين المحترفين.
مخلفات الحقبة السوفييتية
أما على مستوى الشارع فانتشار سيارات اللادا، والفولغا والنيفا الروسية في شوارع العاصمة الصغيرة يعد احد ابرز بقايا ذلك التأثير الذي لابد منه، وحين مازحت سائق التاكسي الذي اقلني بسيارته الفولغا وامتدحت قوتها وصلابتها، لم يبد ارتياحا لما قلت، وسألني عن جهة قدومي وعندما علم أني قادم من دبي ابتسم وقال هناك في دبي تجد السيارات القوية والفخمة.
الأزياء الفلكلورية التقليدية الجميلة، وأغطية السفرة المطرزة بألوان جميلة وحرفية عالية،أغطية الرأس الرجالية، والمشغولات الصوفية، بائعة الدمى بابتسامتها الامومية تدعوك وبلغة انجليزية سليمة أن تلقي نظرة على ما لديها، عرائس ملونة بمختلف الأحجام والأزياء الشعبية، حسب التوزيع الجغرافي والاثنوغرافى للسكان ولباسهم على خارطة أرمينيا التاريخية، وهو ما لفت انتباه الصديق الباحث عبدالعزيز المسلم مدير إدارة التراث بالشارقة رفيق الرحلة، فاقتنى عددا منها بحكم التخصص والهواية.
وأثناء مرورنا بين باعة الساعات القديمة المعروضة في فاترينات صغيرة الحجم، يجد الزائر ساعات مازالت تعمل ولماركات شهيرة، اوميغا و رولكس ولكن بموديلات قديمة أصلية وبأسعار لا تتجاوز المئتي دولار، ما أثار شهية المسلم لاقتناء شيء منها.
التذكارات الأرمينية، عديدة ومتنوعة، تى شيرتات، وأعلام، وقطع من السجاد الأرميني الفاخر، هي في الحقيقة عبارة عن لوحات فنية.
عذابات الأرمن وألام المسيح
مساحة السوق واسعة، وهو يتوسط العاصمة، والوصول إليه سهل لأنه قريب من أشهر ساحة وهى ساحة الجمهورية حيث مباني دواوين الدولة. التجول في الفيرنساج طقس، وفرصة للتعرف على ثقافة وتراث الشعب الأرميني، بل حتى هو فرصة للاختلاط والاطلاع على أحوال الشرائح الاجتماعية المختلفة التي ترتاد السوق في أيام إجازتها الأسبوعية.
أكثر شيء كان يؤرقنا في الحقيقة خاصة في أماكن مثل هذه، هو لزوجة بعض البائعين والعارضين الذين يبحثون عن صيد سهل عادة بين زوار غرباء من السائحين.
وهذا ما لم نصادفه في الفيرنساج، وهو أمر حدث بالفعل وعكس ما توقعناه تماما، فلزوجة البائعين وإلحاحهم المستمر هو مشهد ألفته ذاكرتنا السياحية لكثرة تكراره وفى أكثر من بلد،لكنه لم يتكرر هنا.
الكل ملتزم كما بدا لنا المشهد بعدم التطفل، أو الإلحاح على مرتادي السوق للشراء، إن سأل المار عن شيء من المعروضات يجاب بطريقة مهذبة، باختصار ودون تفصيلات مملة اعتادتها الأذن العربية.
أصوات المطربين والمطربات الأرمن تصدح بالموسيقى الأرمينية العذبة، تميز الإذن التأثيرات الشرقية، وأهات الناي الارميني «الدودوك» الذي يحكي عذابات هذا الشعب على مدى تاريخه.
هذه الآلة ذات الخصوصية التي برع في العزف عليها الفنانون الأرمن، ولعل من أشهرهم اجيفان كاسبا ريان الذي وضع موسيقى فيلم «المصارع» وفيلم ميل غيبسون الأخير «الآم المسيح» وغيره من الأفلام.. كما لا يمكن تجاهل موسيقى الفنان المحبوب جدا في أرمينيا «ارا غيفورغيان» الذي سنحت لنا فرصة الاستماع إلى شيء من أعماله في حفلة أقيمت على مسرح الأوبرا الذي يتوسط ساحة مبناه الخارجية تمثال للفنان آرام خاتشاتوريان.
المشغولات الفخارية الجميلة، الإيقونات،والتذكارات، والمسابح اليدوية المصنوعة من حجر الاوبسيديان الأسود والبني والأبيض الحليبي، وأطقم المكاتب، والاوبسيديان هو نوع من أنواع الحجارة الكثيرة التي تزخر بها الطبيعة الجبلية الأرمينية.يمكن للزائر أن يجمع من قطع هذا الحجر ما شاء من مناطق قريبة من العاصمة يريفان، خاصة الطريق المؤدي إلى بحيرة سيفان ومنتجع تزاخاتزور «وتعني الكلمة باللغة الارمينية وادي الزهور» الجبلي.
بائعات الصيني وأدوات المطبخ يفترشن مساحة من السوق،أطقم البورسلان، وأسياخ المشويات، الكباب والتكة الخور وفات الأكلة الأكثر انتشارا وشعبية هنا، معروضة بطريقة تجعل البائعة تشرح لنا الغرض من عرضها خاصة العرسان الجدد الراغبين في انتقاء أطقم للشاي والسفرة.
باعة الآلات الموسيقية لهم ركن كبير، حيث الكمنجات وآلات النفخ، الزرنة و الدودوك والناي، ويستخدم الأرمن في موسيقاهم مع هذه الآلات القانون والعود وآلة الجوزة أيضا،غير بعيد عن المكان يتعالى صوت مطرب السوق الجوال،عازفا على آلة الأكورديون بمهارة.
قطط سيامية وشيرازية
في الركن الأيمن من مدخل السوق، هناك صفان من باعة الحيوانات الأليفة، كلاب الشيواوا الصينية الصغيرة الحجم التي يمكن وضعها في الجيب، وكلاب البيكينيز الجاحظة العيون تطل بدلال وشيء من الفزع من الأحضان الدافئة لحاملاتها من البائعات.
يقترب منا احد البائعين وهو يمسك فرو كلبه الوثير الـ «الشاوشاو» ويستفسر عن طلباتنا التي يمكنه توفيرها، سواء من الكلاب المنحدرة من سلالات أصلية موثقة بشهادات، معروفة الأم والأب،ومشفوعة بشهادات التطعيم الصحية،كما يبدي استعداده لتوفير أنواع القطط السيامية والشيرازية ذوات العيون الزرقاء بفروها الأبيض والبني الذي يذكرنا بقطط البطاقات البريدية الجميلة الناعمة.
رذاذ خفيف يتساقط، رغم الجو الصحو المغري بالتسكع يجعلنا نسبر أغوار هذا العالم الجميل، بشيء من التمهل والتأمل.تتهادى نغمات الناي «الدودوك» الباكية من بعيد، وكان الإنسان الارميينى ترجم آلامه المزمنة والتاريخية بنغمات هذه الآلة.
امرأة تبيع أنواعا من الكلاب التي لا نراها إلا في الصور والأفلام السينمائية، التقيتها صيف السنة الماضية، اقتربت مني وهي تحمل جروا صغيرا تعرضه للبيع، سألتني إن كنت أتذكرها، حييتها، وسألتها عن أسعار القطط الشيرازية، بعيونها البريئة الشبيهة بعيون الأطفال، أخرجت لنا بطاقة تحمل اسمها ورقم تلفوناتها، ووعدت بتوفيرها الطلب وأكدت أننا سوف لن نختلف على السعر.
في أرمينيا يحس الزائر انه يتحرك فوق أرضية متحف مفتوح، حتى في هذا المكان الشعبي الطابع، تتسلل إلى مسامع الزائر المتأمل نغمات أشهر سيمفونيات عبقري الموسيقى الارميني «أرام خاتشاتوريان» ساحر الأوبرا الكلاسيكية الشهيرة سبارتاكوس، وموسيقى كوميتاس، والحان المبدع الشعبي سايات نوفا وغيرهم من الموسيقيين العظام و موسيقيي ومطربي الموجة الجديدة..
في نهاية السوق يفترش باعة الكتب القديمة والمستعملة الأرصفة الممتدة،كتب وأدلة سياحية، كتالوجات لأشهر أعمال الفنانين العالميين، بيكاسو وما تيس ورامبرانت ومونيه وللعديد من الفنانين الأرمن، بشروحات اغلبها باللغة الروسية والأرمينية،سألت بعضهم عن المخطوطات العربية فأكدوا وجودها، لكنهم فضلوا اللقاء في أماكن أخرى غير الفيرنساج، وكان اغلبها حسب ما اخبرنا أنها عبارة عن مصاحف.
عرض علينا احد باعة الكتب آنية معدنية قديمة عليها نقوش وكتابات عربية، واخبرنا أن لديه عدة مصاحف ومخطوطات عربية قديمة لها قيمتها التاريخية والعلمية.
وهى ظاهرة كما لاحظت موجودة حتى بين المواطنين العاديين، اي احتفاظهم بالمخطوطات وخاصة المصاحف والأناجيل القديمة يبحثون في الفيرنساج عن مشترين لها ممن يقدرون قيمتها العلمية وقادرين على دفع أثمانها المرتفعة مع أن بعضها لا يقدر بثمن حسب محدثنا بائع الكتب القديمة.
عمار السنجري
